يقرِّر هذا الكتاب حقيقة قد تبدو غائبة عن الكثيرين وهى أن القرن العشرين إنما يعد بكل المعايير أكثر القرون دموية على مدار التاريخ الإنساني مقدما رؤية بانورامية لتطورات المائة سنة الأخيرة التي تمثل القرن الماضي بشكل يشعرك بمدى تداخل القضايا العالمية وتشابكها على نحو يثير الدهشة، فهو يحدثك عما كان يجري في غواتيمالا بأميركا اللاتينية ويربط بينه وبين ما كان يحدث في أفريقيا ثم يقفز بك ليؤكد تشابك كل ذلك مع تطورات ما كان يجري من أحداث، في الصين وعلى هذا النحو يقدم المؤلف ثروة من التحليل التاريخي للقرن.

وفي ضوء تأكيده على الحقيقة السابقة، والتي يدعمها بالغوص في أعماق التاريخ الحديث وما وقع خلاله من أحداث فإن السؤال الأساسي الذي يطرحه إنما يدور حول: كيف يمكن لنا تفسير هذا المستوى المثير للدهشة من العنف والصراع الكثيف؟

همية هذا السؤال حسبما يذهب المؤلف، تكمن في محاولة حل ذلك التناقض الذي يمثل من وجهة نظره لغزا قد يستعصي على الفهم ويتمثل في أن ذلك إنما حدث في ذات الوقت الذي حقق فيه الإنسان قدرا من التقدم العلمي والاقتصادي مكنه من توفير ظروف معيشية أفضل بكثير عما كان عليه من قبل؟ ذلك هو ما يخصص المؤلف نيال فيرغسون بخبرته الواسعة كأستاذ أكاديمي في التاريخ وخصص جانبا من جهده لدراسة صعود وسقوط الإمبراطوريات والدول، كتابه في محاولة الإجابة عنه.

في إطار التمهيد لموضوعه يشير المؤلف إلى التطور الإنساني الذي وصلت إليه البشرية مع حلول القرن العشرين والذي أدى بالإنسان إلى حالة من الازدهار انعكست في نشأة العديد من المدن العالمية، غير أن المفارقة أن هذه المدن هي التي جرت عمليات تدميرها على مدار القرن من خلال ما يسميه فيرغسون «حرب العالم» على غرار قصة الخيال العلمي التي قدمها ه. جي. ويلز ونشرها عام 1898 أي مع قرب دخول البشرية القرن العشرين الذي يتناوله فيرغسون بالتحليل.

لقد راح ويلز في عمله، حسبما يذكر المؤلف، يمعن في الخيال فتصور أن العالم سيخوض حربا ولكن مع غرباء من كوكب آخر. وحسب المؤلف فقد تحققت رواية ويلز ولكن على صعيد الواقع مع بعض الاختلافات فبدلا من أن تكون الحرب مع غرباء فقد كانت حربا بين البشر أنفسهم، وبدلا من أن يكون مسرحها لندن، فإن مسرحها تحول ليكون العالم بأكمله، فيما كان بمثابة انحدار بالتقدم الإنساني إلى مرحلة متدنية لم يجد معها البشر سوى استخدام الإبادة كوسيلة لتسوية خلافاتهم.

على هذا الأساس يحاول المؤلف حل التناقض المتعلق بما يسميه عصر الكراهية محاولا تفسير الخطأ الذي وقعت فيه عملية التحديث الإنساني خلال هذا القرن، وهي رحلة أخذته من سهول سيبيريا إلى بولندا، ومن شوارع سراييفو إلى شواطئ أوكيناوا، ومن غواتيمالا إلى كمبوديا.

وفي معرض التدليل على صحة فكرته يشير المؤلف إلى أنه قتل خلال الحربين العالميتين أعداد من البشر تفوق ما قتل في أي صراع آخر على مدى تاريخ البشرية، مضيفا أن الحرب العالمية الثانية بكل المعايير تعد أكبر كارثة عرفها الإنسان على مدى تاريخه. ويضيف أنه لا يوجد عام قبل أي من الحربين العالميتين سواء الأولى أم الثانية لم يشهد نزاعا ساده العنف وأطاح بأرواح المزيد من البشر على مدى القرن.

