على خلاف الكثير من التحليلات التي تذهب الى عدم تركيز الاهتمام على تطور الصين، يصل بنا المؤلف في إطار استعراضه لتجربتها الى حد التأكيد على أنها قد تكون خليفة الاتحاد السوفييتي، فيما يمثل تكريسا للمقولة التي طرحها البعض من أن الغرب يجد صعوبة في التعايش مع فكرة غياب العدو خاصة فيما بعد الحرب العالمية الثانية، وأنه على هذا الأساس كان تحديد الاتحاد السوفييتي كعدو. وبعد انهياره جرى البحث عن بديل آخر يتم به شغل الفراغ.

وقد يعزز هذه النظرة السيناريوهات التي يرسمها المؤلف ذاته لما يعتبره خطرا إسلاميا يفيض في تناول أبعاده الى الحد الذي يبشرنا فيها ويحذر أوروبا في الوقت ذاته من إمكانية تحولها الى قارة مسلمة في تحقيق لنبوءات كان ينظر اليها وقتها على أنها مسلية أو مثيرة للسخرية.

في إطار استعراضه لما يراه خروجاً للصين من القمقم في ظل عالم خال من منافسها التقليدي وهو الاتحاد السوفييتي مما يجعلها ترتقي الى مستوى قوى عظمى أخرى، يشير المؤلف الى أن من بين العناصر الأخرى التي عززت نجاح التجربة الصينية هو الجاليات الصينية التي تعيش في الخارج وذلك من خلال تفاعلها الإيجابي مع الرأسمالية .. فمن هونج كونج الى كوالالمبور، ومن سنغافورة الى سان فرانسيسكو تكونت نخبة رأسمالية صينية استغلها النظام الصيني جيدا.

وهنا يعود الى تناول رحلة دينغ شياو بنغ للولايات المتحدة بالتفصيل والتي يعتبرها كما أشرنا في الحلقة السابقة نقطة تحول مفصلية في تطور الصين، فيشير الى أن الهدف الأساسي للزيارة كان التأكيد على أنه بما أن الصين دخلت مرحلة التصنيع، فإن منتجاتها يمكن أن تجد لها مجالا في السوق الأميركية الكبيرة.

وفي نفس الوقت كشفت الزيارة أن دينغ أنشأ نظاماً تجاريا حرا من خلال المناطق الاقتصادية الخاصة على الشواطئ الصينية، حيث يمكن للشركات الأميركية أن تكون الأولى في مجال الاستثمار بشكل مباشر هناك جالبة معها التكنولوجيا المتقدمة.

وعلى هذا الأساس فإن الشركات الأميركية رأت في التحرير الصيني فرصة كبيرة لاستيراد بضائع ومنتجات صناعية رخيصة للمستهلك الأميركي. وإزاء هذه التحولات وفيما يعكس فكر التفوق والهيمنة تنبؤ بعض المحللين الغربيين بأن تتحول المناطق الاقتصادية الخاصة في الصين الى ما يشبه المستعمرات الأميركية في شرق آسيا.

وإن كان البعض قد نظر للمسألة من زاوية أخرى حيث راح يأمل أن يلقي التطور نحو الأخذ بأفكار السوق الحرة في الصين بتأثيراته على وضع النظام السياسي بما يؤدي بالحزب الشيوعي الى انتهاج الحرية السياسية.

ولكن ما هي النتيجة الافضل التي يمكن تخيلها والتي يمكن أن تصب في مصلحة (القرن الأميركي) ؟ يقرر المؤلف في محاولة لرؤية التجربة في إطارها الأشمل أن الأمور لا تحسب على هذا النحو.

المعجزة الصينية

لقد شهدت الصين، على شاكلة المعجزات الاقتصادية الآسيوية الأخرى، دفعة الى الأمام بفعل تعزيز التبادل التجاري.. وعلى هذا فإنه خلال الفترة ما بين 1978 و 1988 ارتفعت الصادرات الصينية بمعدلات غير مسبوقة. وقد كانت الوجهة الأساسية للصادرات الصينية وما زالت الولايات المتحدة. وهنا يذكر فيرغسون أن أكثر من 11% من واردات الولايات المتحدة اليوم تأتي من الصين والرقم في تصاعد.

ورغم أن الشركات الأميركية تأمل أن تستفيد من الدفعة التي تشهدها الصادرات الصينية من خلال الاستثمار في المجالات الثانوية، إلا أن القليل من الاستثمارات في الصين يأتي من الولايات المتحدة، حيث لا يتجاوز حجم الاستثمار الأميركي عشر الاستثمارات الأجنبية في الصين.

ويقدم المؤلف في هذا السياق الكثير من الجوانب الاقتصادية التي تكشف عن تحول في العلاقة التجارية والاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة لمصلحة الأولى وهو ما قد يكون لفت أنظار الأميركيين إلى حجم التحول الحاصل في الصين.

وقد انعكست هذه التحولات في إسراع العديد من الشركات الأميركية إلى دخول السوق الصينية تحت الضغط المكثف من الصناعات الصينية التي تسوق في الولايات المتحدة، وهو أمر جاء مدفوعا بعنصرين وهما انخفاض أجور العمالة الصينية عن نظيرتها الأميركية من ناحية، وقيام الصين بتخفيض سعر عملتها في مواجهة الدولار.

وعلى شاكلة التحول الذي حدث في نظرة الأميركيين إلى الصناعات اليابانية والتي كان ينظر اليها باحتقار خلال فترة من الفترات ثم بدأ الأميركيون يدركون مدى تقدمها فيما بعد في ضوء غزو الماركات اليابانية الأسواق الأميركية .. فإن نفس السيناريو يتكرر ثانية مع الصين هذه المرة.

ولم يعد الأمر يرتبط بالنسبة للأمريكيين بمجرد استيراد الأحذية والملابس الرخيصة من الصين، وإنما امتد الى استيراد أجهزة كهربائية والكثير من المعدات الأخرى، مما أدى الى قدر من العجز في الميزان التجاري بين البلدين لصالح الصين نتيجة احتلال هذه الفئة الأخيرة من المنتجات نحو 40% من الصادرات الصينية.

لقد ألقى هذا التحول بتأثيره على النظرة الأميركية إلى الصين وبدلا من النظر اليها على أنها ستكون مجرد مستعمرة شرق أسيوية أخرى، أو مجرد عملاق اقتصادي تابع في أفضل الاحوال في ظل سياسة الباب المفتوح التي تتبعها الصين في القرن الحادي والعشرين، فإن الأميركيين فوجئوا بأنهم امام عملاق اقتصادي يحسب له حساب..

وقد وصلت التقديرات، في هذا الصدد، فيما يشير الى عمق المنافسة الصينية للولايات المتحدة إلى أن الناتج القومي الصيني سيفوق نظيره الأميركي خلال عقود من الزمن وبالتحديد مع حلول عام 2041.

وانطلاقا من هذه الخلفية التحليلية، يطرح المؤلف الرؤية التي يسوقها البعض من أن هذا الوضع قد يؤدي الى نوع من الحروب التجارية المستقبلية بين البلدين، متسائلا عن إمكانية أن تتحول تلك الحروب الى نزاعات مسلحة بشكل أو بآخر؟

إن النتيجة النهائية التي تمثل خلاصة رؤيته، والتي يخصص لها المؤلف كتابا كاملا من المنتظر أن يصدر سبتمبر المقبل هي أن أولئك الذين افترضوا انتصار الغرب في 1989 سوف يكتشفون أنهم عاشوا في وهم.

والملاحظ هنا أن المؤلف يولي زيارة دينغ للولايات المتحدة أهمية كبيرة في التحول الصيني حتى أنه يطلق عليها توصيف الثورة، مضيفا أن تلك الثورة كان لها من التأثيرات العديدة ما يفوق تلك التي وقعت في الغرب منذ تولي تاتشر للحكم في بريطانيا في نفس العام وهو الامر الذي سنتطرق اليه في إطار تناولنا لقضيتي الصين والثورة الإسلامية باعتبارهما دلالة على نوع من التحولات الحاصلة على صعيد النظام الدولي حسبما يذهب نيال فيرغسون.

غير أن المؤلف يعود ليسترد بعض الفضل الذي نسبه الى دينغ شياو بنغ مشيرا إلى أنه رغم الدور الهام الذي لعبه إلا أن العديد من العوامل ساعدته على ذلك، فالصينيون فوق كل ذلك كانوا على الأقل يعتنقون ما نسميه بالثقافة الغربية، الأمر الذي يعني السوق الحرة حتى لو كان ذلك من خلال نسخة شرقية مخططة ومعتمدة من قبل دولة تقوم على نظام الحزب الواحد.

من الثورة الصينية الى الثورة الإسلامية، يشير فيرغسون إلى أنه في نفس العام الذي وصلت فيه تاتشر الى السلطة ووصل دينغ شياو بنغ إلى واشنطن، فإن مدينة قم في إيران كانت ميدانا لثورة أخرى بالغة الاختلاف، هي ثورة قادت التحول في العالم بعمق على شاكلة التحول الناجم عن عولمة اقتصادات السوق الحرة.

وبمنطق مقارن يقرر المؤلف أنه اذا كان عام 1979 هو العام الذي جلب امرأة الى السلطة في بريطانيا، وهى المرأة التي أبدت التزاما كبيرا بفكرة أن الخلاص يتمثل في السوق الحرة، فإن نفس العام جلب كذلك آية الله الخميني الى السلطة في إيران، الرجل الملتزم بفكرة أن الخلاص يكمن في تعاليم الإسلام وسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا تبدو المفارقة حسبما يذهب المؤلف، فزعيم يركز على قاعدة السوق الحرة، والآخر يركز على أن العالم يقوم على التعاليم الدينية.

يعيد المؤلف هنا الإشارة الى مواقف استقرت في العرف الغربي مشيرا الى أن ترحيب الشعب الإيراني بالخميني يعكس جوانب عديدة خاصة على صعيد نظام حكم الشاه، مركزا على انتقادات الخميني للولايات المتحدة.

يقول فيرغسون: بالطبع كان يوجد الكثير من الأسباب التي تفسر لماذا اعتمد الإيرانيون على زعيم كان يصف الولايات المتحدة بشكل مستمر على أنها الشيطان الأكبر، ففي 1953 قامت المخابرات الأميركية بمساعدة نظيرتها البريطانية بالإطاحة بنظام محمد مصدق وتنصيب الشاه محمد رضا بهلوي كديكتاتور على البلاد.

وقد كان نظام الشاه على مدى عقدي الستينات والسبعينات الأكثر ولاء للولايات المتحدة، وعلى ذلك يقرر أن الثورة الإيرانية في 1979 كانت بشكل جزئي مسألة إحراز اهداف ضد نظام الشاه العسكري والبوليسي.

ثم يحاول أن يشير الى أن الخميني عمل على حرفها عن هدفها مضيفا: ولكن تحت قيادة الخميني كان هدفها الرئيسي إعادة عقارب الساعة إلى الوراء من خلال تخليص المجتمع الإيراني من كل ما يتعلق بالفساد الغربي. وفي الوقت ذاته فإنها كانت تهدف، حسبه، الى تحدي القيم الأميركية ليس فقط في الشرق الأوسط بل أيضا في العالم الإسلامي

ويصل فيرغسون من خلال تحليله الى نتيجة يحاول من خلالها تجسيد فكرة الخطر الإسلامي حيث يعتبر أن الثورة الإيرانية وتوجهاتها كانت أكثر من مجرد محاولة إحياء الإسلام، بإنشاء حركة إسلامية متشددة تتجاوز الإطار المذهبي وتتسم بالمواقف المعادية للغرب ولديها الإمكانية للانتشار في العالم الإسلامي وحتى فيما يتجاوزه.

وهنا يشير المؤلف الى أن المفارقة هنا تكمن في الدور الذي لعبته الولايات المتحدة في نشأة ما يراه الغرب حاليا خطرا إسلاميا، وهو الدور المتمثل في مساعدة المجاهدين المسلمين في أفغانستان.

لقد قدمت الولايات المتحدة مساعدات سخية للمجاهدين من خلال السي أي أيه جعلت السوفييت يشعرون في النهاية بأنهم في حالة يصعب معها مواصلة وجودهم في افغانستان.

وقد انطلق الغرب بشكل عام والولايات المتحدة بشكل خاص في ذلك من القاعدة القديمة التي تقول إن عدو عدوي صديقي؟ وقد عزز من انتشار هذه الحركات التي يراها المؤلف متشددة الدعم الذي لقيته من دول أخرى تعد الحليف الأكثر أهمية للولايات المتحدة في العالم العربي.

لقد كانت النتيجة التي نجمت عن هذه التطورات تتمثل في طبيعة من اندفع لتلبية نداء الجهاد في افغانستان حيث لم يكونوا الفقراء في الشرق الأوسط وإنما في الغالب من تلقوا تعليما غربيا.

وفي معرض التفصيل لما يراه خطر الحركات الإسلامية التي كانت ثورة الخميني قفزة على طريق تطورها يشير الى أن ما يسميه حركات (الإسلام الراديكالي) أعادت إنتاج مجموعة من القيم لا تعكس المجتمعات الإسلامية وهى عملية وجدت تطبيقا واضحا لها في إيران على يد الثورة، غير أن خطورتها هى أنها كانت تتسع باتساع انتشارهذه الحركات على مستوى العالم الإسلامي كله.

وعلى ذلك وفي إطار تحليله للثورة الإسلامية في إيران وعلاقتها بتطورات النظام الدولي والتأثيرات المستقبلية للتيار الذي تمثله وعززت انتشاره يشير الى أنها انتهت الى الصدام مع النمط الغربي لوضع المرأة في إيران حيث تم ، حسبما يرى انطلاقا من رؤية غربية، الالتزام بتفسير حرفي للشريعة الإسلامية ففرض الحجاب على المرأة في الأماكن العامة. وعلى ذلك ساد نظام للفصل الشديد بين الجنسين في المدارس وفي المواصلات العامة.

كما تم منع السيدات من التمثيل والغناء في الراديو والتليفزيون، كما تم حسب زعمه وإن كان لا يوجد شواهد تؤيد ما يذهب اليه منع المرأة من دراسة الهندسة والزراعة والاقتصاد، وحتى في حالة الأخذ بهذا الإجراء فقد يكون وقتيا في بدايات الثورة. كما تم تصفية من لم يتخذ موقفا مؤيدا للثورة وعلى هذا الأساس أعدم عام 1979 وزير التعليم السابق فاروقهرو بارسا بدعوى تشجيعه الدعارة، والإفساد في الأرض.

كما تم منع الإجهاض، وهو أمر ليس فيه غرابة حتى بالمقاييس الغربية ذاتها حيث أن هناك قوانين في عدد من دول الغرب والولايات المتحدة ذاتها تحرم الإجهاض. وعلى هذا النحو يثير المؤلف العديد من القضايا التي تستلزم ردا يقصر المجال عن الإفاضة فيه.

من الثورة الصينية والإسلامية في إيران ينتقل المؤلف إلى استعراض ما قامت به تاتشر في بريطانيا ويعتبره دلالة على تحولات كبيرة في الغرب، أدت بدورها الى تحولات اجتماعية عميقة. ومن أبرز مظاهر التحول الناجمة عن سياستها دخول المرأة بشكل أكبر الى سوق العمل وسن تشريع ضد التمييز القائم على الجنس مع فتح كل أنواع الوظائف للمرأة والتي كان من الواضح أنه مسيطر عليها من قبل الرجل.

وقد شجعت قوى السوق المرأة على العمل في نفس الوقت حيث أن الموقف الخاص بقضايا الإجهاض في الغرب جعل من اليسير على المرأة أن تسير حياتها بسهولة. وقد سار الأمران بوتيرة واحدة.. فالمرأة تريد العمل وفي الوقت ذاته دفعت بها الضغوط الاقتصادية الى ذلك.

تطورات غريبة

غير أن المؤلف ينتقل من هذه النقطة الى أخرى يفيض من خلالها في الربط بين قضيتي صعود تاتشر والثورة الإسلامية ويتمثل في أن التطورات على الصعيد الغربي وخاصة مع دفع المرأة الى سوق العمل بكثافة أدى الى تطور سلبي آخر يفتح المجال لبروز الخطر الإسلامي، ألا وهو التناقص السكاني في أوروبا.

ويذهب المؤلف إلى أنه منذ نهاية السبعينات بلغ معدل إنجاب الزوجين في أوروبا الغربية أقل من طفلين. ومع حلول 1999 فإن الرقم أصبح 3,1 فيما أن أسوأ ما هو مفترض يتطلب أن يظل أو يبقى الوضع السكاني ثابتا أو على الأقل أن يظل فوق طفلين، وهو ما يعني أن الأوروبيين، ببساطة شديدة، توقفوا عن اعادة انتاج أنفسهم.

وهنا وفيما يبدو تحذيرا من قبل المؤلف لما يمكن أن يؤول اليه الوضع من نتائج يراها كارثية على الغرب، يشير إلى إن الإحصائيات السكانية للأمم المتحدة تفيد أنه إذا ما تواصل معدل الخصوبة على هذا النحو خلال خمسين سنة فإن عدد سكان اسبانيا سوف ينخفض نحو ثلاثة أرباع المليون، وايطاليا بنحو الخمس، والأكثر من ذلك فإن الانخفاض على مستوى أوروبا سيصل الى نحو 40 مليونا، الأمر الذي لم تحققه أي من الحربين العالميتين.

إن النتيجة أو النتائج المتعلقة بهذا الوضع المتعارض تتجه الى أن تكون درامية، ففي 1950 كان سكان بريطانيا يتجاوزون سكان إيران بنحو ثلاث مرات، ولكن مع حلول 1995 أصبح سكان إيران يتجاوزون سكان بريطانيا.

وتشير التوقعات الى أنه مع حلول 2050 فإن سكان إيران من الممكن أن يكونوا أكثر بنحو 50 % من سكان بريطانيا. وفي وقت كتابة هذا الموضوع، يقول فيرغسون إن معدل النمو السنوى للسكان في إيران يتجاوز نظيره في بريطانيا بنحو سبع مرات.

ومنذ نحو مائة عام عندما كانت موجات الهجرة عبر المحيطات الى أميركا واستراليا في أوجها فإن الأقطار التي كانت تشكل ما يسمى بأوروبا كانت تمثل نحو 14% من جملة سكان العالم. ومع نهاية القرن العشرين شهد هذا الرقم تناقصا حيث وصل الى نحو 6%، وطبقا لتقديرات الأمم المتحدة المتعلقة بعام 2050 فإن الرقم سيهبط الى نحو 4%. هذا يثير سؤالا هاما هو :

من سيدفع الضرائب اللازمة لجمع المعاشات الواجب دفعها للمتقاعدين في أوروبا؟ هذا يعني أن الأجيال الجديدة ينبغي عليها أن تدفع معدلات ضرائب بالغة الارتفاع أو القضاء على مظاهر دولة الرفاهية، أو أن البديل الآخر هو أن أوروبا يجب عليها أن تتسامح إزاء مزيد من الهجرة الشرعية الى أراضيها.

ومن هذا السرد للتطورات المتعلقة بالوضع السكاني في أوروبا، يشير المؤلف الى أنه اذا تم الأخذ بتقديرات الأمم المتحدة بشأن حجم العمالة الى عدد السكان غير العاملين في عام 1995 فإن أوروبا تحتاج الى استقبال مليون وربع المليون مهاجر سنويا اعتبارا من العام المقبل وحتى عام 2050،في حين أن الرقم السنوي الصافي للهجرة في عام 1990قدر بنحو 850 ألف نسمة.

مشكلة هجرة الاجانب

غير أن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو : من أين ستأتي الأجيال الجديدة من المهاجرين؟ يقول المؤلف في معرض إجابته على السؤال إن من الواضح أن نسبة كبيرة سوف تأتي من الأقطار المجاورة.

ولكن المعضلة هي أن أوروبا الشرقية لا تستطيع تزويد الغربية بالأرقام المطلوبة، بل إن تقديرات الأمم المتحدة تذهب الى أن سكان أوروبا الشرقية سينخفضون بمقدار الربع بحلول عام 2050. هنا يصل المؤلف الى النقطة الأساسية التي يريد الوصول اليها وتتمثل في أن البديل لا يمكن تحقيقه سوى من خلال الدول المجاورة في الجنوب الأوروبي وليس الشرق الأوروبي..

أي من خلال المسلمين وهنا يكمن الخطر الأكبر، الذي قد يفوق الخطر الصيني بحسب ما يرى المؤلف.وحول ذلك يقول فيرغسون : إن الواقع يشير الى أن معدلات النمو العالية في السكان إنما تجري في الدول المجاورة والتي معظمها إن لم يكن كلها من المسلمين. ومن ذلك على سبيل المثال المغرب والتي يصل معدل نمو السكان فيه سبعة أضعاف مثيله في أسبانيا.

ويستطرد المؤلف في هذا الصدد مشيرا الى ما يعتبره نوعا من التحول العكسي في علاقة أوروبا مع الآخرين فهناك نقطة في أقصى شمال الأراضي المغربية تسمى كوتاوتعد إحدى الزوائد الاستعمارية التي تعكس الماضي الأسباني في حين أنها تحولت اليوم إلى نقطة يفد إليها الكثير من الناس سواء من المغرب أو من الدول الأفريقية الأخرى من أجل اللجوء الى أوروبا سواء هربا من الصراعات الحاصلة هناك أو بحثا عن ظروف معيشية أفضل.

في تجسيد لما يعتبره أزمة على المستوى الأوروبي فيما يتعلق بالتعامل مع هذه القضية يذكر المؤلف أن المسؤولين الأوروبيين يعترفون بأنهم ليس لديهم معرفة دقيقة بشأن الاعداد التي تمثل هجرة غير مشروعة الى القارة، موضحا أن هناك نحو 50 ألف مهاجر غير شرعي يتم القاء القبض عليهم سنويا سواء عبر البحار أو الموانئ ولكن من المستحيل القول بالتحديد كم عدد الذين يستطيعون النفاذ الى أوروبا او الذين يلقون حتفهم جراء مثل هذه المحاولات.

وفي معرض التدليل على ما يذكره يوضح أن دوريات خفر السواحل الأسبانية تلقي أسبوعيا القبض على عشرات من المهاجرين غير الشرعيين الذين يحاولون التسلل الى جنوب أسبانيا أو جزر الكاريبي من المغاربة أو الدول الاخرى في قوارب صغيرة، ما يعكس حجم الأزمة التي تهدد مستقبل أوروبا.

تأليف: نيال فيرغسون

عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق