رغم أن السياق الذي جعلنا المؤلف نيال فيرغسون نعايشه من خلال ما عرضنا له في الحلقة السابقة يجعل القارئ يستبشر بإمكانية دخول العالم مرحلة من الاستقرار تخلو مما يسميه حروب الكراهية، إزاء ما راح الكثيرون يبشرون به من نهاية للتاريخ إلى انتصار النموذج الغربي، الأمر الذي كان يعني بالنسبة لهم اختفاء أسباب كثير من الصراعات، إلا أنه يشير إلى أن الأمور جرت على غير ذلك النحو تماماً، حيث شهد العالم خلال عقد التسعينات حربين جرت وقائعهما على غير ما جرت معظم نزاعات القرن وهما أزمة البلقان وأزمة رواندا.
وهناك جرى بكثافة استخدام سلاحين قل أن يلجأ إليهما أطراف أي نزاع وهما سلاح الإبادة وسلاح الاغتصاب، الأمر الذي ارتد على مرتكبيه في أحداث رواندا بانتشار مرض الإيدز بينهم.
وحسب تعبير فيرغسون فقد جاءت الأحداث في البلقان بمثابة سخرية سريعة من الحديث عن نهاية سعيدة وصل إليها الإنسان أخيراً يستطيع أن يهنأ معها بنوع من الاستقرار، وبدا مع تطور هذه الأحداث وكأن سكان يوغوسلافيا أداروا ظهورهم للعالم الجديد الذي تسود الآمال بأن ينعم بقيم الليبرالية والرأسمالية. فخلال شهور من انهيار الشيوعية في مختلف أنحاء أوروبا الشرقية، انخرطوا في حرب اتسمت بارتكاب الفظائع ضد المدنيين. وتاريخياً، فقد بدا ذلك وكأنه يمثل رغبة في عدم الوصول بالقرن إلى نهايته التي يراها الكثيرون وإنما رغبة في العودة إلى الوراء حيث بداية القرن العشرين.
وهنا يستعرض المؤلف التطورات التي أحاطت بوضع البوسنة خلال أوائل القرن وانطلاق شرارة الحرب العالمية الأولى من هناك، إثر مقتل الأمير النمساوي فرانسيس فرديناند على يد أحد المتطرفين الذين كانوا يسعون إلى توحيد يوغوسلافيا حسبما يذكر الكتاب.
وبعد نحو 75 سنة جاء سلوبودان ميلوسوفيتش حاكم صربيا الذي توفي مؤخراً في سجنه خلال فترة محاكمته على جرائم الحرب التي ارتكبها خلال فترة الصراع في صربيا، ليشعل النار ثانية في المنطقة من خلال خطبة له دعا خلالها إلى الاحتفال بذكرى مرور 600 سنة على معركة كوسوفو، في مسعى إلى إقامة صربيا الكبرى.
وهنا يشير المؤلف إلى أن ميلوسوفيتش بنى سمعته السياسية في صربيا باتخاذ موقف متشدد تجاه الأقليات العرقية الأخرى خاصة المسلمين. ويعرض لملامح من الاتفاق على تقسيم البوسنة بين ميلوسوفيتش كحاكم لصربيا وفرانكو تودجمان حاكم كرواتيا والاتفاق على ما يبدو أنه يمثل نوعاً من التخلص من المسلمين تماماً حتى ولو من خلال عمليات الإبادة.
وهو ما تم فعلياً على مرأى ومسمع من العالم. ففيما كانت الأمم المتحدة تركز جهودها على تقديم المساعدات لسكان سراييفو كان الصرب يحصدون أرواح المسلمين إلى الحد الذي لم يجدوا معه مكاناً لدفن جثث القتلى.
في تلك الأثناء أبدى الدبلوماسيون البريطانيون وغيرهم من السياسيين ذوي النفوذ معارضة قوية لاستخدام أي نوع من التدخل لوقف الأعمال الدموية، أو حتى تسليح مسلمي البوسنة حتى يمكنهم الدفاع عن أنفسهم. لقد راحوا يزعمون في الرد على ذلك الموقف بأن الكراهية القديمة أطلقت من عقالها مع نهاية الحرب الباردة، وهي الكراهية التي أبقى تيتو عليها برأيهم، ما وفر الفرصة لعودة المجازر ثانية إلى البلقان.
يشير المؤلف هنا وفي سياق استعراض تطورات حرب البوسنة كجزء من تاريخ حرب الكراهية في العالم خلال القرن العشرين، إلى أن الحرب الأهلية في البوسنة يبدو أنها تتناقض مع غيرها من الحروب التي اندلعت على خلفية أبعاد عرقية من تلك التي سادت القرن. ويعتبر المؤلف وفق قراءته للأوضاع في منطقة البلقان أنه لم تكن تتوافر لها المبررات الكافية للاندلاع.
فمن جهة لم تكن يوغوسلافيا فقيرة بل كانت واحدة من أكثر دول أوروبا الشرقية رخاء ليس بسبب بدء الإصلاحات الاقتصادية فيها مبكراً عن أي قطر آخر في المنطقة نتيجة للموقف الذي اتخذه تيتو بالانشقاق عن ستالين واتخاذ نهج خاص به ما جعل يوغوسلافيا إلى حد كبير بمنأى عن الصراع بين الكتلتين الشرقية الشيوعية من جهة بزعيمتها الاتحاد السوفييتي والغربية بزعيمتها الولايات المتحدة. وعلاوة على ذلك، فإن هذه التطورات على صعيد موقف تيتو جعلت من يوغوسلافيا الوجهة المفضلة في أوروبا الغربية كمكان لقضاء الإجازة، كما أنها كانت مصدراً للكثير من العمالة المهاجرة.
أما بالنسبة للحديث عن الكراهية فلم تكن توجد الكثير من مظاهرها فيما قبل 1989. كما أنه في مدن مثل فيسجارد تنتصب الكنائس إلى جانب المساجد فيما كان يشير إلى نوع من الثقافة العلمانية. كما أن نحو 12% من حالات الزواج في البوسنة كانت مختلطة، فمن بين الرجال الذين تزوجوا في 1989 على سبيل المثال فإن نحو 16% من بوسنيي كرواتيا ونحو 13% من بوسنيي صربيا، ونحو 6% من البوسنيين المسلمين في البوسنة ذاتها تزوجوا نساء من جماعات عرقية أخرى في كل جمهورية من هذه الجمهوريات.
التوازن الديموغرافي
ويشير المؤلف إلى أن أحد التوجهات الحاكمة وراء مواقف ميلوسوفيتش كانت التقديرات المتعلقة بالتوازن الديموغرافي. حيث كانت الإحصائيات تشير إلى تزايد نسبة السكان المسلمين بشكل كبير. ومن ذلك على سبيل المثال أن نسبة المسلمين فيما بين 1961 و 1981 في البوسنة ارتفعت من 26% إلى نحو 40% ، كما أن ألبانيي كوسوفو ارتفعت نسبتهم من 67% إلى 77% .
كما يرجع فيرغسون تطورات النزاع في بعض أبعاده إلى دور العامل الاقتصادي فيشير إلى أنه لعب دوراً في الصراع حيث إنه رغم تقييمه الإيجابي بشكل عام لحركة اقتصاد يوغوسلافيا، إلا أن سنوات الثمانينات شهدت تباطؤاً في النمو الاقتصادي بشكل عام وإن برز ذلك في بعض الجمهوريات أكثر من البعض الآخر. ومن ذلك أن النمو في سلوفينيا وكرواتيا كان أفضل، فيما أن الوضع في البوسنة وكوسوفو كان يسير إلى الأسوأ.
وفي المجمل فقد انتهى الصراع بفظائع ومآسٍ حتى أنه وفق التقديرات، وفيما يسميه سلاح الاغتصاب، فإن نحو 20 ألف سيدة مسلمة جرى اغتصابها خلال حرب البوسنة وفق تقديرات أوروبية، فيما تقدر مصادر بوسنية الرقم بنحو 50 ألف سيدة بينما لا يعرف أحد عدد القتلى بالتحديد.
غير أنه بعيداً عن تطورات النزاع فإن مشكلة البوسنة تحديداً تمثل مأزقاً للأسس التي يبني عليها المؤلف أعمدة كتابه. فمن ناحية يعيد فيرغسون السبب الرئيسي لمختلف صراعات القرن العشرين إلى تنافس الإمبراطوريات أو ما يسميه الدول الإمبراطورية، وهو أمر قد يكون صحيحاً وينطبق على صراعات النصف الأول من القرن العشرين الذي كان يسوده نزاع بين مجموعة دول ترتقي إلى مستوى الإمبراطوريات.
وكذا على صراعات النصف الثاني من القرن والتي حكمتها بشكل أساسي المنافسة بين قطبي النظام الدولي ممثلين في الولايات المتحدة والإتحاد السوفيتي. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: لماذا اندلع الصراع في البلقان رغم انهيار الاتحاد السوفييتي؟
ليس من المنتظر، كما يشير فيرغسون، أن يسود العالم نهايات سعيدة حسبما ذهب فرانسيس فوكوياما، ومن المتصور أن الصراعات ستتواصل سواء كان هناك قطبان أم أكثر أم لم توجد أقطاب على الإطلاق . وذلك ناتج عما يذكره هو في أجزاء متأخرة من الكتاب من تفسير سيجموند فرويد من أن الرغبة في القتل والتدمير أصيلة في الإنسان كما الغريزة الجنسية للحفاظ على البقاء.
غير أن مشكلة السياق الذي يقدمه فيرغسون هو تحييد أغلب العوامل المسببة للصراعات بما يصعب على القارئ في النهاية الوصول إلى نتيجة محددة بشأن السبب الحقيقي لها، حتى أنه في الجزء النظري من دراسته والذي تجاوزناه باعتباره قد لا يمثل اهتماما كبيرا للقارئ ينفي وجود أي تمايزات عرقية معتمدا في ذلك على دراسات علمية حديثة، مشيرا في هذا الصدد إلى اختلاط الأجناس.
وعلاوة على ذلك، فإن المؤلف ينفي حتى في إطار تناول هذا الصراع بالتحديد، وكما أشرنا في سطور سابقة، وجود إحساس بالتمايز العرقي أو حتى الديني، وإن كان يكتفي بالإشارة إلى أن الكراهية ظلت كامنة منذ أيام تيتو، الأمر الذي ينفيه من خلال صورة توحي لنا بأن الأوضاع في البلقان كانت على أفضل ما تكون قبل النزاع الأخير. غير أن ذلك لا يضعف من الإطار المتكامل الذي يحاول المؤلف أن يصب لنا صراعات القرن العشرين فيه وإن كان يسقط حلقة من حلقات هذا الإطار.
فالظروف الدولية في ذلك الوقت والتي جعلت العالم يعيش ما يمكن اعتباره نوعاً من سيولة القوة أو الفوضى الدولية أو ما يسميه المؤلف اللانظام الدولي الجديد، حيث بدا أنه ليس هناك قوة مسيطرة إزاء حالة التشتت التي سادت في فترة سقوط الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية وبوادر تفكك الإتحاد السوفييتي، ، وليس هنا مجال لتحليل الأزمة، إنما يمكن القول إنها مثلت دافعا لقادة الصرب على شاكلة ميلوسوفيتش لإحياء نزعات قومية وعرقية من أجل تحقيق أهداف تتعلق بطموحاتهم.
وهنا فإنه إذا كان صراع القوى الدولية يمثل ضابطا لإيقاع الصراعات الفرعية سواء لجهة تصعيدها أم وقفها، فإن غياب هذا الصراع الذي مثل نوعا من الفوضى الدولية كان بمثابة فرصة للبعض للانعتاق من التزامات وضوابط هذا الصراع لتحقيق أهداف خاصة به.
حقيقة التمايز العرقي
من ناحية أخرى، فإنه بغض النظر عن صحة الدراسات العلمية التي يستند إليها فيرغسون، وهي في أغلب الأحوال صحيحة، إلا أن ذلك لا ينفي فكرة التمايز العرقي، إن لم يكن على المستوى الفسيولوجي، فعلى المستوى السيكولوجي على الأقل، وإلا لما استطاعت شخصية مثل ميلوسوفيتش في حالة مثل حالة صربيا تجنيد كل الصرب وراءها وإقدامها على خوض غمار صراع عاد بالإنسانية إلى مرحلة بدائية.
وهو الأمر الذي يجد تفسيره في الحالة الثانية التي يقدمها لنا فيرغسون في سياق تناوله لصراعات عقد التسعينات وهو الصراع الذي حدث في رواندا. وحسبما يشير المؤلف بهذا الشأن، فإنه خلال 1994 مثلا قتل نحو 800 ألف معظمهم من قبائل التوتسي في الصراع العرقي في البلاد هناك خلال مائة يوم من الاشتباكات.
أما بالنسبة للخسائر الكلية الناجمة عن هذه الحرب والتي يطلق عليها المؤلف الحرب العظمى في أفريقيا الوسطى فإنه يشير إلى أنها تقدر بما يتراوح بين 5 ,2 إلى 3 ملايين شخص، وقد لقيت الغالبية من هؤلاء حتفها بسبب المجاعة أو المرض.
ومرة ثانية وعلى غرار ما حدث في البوسنة، تحدث أعمال عنف تتعلق بانتهاكات جنسية وقد انتهت عملية الاغتصاب الجنسي التي جرت خلال مجازر رواندا إلى تزايد معدلات انتشار وباء الإيدز.
ومرة أخرى نجد أن هناك من كسب من هذه الفوضى وهم السياسيون الذين استطاعوا أو تمكنوا من مقاومة الضغوط من أجل تمثيل ديمقراطي حقيقي وكذلك المبتزون الذين استطاعوا أن يحولوا عصاباتهم إلى جيوش خاصة. مرة ثانية يجد المجتمع الدولي أن من المريح له إلقاء اللوم على حالة الكراهية القديمة بين العشائر والقبائل الموجودة في رواندا.
ولعل الاعتبارات السابقة التي أشرنا إليها وما قد يرد من تحفظات على حالتي البوسنة ورواندا يجعلان المؤلف ينتهي من تناولهما بالإشارة إلى أنهما قد تمثلان استثناء من القاعدة العامة التي اتصفت بها صراعات القرن العشرين خاصة من جهة الإبادة واستخدام سلاح الاغتصاب الجنسي وأنه مما قد يكون ساعد على اشتعالهما تأخر التدخل الدولي في حالة البوسنة وانعدامه تقريبا في حالة رواندا.
ولعل مما ساعد على ذلك غياب منافس آخر من القوى العظمى وهو ما قلل من مخاطر هذه النزاعات على الوضع الدولي، حتى عندما اندلعت أزمة أخرى هي الغزو العراقي للكويت.
يبدو من الطبيعي بعد استعراض المؤلف لهاتين الحالتين والتحفظات التي قد ترد على تناولهما وقدمنا بعضها أن يعود المؤلف إلى السياق العام للكتاب مشيرا إلى أن حالة اللانظام الدولي الجديد لم تكن تهدد بحرب عالمية جديدة.
وعلى هذا فإن السؤال الذي يراه المؤلف جديرا بالأخذ في الاعتبار هو هل يمكن لهذه الحالة أن تتواصل؟ بكلمات أخرى ألا يمكننا أن نتطلع في القرن الحادي والعشرين إلى شيء غير الفوضى المحلية كمناقض لحرب العالم؟.
في معرض الإجابة على السؤال السابق، يشير المؤلف إلى أن هناك بعض الجوانب التي تؤسس لمثل هذا التفاؤل الحذر بشأن هذه الخلاصة. فطبقا لتقديرات حديثة، فإن الحروب بين الدول انخفضت بنحو 60 في المائة منذ منتصف الثمانينات وهي الآن في أقل معدلاتها منذ الخمسينات. ومنذ 2003 فإن نحو 11 نزاعا شهدت نهايات لها في أقطار عديدة من اندونيسيا إلى انجولا إلى ليبيريا وجنوب الصحراء الأفريقية.
غير أن ذلك لا يمكن أن يمثل ضمانة بانتهاء الحروب، ومما يشير إليه المؤلف في هذا الصدد أن ألبرت اينشتاين صاحب نظرية النسبية دعا عام 1931 فرويد إلى تشكيل رابطة للمثقفين من أجل تكثيف جهدها لتجنيد مجموعات من رجال الدين للحد من الحروب. غير أن فرويد راح يؤكد له عدم جدوى هذه المحاولة على أساس أن التدمير والقتل هما غريزة إنسانية، على شاكلة غريزة الجنس من أجل البقاء.
وفيما يمثل رؤية سياسية جديدة لتطورات العصر الراهن الذي نحياه، يذهب المؤلف إلى وجود ظواهر تشير إلى أن الملمح الأساسي للقرن العشرين وهو الحروب العنيفة سيتواصل رغم اختفاء الإتحاد السوفييتي، وهو العنصر الأساسي الذي مثل وجوده إلى جانب الولايات المتحدة مجالا لاستمرارها.
وهنا يبدو المؤلف ميالاً إلى رؤية أن حقبة ما قبل القطب الواحد أو اللانظام الدولي الجديد كانت تحمل بذور استمرارها مشيرا إلى أنه رغم كل الحديث عن تطورات باتجاه تراجع النزاعات الدولية، إلا أن هناك ظاهرتين تعودان إلى فترة 1979وتشيران إلى أن عصر اللانظام الدولي الجديد في طريقه الآن إلى نهايته.
هنا ينحو المؤلف لاتخاذ موقف فكري جديد ينطلق من التزام الرؤية الغربية للعالم رغم ما سبق من انتقادات تصل بالقارئ إلى استنتاج معارضته لهذه الرؤية، حيث يعيد المؤلف في إطار استعراضه لسيناريوهات مستقبل العالم استنساخ نظرية هنتنجتون حول صدام الحضارات مقدما إياها في نسخة أخرى.
وينطلق المؤلف هنا من إيلاء أهمية محورية لعام 1979 الذي يراه بداية على مسار تحول جديد كان على كافة الكتل الرئيسية على مستوى النظام الدولي. فمن ناحية حققت الصين خلال هذا العام قدرا من الاختراق يؤرخ لبداية تحولها إلى غريم للولايات المتحدة يوازي ما كان الإتحاد السوفييتي يمثله.
وفي ذات الوقت فقد وقعت الثورة الإسلامية في إيران، والتي يتخذها المؤلف إشارة البداية على تنامي خطر الأصولية الإسلامية على الغرب، وهو نفس العام الذي وصلت فيه تاتشر بتوجهاتها الرأسمالية المتطرفة إلى الحكم في بريطانيا.
وهى رؤية الرابط بينها أن هناك ما يمكن اعتباره صحوة على مستويات عدة تبشر بنوع جديد من الصدام فهناك صحوة صينية وأخرى إسلامية وثالثة غربية، الأمر الذي نعرض له بالتفصيل لأهميته في السطور المقبلة.
في معرض تقديم رؤيته التي نراها تتسم ببعض الجدة في مظهرها وليس جوهرها، يشير المؤلف إلى أنه رغم انهيار الإتحاد السوفييتي في أواخر 1991 وتأثيرات ذلك الانهيار العميقة والتي حدثت على الجانب الآخر من العالم، إلا أنه كان في هذه الأثناء نظام شيوعي آخر وإمبراطورية أخرى على المدى الطويل تعمل على تحقيق الإصلاح الاقتصادي دون تقديم أي تنازلات سياسية. وعلى ذلك فإن السؤال الذي يطرحه هو : كيف حقق النظام الصيني الإصلاح وتعظيم النمو الاقتصادي دون التضحية باحتكار السلطة؟
الإجابة البسيطة، التي يراها هي أنه عندما تصاعدت احتمالات الثورة في الصين عام 1989 فإن النظام قام بما تقوم به الأنظمة الشيوعية خلال الحرب الباردة حيث تصادم مع المعارضين في الداخل واستخدم الدبابات ففي 4 يونيو 1989 تم قمع حركة الطلبة في ميدان (تيانانمين) بدون رحمة حيث تم القبض على عدد غير معروف من الطلبة إثر هذه الأحداث، وتم سجن قيادات المعارضة بعد محاكمات صورية.
صعود الصين
ويخلص فيرغسون من هذا التقديم إلى التأكيد على أن ما حدث في الصين كان مناقضا بشكل واضح لما حدث في أوروبا الشرقية، حيث انتهت حركات المعارضة بإسقاط الأنظمة الشيوعية هناك، كما كان مناقضا كذلك لما جرى على الصعيد السوفييتي، حيث أنه فيما كانت القيادة السوفيتية تحاول القيام بنوع من إعادة البناء الاقتصادي وتحقيق الإصلاح السياسي في الوقت ذاته، فإن الأمر انتهى بثورة سياسية وانهيار اقتصادي.
على عكس شقيقاتها، فإن الصين كانت تحاول أن ترسم لنفسها منهجا جديدا يتمثل في تحقيق الإصلاح الاقتصادي دون السياسي، وهو ما بدا أنه يتحقق منذ 1979، حيث نما الاقتصاد الصيني بشكل كبير وبمعدل يقدر بنحو 10 في المائة سنويا الأمر الذي أدى إلى سد الفجوة بين الاقتصاد الغربي والآسيوي بشكل عام.
وبصورة تكشف عن نوع من الدهشة وعدم التوقع في الوقت ذاته، يشير المؤلف إلى أن ذلك النمو لم يتم تحقيقه من قبل الجناح اليميني المتمثل في التاتشرية ولكن من خلال نهج شيوعي، مع ملاحظة المفارقة في أن الرجل الذي وقف وراء المعجزة الصينية هو نفسه الذي أمر بتوجه الدبابات الصينية إلى ميدان تيانانمين، وهو دينغ شياو بنغ.
وهنا يشير المؤلف إلى التاريخ الحافل للزعيم الصيني في معاصرة ماو والعديد من الأحداث الصينية الكبرى ومنها الثورة الثقافية وما يسميه بالأيام السوداء لعصابة الأربعة. وحسبما اشرنا يذهب فيرغسون إلى اعتبار عام 1979 بداية التحول وهى السنة التي شهدت زيارة دينغ شياو بنغ إلى واشنطن، وكانت المرة الأولى التي يزور فيها زعيم صيني الولايات المتحدة.
وهنا يشير إلى أن دينغ شياو بنغ نجح في تحويل القفزة الكبرى إلى الأمام التي أرادها ماو وأدت إلى قفزة إلى الخلف إلى تقدم اقتصادي من خلال إنهاء السيطرة على الأرض الزراعية وتشجيع عملية التنمية في الريف والمدينة من خلال المشاريع الخاصة. وخلال عدة أعوام أصبحت هذه المشاريع تنتج نحو ثلث الناتج المحلي الإجمالي من الصناعة الصينية، فضلا عن جوانب أخرى عديدة نعرض لها في الحلقة المقبلة.
عرض ومناقشة: مصطفى عبد الرازق