تنطوي عبارة مسؤولية المثقفين على التباس جوهري ، إذ إنها تلغي الفارق بين ما يجب أن يكون وما هو كائن فعلا. من زاوية ما يجب أن يكون، فإنه لا تخرج مسؤوليتهم عن إطار مسؤولية أي إنسان شريف،رغم أن هذه المسؤولية عادة ما تكون أكبر،ذلك أن الامتياز يولد فرصا وهذه تولد بدورها مسؤولية أخلاقية.
لأسباب عادلة ومنطقية، نحن ندين المثقفين المذعنين للدول الوحشية والعنيفة وذلك بسبب خضوعهم التقليدي للذين يعتلون السلطة. وأنا أقتبس هنا تعبير هانس مورجنتاو، الذي يعد أحد مؤسسي نظرية العلاقات الدولية. لم يشر مورجتاو إلى ممثلي الأنظمة الشمولية، وإنما إلى المثقفين الغربيين، الذين تعتبر جريمتهم أكبر بكثير لأنهم لا يستطيعون التذرع بالخوف وإنما بالجبن والامتثال للسلطة فحسب.
تاريخ المثقفين مكتوب على يد المثقفين أنفسهم. إذن، ليس مدعاة للدهشة أن يصوروا أنفسهم كمدافعين عن الحق والعدل وأنهم يدعمون أرفع القيم ويواجهون السلطة والشر بشجاعة و نزاهة مذهلتين. مع أن التجربة تكشف النقاب عن مشهد مختلف تماما. منهج الخضوع التقليدي يعود إلى المدونات التاريخية الأولى. الشخص الذي برطل شباب أثينا بآلهة مزيفة هو الذي استحق نبات الشوكران السام، وليس الذين عبدوا الآلهة الحقيقية في النظام العقائدي.
كذلك كان هناك مثقفون موقرون إلى أقصى حد في عصر الأنبياء، أي المتزلفين للبلاط. كما تحذر الأناجيل من أنبياء مزيفين، يدنون في لباس الحمل، لكنهم من الداخل ذئاب مفترسة، ستعرفونهم من خلال أفعالهم. العقائد التي تسند أشراف سلطة الدولة لا تكسر، رغم الأخطاء والإخفاقات العرضية، التي يسمح النقاد لأنفسهم بانتقادها.
قبل قرنين من الزمن، أعرب الرئيس الأميركي جون آدمز عن حقيقة معممة: إن السلطة التي تعتقد دائما أن لها نفسا كبيرة ورؤى ذات مدى بعيد بعيدة عن فهم الضعفاء. ذلك هو الجذر العميق لتوليفة الوحشية والنفاق ، التي تفسد العقلية الإمبريالية وإلى حد ما تركيبة النفوذ والسيطرة برمتها.
وبوسعنا إضافة أن الانحناء باتجاه تلك النفس الكبيرة إنما هو موقف عادي للنخب الفكرية، التي عادة ما تضيف أنه يجب أن تكون هي الجهة التي تدير موازين السيطرة أو أن تكون قريبة منها على أقل تقدير.
ثمة تعبير مألوف لهذه الرؤية الدارجة يفيد أن هناك فئتين من المثقفين: (مثقفو التكنوقراط والمنكبون على السياسة ـ مسؤولون، معتدلون، بناؤون ـ و المثقفون المنكبون على القيم)، وهؤلاء يمثلون تجمعا يساريا يمثل تهديدا للديمقراطية وذلك من خلال واقع أنهم يكرسون أنفسهم لاحتقار القيادة و وطرح السلطة على بساط البحث وتسليط الأضواء على المؤسسات القائمة.
وأنا أستشهد هنا بدراسة تعود لعام 1975 أعدتها اللجنة الثلاثية ، المكونة من ليبراليين عالميين من الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، انصب تفكيرهم على أزمة الديمقراطية، التي حدثت في عقد الستينات من القرن الماضي، حين حاولت فئات من السكان عادة ما تكون مسالمة وغير مبالية وتصنف ضمن دائرة المصالح الخاصة - حاولت الدخول إلى معترك السياسة لصياغة مشاغلها الخاصة.
تلك المبادرات غير الملائمة أوجدت ما أسمته الدراسة أزمة الديمقراطية، التي شوهد فيها عمل الدولة الفعال مهددا من جانب ديمقراطية مفرطة. ومن أجل تجاوز تلك الأزمة، فإنه لا بد من إرجاع أصحاب المصالح الخاصة إلى وظيفتهم الملائمة كمراقبين مسالمين كي يتمكن مثقفو التكنوقراط من القيام بعملهم البناء.
أما المصالح الخاصة المخلة بالنظام فهي تعود للنساء والشباب و كبار السن والعمال والمنتجين الزراعيين والأقليات والأغلبيات، باختصار لمجمل السكان. ثمة مصلحة محددة واحدة فقط لا تأتي على ذكرها الدراسة: فئة رجال الأعمال. لكنه منطقي أن يكون كذلك. ففئة رجال الأعمال تمثل المصلحة الوطنية ومن الطبيعي أنه لا يمكن مناقشة مسألة أن الدولة تحمي المصلحة الوطنية.
بالنسبة لأولئك الذين يريدون فهم ما هو آت،فإن من الأهمية الفائقة بمكان تحليل المبادئ الخالدة التي تحفز قرارات الأقوياء في العالم الحالي، وبالدرجة الأساسية الولايات المتحدة.في المقالة التي تحمل عنوان من يؤثر في السياسة الخارجية للولايات المتحدة ،
المنشورة العام الماضي في مجلة أميركان بوليتيكال ساينس ريفيو، يتوصل المؤلفون إلى استنتاج- لا مكان للدهشة فيه- مفاده أن التأثير الأساسي إنما يتأتى من الشركات العالمية الكبرى ، رغم أنه ثمة تأثير ثانوي للخبراء الذين ، بدورهم ،قد يجدون أنفسهم تحت تأثير النشاط الاستثماري لرجال الأعمال. في المقابل فإن للرأي العام تأثيرا قليل الأهمية أو عديم الأهمية على وظائف الحكومة.
عن كلارين ـ الأرجنتين