هذا حوار أجراه آمي غودمان مع المفكر الأميركي نعوم تشومسكي وشارك فيه عدد آخر من السياسيين والمحللين ونشرته مجلة «ديموكراسي ناو» أخيرا. تشومسكي أستاذ كرسي في علم اللغويات والفلسفة في معهد ماساشوسيتس للتكنولوجيا ومؤلف لعشرات الكتب ، آخرها « الدول الفاشلة: إساءة استخدام السلطة والاعتداء على الديمقراطيةس. في مايو الماضي، سافر إلى بيروت، حيث اجتمع، من بين آخرين، إلى زعيم حزب الله السيد حسن نصر الله.

وفي ما يلي نص الحوار:

ـ حبذا لو حدثتنا عما يجري الآن سواء في لبنان أو فلسطين.

ـ ما يحدث في غزة بدأ بانتخاب حماس في نهاية يناير الماضي، حين أعلنت إسرائيل والولايات المتحدة، على الفور، أنهما بصدد معاقبة الشعب الفلسطيني بسبب عدم التصويت بشكل صحيح في انتخابات حرة والعقاب كان قاسيا.

وفي الوقت نفسه وكما هو معروف ومع الأخذ في الاعتبار الفارق بين غزة والضفة الغربية، فإن اولمرت أعلن عن برنامجه الالحاقي المسمى، بشكل ملطف، « مشروع التجميع», الذي يوصف على أنه « انسحاب» مع أنه يقوم على ترسيم برنامج ضم الأراضي الغنية وغالبية الموارد الطبيعة، بما فيها مياه الضفة الغربية ، وكذلك تجزئة باقي الأراضي وتقطيع أوصالها، ذلك أن اولمرت قد أعلن أيضا أن إسرائيل ستضم وادي الأردن. لكن ذلك ينفذ بدون اللجوء إلى العنف المفرط وبدون الحديث عنه كثيرا.

أما في غزة، فإن المرحلة الأخيرة بدأت في 24 يونيو، عندما خطفت إسرائيل اثنين من المدنيين في غزة، طبيب وشقيقه، لا نعرف أسميهما. فأسماء الضحايا لا تعرف عادة، ويفترض أنهم أرسلوهما إلى إسرائيل، لكن أحدا لا يعرف ما الذي حل بهما. في اليوم التالي، حدث أمر نعرف عنه الكثير. قام مناضلون فلسطينيون بخطف جندي إسرائيلي، ونقلوه إلى داخل غزة. ولقد أعقب هذا تصعيد لهجمات إسرائيل على القطاع.

المرحلة التالية تمثلت في قيام حزب الله بخطف جنديين إسرائيليين، على الحدود كما يقولون. والسبب الرسمي المعلن هو أنهم يريدون تحرير بعض الأسرى.علما بأنه في حين هناك عدد من الأسرى اللبنانيين لدى إسرائيل، إلا أن أحدا لا يعرف العدد على وجه الدقة، رغم أن العدد المعلن رسميا هو ثلاثة، بينما من المعروف عمليا أن هناك مئات الأشخاص المفقودين. ومن يعرف أين هم؟

لكن السبب الحقيقي لعملية الاختطاف، وأعتقد بأن المحللين يجمعون على ذلك، هو أن حجم الهجوم والتاريخ المختارين يؤشران إلى أن القصد منه كان، في جانب منه، تخفيف الضغط عن الفلسطينيين عن طريق إجبار إسرائيل على القتال على جبهتين بشكل متزامن . ديفيد هيرش، الذي يعرف المنطقة على نحو جيد ، وصف هذا الوضع بأنه انتشار التضامن مع الناس الذين يعانون والحث على احتضانهم.

بالنسبة للبنانيين، كان معروفا أن هذا العمل سيقود، بلا شك، إلى رعب كثير وإلى كارثة كبيرة.

ـ تلح بعض وسائل الإعلام على أن سوريا وإيران تقفان وراء الجانب الأكبر من عودة المواجهة إلى لبنان، ما هي وجهة نظركم حول هذه الأطروحات، التي يبدو أنها تنحي جانبا أهمية المقاومة الحقيقية الموجودة هناك ؟

ـ الحقيقة هي أنه ليست لدينا معلومات حول ذلك وأنا أشك كثيرا بأن الأشخاص الذين يكتبونه لديهم معلومات. بصراحة ، أنا اشك بأن لدى جهاز الاستخبارات الأميركي معلومات، لكنه أمر معقول، أعني أنه مما لا شك فيه أن هناك صلات وربما صلات قوية بين حزب الله وسوريا وإيران، لكن فيما يتعلق بما إذا كانت تلك الصلات قد ساهمت بتحفيز الأحداث الأخيرة أم لا، فأنا أعتقد أننا لا نملك أدنى دليل على ذلك.

يمكن لأي شخص أن يكون لديه فكرة ما حول هذا الموضوع، إذ يبقى كل شيء في دائرة الممكن، لكن من جانب آخر، ثمة أسباب كثيرة لافتراض أن لحزب الله دوافعه الخاصة، وربما كانت تلك التي يشير إليها ديفيد هيرش وبعض وسائل الإعلام .

ـ ماذا عن طبيعة الرد الإسرائيلي على عملية خطف الجنديين وما رأيكم ببعض الآراء، التي تبرر هذا الرد وتعتبره دفاعا عن النفس؟

ـ صحيح أن حزب الله قد أطلق آلاف الصواريخ ، لكن لا بد من ذكر أن هذه الصواريخ أطلقت بعد هجمات إسرائيلية عنيفة ضد لبنان أدت إلى قتل مئات الأشخاص وتدمير الكثير من البنى التحتية.

ومثلما هو معتاد، فإن للأمور سوابقها دائما، ولا بد من إقرار العناصر من مختلف الجهات، التي لعبت دور الصاعق في تفجير الوضع وإيصاله إلى ما هو عليه والتي تتلخص بالقمع الشديد والدائم وعمليات الخطف والفظا عات المتكررة في غزة والاستحواذ المتواصل على السلطة في الضفة الغربية.

وهي أمور إذا ما تواصلت ، فإنها تعني قتل أمة ونهاية فلسطين، وصولا إلى 24 يونيو الماضي، الذي تم فيه اختطاف اثنين من المدنيين في غزة وأخيرا رد الفعل المتمثل بخطف الجندي شاليت. هناك فرق بالطبع بين خطف مدنيين وخطف جنود، فحتى الشرعة الإنسانية العالمية تثبت ذلك الفارق.

ـ هل لك أن توضح طبيعة ذلك الفارق؟

ـ عندما يكون هناك صراع،على هامش حرب حقيقية وليس في غمار نزاع عسكري دائر، فإنه إذا ما حدثت عملية اختطاف أو إذا ما تم أسر جنود، فإن هؤلاء يجب أن يعاملوا بطريقة إنسانية، لكن أليست جريمة نظام أسر مدنيين وإرسالهم على الطرف الآخر من حدود البلد نفسه.

هذه جريمة خطيرة ولم يتم الإبلاغ عنها ولا حاجة للتذكير بأنه في غزة تحدث هجمات مستمرة وبأن غزة سجن كبير عمليا وتعيش في ظل هجوم دائم وتغرق اقتصاديا، بفعل الهجمات العسكرية وعمليات الاغتيال... الخ . وفي مقابل ذلك، فإن عملية خطف جندي، مهما كانت وجهة نظر المرء حولها، تحتل مكانا بارزا في سلم الفظاعات.

ـ ما هو الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة في كنف المنظمات الدولية فيما يتعلق بمسألة لبنان وغزة والشرق الأوسط عموما؟

ـ أعتقد بأن الدور الذي تلعبه في المحافل الدولية يتطابق مع دورها في الأمم المتحدة، حيث تلجأ، عادة، إلى استخدام حق النقض الفيتو منذ عقود من الزمن. فلقد حاصرت الولايات المتحدة بمفردها عمليا إمكانية التوصل إلى اتفاق دبلوماسي وإمكانية إدانة جرائم وفظاعات إسرائيل وعندما اعتدت إسرائيل على لبنان في عام 1982، وقفت الولايات المتحدة في وجه العديد من القرارات، داعية إلى وقف المعارك...الخ وأنا أعتقد أنها تنهج هذا النهج حتى الآن.

الولايات المتحدة تعتبر إسرائيل، عمليا، البرعم المنظم تنظيما عسكريا، الذي عليها حمايته من الانتقادات أو الأعمال المضادة وهي تدعم توسعه وهجماته ضد الفلسطينيين واستيلاءه التدريجي على ما تبقى من الأرض الفلسطينية. كما أن الولايات المتحدة تتصرف وكأنها تعمل على تحقيق مقولة لموشيه ديان في سبعينات القرن الماضي عندما كان مسؤولا عن الأراضي المحتلة.

قال لحكومته إن عليها أن تقول للفلسطينيين إنه ليس لديها حل لهم وإنهم سيعيشون كالكلاب وإن الذي يريد الذهاب فليذهب وسنرى إلى أين يقودنا ذلك. هذه هي خلاصة السياسة التي تتبعها الولايات المتحدة، وهي ستواصلها بطريقة أو أخرى.

ترجمة: باسل أبو حمدة

عن «ربليون» ـ اسبانيا