نزاعات القرن

من النزاعات التي يشير إليها المؤلف والتي وقعت على مدار القرن : حرب الثورة المكسيكية ـ 1910 ـ 1920، حرب الثورة الأهلية الروسية 1917 ـ 1921، الحرب الأهلية في الصين 1926ـ 1937، الحرب الكورية 1950ـ 1953، الحرب المتقطعة في رواندا وبوروندي على مدى الفترة من 1963 وحتى 1995، الحروب التي وقعت في مرحلة ما بعد الاستعمار في الهند الصينية 1966 ـ 1970، حرب الاستقلال البنغالية 1971، الحرب الأهلية في موزمبيق 1975 ـ 1993، الحرب في أفغانستان 1979 ـ 2001، الحرب العراقية ـ الإيرانية 1980 ـ 1988، والحروب الأهلية المتواصلة في السودان منذ 1983، والكونغو منذ 1998.

ومن هذا الاستعراض للحروب والنزاعات التي جعلت من القرن العشرين قرنا دمويا بكل المعاني يتساءل المؤلف: لماذا حدث هذا؟ ما الذي أكسب القرن هذه الخاصية وجعل الأعوام من 1904 حتى عام 1953 أكثر دموية؟

في محاولة الإجابة يناقش المؤلف مختلف الطروحات التي يمكن أن تمثل تفسيرا لما آل إليه حال البشرية خلال القرن العشرين. ويعرض في هذا السياق للجانب الخاص بالتطور الإنساني خلال القرن واحتمالات وجود دور له في ذلك التحول. ويشير هنا إلى ملامح من هذا التطور ومن ذلك مثلا التقدم الذي أتاح للإنسان القضاء على العديد من الأمراض المزمنة وهو ما انعكس على ارتفاع متوسط عمر الإنسان.

ويوضح وجهة نظره بالإشارة إلى أن متوسط العمر في دولة مثل بريطانيا في 1990 قدّر بنحو 76 سنة، فيما أنه مقارنة بعام 1900 كان يصل إلى نحو 48 سنة. وهنا يعرض لجوانب من المفترض أنها تعزز من وجهة نظره عن تطور الوضع الإنساني خلال القرن العشرين.

ومن بين ملامح التطور التي يشير إليها المؤلف أنه فيما كانت الحكومات التي تدرج في عداد النظم الديمقراطية تعد على أصابع اليد الواحدة فإنها الآن تقدر بنحو أكثر من نصف النظم القائمة في العالم، فضلا عن انتشار مفهوم دولة الرفاه التي تسعى لتقديم أفضل الخدمات لسكانها.

وفيما يبدو توضيحا لما يذهب إليه وللتأكيد على صحة مقولته بأن القرن العشرين هو الأكثر دموية يستعرض بعض الرؤى التي قد تمثل ردا على تلك المقولة قائلا إنه قد يكون من الطبيعي أن يكون التقدم الذي حدث قد ساهم في زيادة حدة العنف والقتل حيث انه من السهل أن تلقي قنبلة على تجمع سكني فتقتل أكبر عدد من الناس، بينما لم يكن من الممكن في الماضي حصد كل هذه الأرواح باستخدام السيف.

ويرد على هذه النقطة بالإشارة إلى أن لو أن هذا الطرح صحيح لتواصل معدل العنف والقتل في تزايد على مدار القرن ذاته بافتراض أن الإنسان يزداد تقدما، غير أن الواقع والأرقام يشيران إلى العكس، فقد تجاوز تعداد سكان العالم مع حلول عام 1990 رقم الستة مليارات نسمة وهو رقم يزيد بنحو ثلاث مرات عما كان عليه العالم وقت اندلاع الحرب العالمية الثانية، ومع ذلك حسبما يشير نيال فيرغسون، فإن هناك انخفاضاً ملحوظاً في معدل الصراعات الدولية على الأقل خلال العقد الأخير من القرن العشرين.

ما يريد المؤلف الإشارة إليه هو أن هناك أسبابا خاصة بالقرن العشرين وراء تزايد الصراعات في العالم، الأمر الذي أدى إلى تزايد الضحايا من البشر خاصة خلال النصف الأول من القرن.. وتواصلها على امتداد القرن ذاته وإن لم يكن بنفس الوتيرة.

ويشير المؤلف إلى أن أسوأ أحداث العنف التي وقعت خلال القرن تمت بالأسلحة الأقل تقدما وهو ما يبدو في الصراعات التي وقعت في وسط أفريقيا خلال التسعينات وكذلك في كمبوديا خلال السبعينات.

لماذا القرن العشرون

في محاولة للغوص في أعماق موضوعه يشير غيرغسون إلى أنه من أجل فهم الأسباب التي جعلت السنوات المئة الأخيرة الأكثر عنفا ودموية في تاريخ البشرية، يجب أن نلقي نظرة على الدوافع التي تقف وراء هذه الجرائم.

ومن البدايات يتطرق المؤلف إلى هذه القضية مستعرضا الأمر على مستواه الشخصي قائلا انه عندما كان تلميذا في المدرسة، فإن كتب التاريخ التي كان يدرسها كانت تقدم أسبابا متنوعة في شأن تفسيرات نزاعات القرن العشرين. ففي بعض الأحيان كانت تنسبها إلى الأزمة الاقتصادية، بما يعني في التحليل الأخير أن الحرمان والتدهور في الأحوال المعيشية يمكن أن يكون مفسرا للصراعات السياسية.

ويشير إلى أن التفسير الذي كان يتم اللجوء إليه بشأن الأوضاع في ألمانيا هو أن البطالة التي سادت هناك كانت وراء تزايد شعبية النازية ووصول هتلر إلى الحكم الأمر الذي يفسر بدوره الحرب العالمية الثانية. غير أن المؤلف يشير إلى أن العكس قد يكون صحيحا كذلك باعتبار أن النمو الاقتصادي السريع في بعض الأحيان قد يكون أحد عوامل عدم الاستقرار على النحو الذي ينجم عن الأزمة الاقتصادية؟

ثم يستعرض المؤلف النظرية التي تذهب إلى أن صراع الطبقات والذي ظهر في عدد من الثورات، كان وراء العديد من الأزمات متسائلا عن وضعية صراع العرقيات مشيرا إلى أنه قد يكون أكثر أهمية في اندلاع العديد من النزاعات الدولية.

وفي الإطار ذاته يستعرض المؤلف الأسباب التي تم تقديمها في معرض تفسير النزاعات التي وقعت خلال القرن مشيرا إلى أن البعض يذهب إلى أن صراع الأيديولوجيات السياسية المتطرفة مثل الشيوعية والفاشية، كان وراء العديد من الصراعات، ويتحفظ على ذلك بالتساؤل حول دور العوامل التقليدية مثل الأديان.

ورغم إقراره بأن التفسيرات التي عرض لها بشأن تزايد العنف في القرن العشرين قد تكون إلى حد ما لديها بعض الصحة، إلا أنه يشير إلى أنها غير كافية. وفي معرض التفصيل يذكر أن التطورات التكنولوجية، وبشكل خاص التزايد في القدرة التدميرية للأسلحة الحديثة، لا شك أن لها دورها في تزايد الضحايا.

غير أنه يشير إلى أنها إنما كانت تمثل رغبة أو استجابة من قبل صانعيها في الوصول إلى مستوى من التدمير والقتل أكثر، بمعنى آخر يشير المؤلف إلى التوجه البشري في توجيه هذا التطور التكنولوجية لجهة زيادة قدراته التدميرية بمعنى أن التطور في حد ذاته محايد وأن المشكلة هي في طبيعة توجيهه من قبل الإنسان. ويصل المؤلف إلى حد التأكيد على رأي قد لا يكون صحيحا مؤداه أنه لا يوجد ارتباط كبير بين القدرة التدميرية للأسلحة وأحداث العنف.

حياد الأزمة الاقتصادية

فضلا عما سبق، يقرر المؤلف بثقة أنه حتى الأزمات الاقتصادية لا يمكن لها أن تفسر كل النزاعات التي وقعت على امتداد القرن. ومع إقراره بتأثير الانهيار الاقتصادي الكبير لجهة ازدهار التوجهات الفاشية الأمر الذي أدى إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية، إلا أن المؤلف يتحفظ على تعميم هذه الرؤية.

مشيرا إلى أنه ليس كل الدول التي تأثرت بهذا الانهيار الاقتصادي، تحولت إلى الفاشية، فضلاً عن أنه ليس كل الدول التي تحولت إلى الفاشية انغمست في حروب عدوانية، فالنظام النازي في أوروبا بدأ الحرب ولكن ذلك بعد أن كان الاقتصاد الألماني بدأ يتعافى من أثار الانهيار الاقتصادي.

كما أن الاتحاد السوفييتي الذي شن الحرب على النظام النازي كان بمعزل عن الأزمة الاقتصادية، ومع ذلك فقد خسر خلال الحرب أكثر مما خسر أي حليف آخر. وينتهي من هذا النقاش إلى أنه بالنسبة للقرن العشرين فإنه لا توجد قاعدة عامة واحدة يمكن أن تمثل حكما جيدا على التطورات التي وقعت خلاله، بعض الحروب مثلا وقعت بعد فترة من النمو، فيما أن حروب أخرى كانت تمثل أسبابا للأزمات الاقتصادية أكثر من كونها نتيجة لهذه الأزمات. كما أن بعض الاقتصادات التي واجهت أزمات اقتصادية حادة لم ينته بها الحال إلى خوض حروب.

وينتهي من ذلك التناول إلى التأكيد على استحالة طرح الفكرة التي يذهب أصحابها إلى أنها تنبع من رؤى ماركس وتتمثل في أن الحرب العالمية الأولى كانت نتيجة لأزمة الرأسمالية، على العكس فإنه يمكن القول بأن ذلك كان وقتاً بدأ فيه التكامل الاقتصادي العالمي مع تصاعد نسبي في معدل النمو وانخفاض التضخم.

فضلا عما سبق يشير المؤلف إلى أنه من الصعب نسبة العنف خلال القرن العشرين إلى ظهور الدولة القومية الحديثة، وذلك على الرغم من إقراره بأن السياسات في القرن العشرين طورت من القدرات غير المسبوقة للدول على تعبئة الجماهير.

غير أن ذلك إنما يمثل أداة لدعم السلم بنفس القدر الذي يدعم العنف، مشيرا إلى قدرة الدولة على ممارسة نوع من الضبط الاجتماعي في عقد الثلاثينات مثلا مقارنة بما قبله، فهي تقوم على توظيف أعداد كبيرة من سكانها، وبعضهم يقوم على جمع الضرائب، والعمل في الشرطة، وهي تقدم خدمات التعليم، والمعاشات، فضلا عن تقديم خدمات أخرى مثل التأمين الصحي. ومع ذلك فقد تطورت هذه المهام بشكل كبير فيما بعد عام 1945.

وهنا يقرر أنه رغم ظهور مفهوم فكرة دولة الرفاهية وهو الأمر الذي يجعل من الكثير من الدارسين الغربيين يرون علاقة بين الحكومات الديمقراطية والسلام باعتبار أن الدول الديمقراطية لا تميل إلى الانخراط في حروب مع الدول الأخرى، إلا أن الأمر برأيه ليس على هذا النحو تماما.

فوفقا لهذا الفهم فإنه ينبغي أن يؤدي انتشار الديمقراطية على المدى الطويل خلال القرن العشرين إلى الحد من اندلاع الحروب، وقد يكون هذا العامل أدى إلى الحد من الحروب بين الدول، ولكن مع ذلك يوجد على الأقل بعض الأدلة على أن التحول الديمقراطي في عقود العشرينات والستينات والثمانينات من القرن الماضي تبعها تزايد في الحروب الأهلية أو الانفصالية.

ثم ينتقل بنا نيال غيرجسون إلى مستوى آخر من التناول يتمثل في التأكيد على ما يراه حقيقة مؤداها أنه لا ينبغي النظر إلى صراعات القرن العشرين باعتبارها صراعات بين دول، فذلك يعني غض النظر أو تجاهل الصراعات المحورية التي كانت تندلع في إطار الدول ذاتها والتي تحولت إلى حروب أهلية في بعض المراحل، مشيرا إلى أن المثال البارز لذلك هو الحرب التي خاضها النازي وأعوانه على اليهود ما أدى إلى وفاة نحو 6 ملايين يهودي. وهنا فإن المؤلف ورغم ريادته في التاريخ يكرس المزاعم اليهودية بشأن المحرقة النازية ويقدمها دون أن يمحصها، ما يشير إلى أن الموضوعية الكاملة أمر عسير المنال.

ويذكر المؤلف في هذا الإطار مقتل نحو ثلاثة ملايين نسمة كذلك من الجماعات الأخرى التي رأى النظام النازي أنها غير ذات فائدة. وعلى نفس المنوال فقد ارتكب ستالين قبل هذه الأحداث، أعمالا مماثلة من العنف ضد عدد من الأقليات في إطار الاتحاد السوفييتي، كما أعدم وسجن ملايين من الروس الذين اتهموا أو اشتبه في معارضتهم السياسية لنظامه.

ومن بين نحو أربعة ملايين نسمة من غير الروس تم نفيهم إلى سيبيريا وآسيا الوسطى يقدر بأن نحو 6 ,1 مليون نسمة لقوا حتفهم جراء المعاملة القاسية التي لقوها. وهنا يشير إلى أن أقل التقديرات بشأن ضحايا العنف السياسي في الاتحاد السوفييتي فيما بين 1928 وحتى 1953 تشير إلى مقتل نحو 21 مليون نسمة.

وينتهي المؤلف إلى أنه يمكن القول باختصار إن العنف الشديد الذي كان الملمح الرئيسي للقرن العشرين اتسم بقدر كبير من التنوع، ولم يكن كله نتيجة الدخول في نزاعات مسلحة. غير أن المشكلة تبقى في ارتفاع أعداد الضحايا خاصة من المدنيين، ما يشير اليه انه من بين مجمل الوفيات التي تنسب إلى الحرب العالمية الثانية فإن النصف على الأقل كانوا مدنيين. وفي بعض الأحيان فإنهم كانوا ضحايا للتمييز، كما في حالة القتل على أساس العنصر أو الطبقة التي ينتمون إليها.

وفي بعض الأحيان فإنهم كانوا ضحايا لعدم التمييز العنصري كما في الحالات التي قامت فيها القوات البريطانية والأميركية الجوية بتدمير مدن بكاملها إلى أنقاض. وفي بعض الأحيان فقد لقوا حتفهم على يد غزاة خارجيين، وفي أحيان أخرى من قبل جيرانهم. ومن الواضح على هذا الأساس أن أي تفسير من أجل الوصول إلى رؤية دقيقة بشأن المذبحة يتطلب البحث خلف مشكلة التحليل العسكري التقليدي.

الحرب الكورية

من النظرية إلى التطبيق، يستعرض المؤلف فصولا من حرب العالم من خلال الصراعات والحروب التي اندلعت على مدار القرن العشرين، ويتطرق في هذا الإطار إلى الحرب الكورية ويتساءل: لماذا خبا هذه الصراع بدلا من أن يتصاعد إلى مستوى نزاع عالمي بين القوى العظمى؟

ويشير هنا إلى أن أحد التفسيرات لذلك هو التصاعد الكبير في القدرات التدميرية التي تملكها القوى الكبرى خاصة مع إجراء أول اختبار نووي روسي الأمر الذي كان يعوق إمكانية قبول تصعيد مثل هذا النزاع إلى مستوى أعلى.

وفي هذا الصدد يشار إلى أن الرئيس الأميركي في ذلك الوقت ترومان أبدى رفضا كبيرا للإقدام على استخدام القنبلة النووية مرة أخرى بعد تجربة هيروشيما وناجازاكي. وقد راح يؤكد على ذلك في عام 1946 بقوله «إن الطابع الحيواني للإنسان يجب أن يتغير أو أنه سيواجه مصيرا مظلما يتمثل في التدمير الكامل للكون». وصادف هذا الأمر توافقاً من قبل ستالين، حين راح يؤكد في عام 1949على صعوبة استخدام القنبلة النووية دون أن يمثل ذلك نهاية للعالم.

ويشير المؤلف إلى أنه على الرغم من التفوق الأميركي على الاتحاد السوفييتي في السلاح النووي حيث كانت الولايات المتحدة تمتلك وقت الحرب الكورية نحو 369 قنبلة فيما لم يكن يمتلك الروس سوى نحو خمس فقط فإن ترومان رفض إسقاط قنبلة على الأهداف الصينية.

وعلى ذلك فقد كان الطرفان يدركان أن التصعيد يمكن أن يقود إلى فناء العالم. وقد كان الكونغرس يقدر حينذاك أنه إذا ما بدأ الاتحاد السوفييتي الهجوم فإن نحو ثلاثة ملايين أميركي يمكن أن يلقوا حتفهم. وبحلول 1956 فإن هذا الرقم ارتفع إلى نحو 65% من سكان الولايات المتحدة ذاتها.

وأدى ذلك في إدراك صانعي القرار على الطرفين إلى أن السلاح النووي للردع فقط وليس للاستخدام. ورغم هذا الأمر إلا أن المؤلف يشير إلى أن الموقف رغم ذلك لم يخل من دعاة لاستخدام القنبلة النووية ضد الاتحاد السوفييتي في أوساط المستشارين الأميركيين ولم يحل دون ذلك سوى الأخذ في الاعتبار وضع الولايات المتحدة ذاتها في أوروبا وإمكانية تعرضها هناك لضربات قاصمة من قبل موسكو.

هذا فضلا عن معارضة بريطانيا حليفة واشنطن الرئيسية في أوروبا. ويقدم المؤلف هنا تفصيلات موسعة بشأن الجدل حول استخدام السلاح النووي في الأوساط الأميركية في مختلف مراحل الصراع خلال الحرب الكورية، وهو الجدل الذي تواصل، حسبما يشير، طوال الخمسينات.

عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق