في هذه اللحظات، يجد العالم نفسه أمام تشخيص كسر جسيم. صحيح أنه لا جديد في ذلك خصوصا إذا عدنا بالنظر إلى القرن العشرين، إلا أن إحداثيات اللحظة الراهنة مغايرة تماما، فلم تعد لا الرأسمالية والشيوعية هما من تثيران الحروب، وإنما الصراع المتأتي من توتر العلاقات بين البلدان العربية والغربية. يتحدثون لغات سياسية مختلفة وثمة اختلافات في المبادئ الأساسية. ذلك هو ما يسميه البعض «صراع الحضارات».

في هذا الإطار، الكل ساهم في كتابة التاريخ، لكن البعض فقط يتمتع بترف تغيير مصيره أو تعديل وجهته أو مد جسور الاتحاد. ادوارد شيفرنادزه، آخر وزراء خارجية الاتحاد السوفييتي ورئيس جورجيا السابق، هو أحد هؤلاء المحظوظين، الذين ساهموا في تحديد وتيرة التاريخ.

مع ميخائيل غورباتشوف ختم نهاية الحرب الباردة ، وكان بقراراته بطل سقوط جدار برلين وساعد ، عقب سبعة عقود من الزمن، على إنهاء الحقبة الشيوعية. في عام 1992، قرر وضع كل ثقله في موطنه الأصلي جورجيا.

ولقد فعل ذلك طوال 11 عاما شاغلا منصب رئيس الحكومة هناك. ويقول شيفرنادزه في هذا السياق :س يغمرني الشعور بالفخر والكبرياء كوني ساعدت في إعادة أعمار بلاديس. لكن شعبيته تراجعت خلال سنواته الأخيرة في الحكم . وبعد سنتين من المظاهرات المتواصلة ونزول مئات آلاف الأشخاص إلى الشارع، انتهت سلطته.

منتقدوه من الجورجيين يتهمونه بأنه جمد البلاد طوال أكثر من عقد من الزمن، بينما يدينه الروس بسبب خيانة الشيوعية، إنها حياة أحد أكثر السياسيين شهرة في نهاية قرن الذي لا يجد اليوم تقديرا عند أحد. بعد أن ناهز من العمر 78 عاما، أنهى شيفرنادزه كتابة مذكراته ، معزولا عن أي صخب سياسي ومع مزيد من الوقت للتأمل.

في هذا الحوار، الذي أجرته معه صحيفة «الموندو» الاسبانية، يقوم وزير خارجية الاتحاد السوفييتي السابق بتحليل ما يدور من أحداث في العالم . وفيما يلي نص الحوار:

* انقضى أكثر من 16 عاما على انهيار الشيوعية وكوبا فيديل كاسترو ما زالت تقاوم جميع التغييرات، بينما يعتلي سدة الحكم الآن شقيقه راؤول، هل يمكن حدوث فراغ في السلطة هناك؟

- من الصعوبة بمكان تحليل هذا الوضع. فيديل شخص يتمتع بثقل كبير في كوبا، لكن راؤول يفكر بطريقة شقيقه نفسها . وبالتالي ، إذا ما حدث شيء لفيديل، وليته لا يحدث ويعيش سنوات كثيرة أخرى، فإن كوبا ستواصل السير على الدرب نفسه.

* رغم حركة الانشقاق الكوبية في ميامي ومعارضة الولايات المتحدة...

- نعم، على الرغم من ذلك، فأنا أعتقد بأن ذلك ما سيحدث. فالكثير من قادة أميركا اللاتينية يساندون فيديل كاسترو لأنه رجل ديمقراطي ويتمتع بنفوذ كبير في المنطقة. في كوبا لن يتغير شيء.

* لكن العالم يتغير بين ليلة وضحاها. هل تعتقد بأن الوضع السياسي والاجتماعي أسوأ مما كان عليه قبل 30 عاما؟

- لا نستطيع القول إن العالم يسير ويتراجع إلى الخلف . ولا بد من تذكر أننا عشنا طوال أربعة عقود في ظل الحرب الباردة بين أهم قوتين في العالم، حيث ساد توتر سياسي لا يصدق وكنا قادرين على مد الجسور للخروج من ذلك التوتر.

* كيف نصل إلى ذلك الحوار بين البلدان العربية والغرب؟

- لا بد من البحث عن لغة للتفاهم وتلك اللغة هي السلام.

* كيف للسلام أن يرى النور في ظل وجود الكراهية؟

- ستجد بلدان الشرق الأوسط نفسها مجبرة على شق طريق تستطيع التعايش فيه ، وهذا سيحدث حين تدرك أن الأبرياء هم الذين يموتون.وأنا لا أدري متى سيرى ذلك النور، لكن لصراع الشرق الأوسط حلاً ويتعين على مجلس الأمن إجبار الأطراف المعنية على تطبيق الاتفاقات الموقعة.

* لكن ما السبيل لمحاربة الإرهابيين؟

- يتعين على الدوائر العليا في البلدان أن تتصدى لهذا الشأن. صحيح أنه ثمة إرهابيون في العالم، لكنهم لا يمثلون سوى أقلية وفي جميع الأحوال يجب القضاء عليهم جميعا.

* الكثير من منتقدي النظامين الإيراني أو السوري يؤكد أنهما يحتضنان إرهابيين.

- ليس صحيحا أن إيران تعطي تصريحا للإرهابيين بأن يفعلوا ما يحلو لهم. ففي إيران هناك ديمقراطية أكثر مما في بلدان أخرى.

* يبدو أن المجتمع الدولي لا يجد كذلك الحل المناسب لبرنامج إيران الخاص بتخصيب اليورانيوم. إلى أي مدى يمكن للأزمة أن تصل؟

- لن يكون هناك أي حرب مع إيران . من الضرورة بمكان أن يتوصل كل من بوش وبوتين إلى اتفاق حول تبني استراتيجية مشتركة. وعليهما تقويم كيفية الحيلولة دون وقوع حرب مع إيران ومراقبة برنامج إيران النووي في الوقت نفسه.

* ينظر شذرا لبلدان مثل إيران وكوريا الشمالية، لكن ما رأيك بالسياسة الخارجية لبلدان مثل الولايات المتحدة؟

- ليست مغايرة لسياسات البلدان الأخرى. لدى الولايات المتحدة سياسة خارجية تنصب دوما على مصالحها . فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، تدعم العراق. أتعلم لماذا؟ لأنه يملك الكثير من النفط.

* فيما يتعلق بروسيا، هل تعتقد بأنها بلد يساعد على مد الجسور؟

- روسيا تلعب دورا جوهريا في العلاقات الدولية. فضلا عن أنها قادرة ، في ظل قيادة بوتين، على التفاوض والحوار والتوصل إلى اتفاقات . بوتين ليس حاكما مستبدا بأي حال من الأحوال . ولذلك، فإني أعتقد بأنه قد يتعين على الرئيسين بوش وبوتين أن يجتمعا أكثر . أما إذا ما جرت الأمور على هذا النحو، فإن العالم سيشهد صراعات أقل مما هو عليه الحال الآن.

ترجمة: باسل أبو حمدة

عن (الموندو) ـ اسبانيا