مثل كل عبور إلى مرحلة أخرى جديدة، فإن الطفل لحظة خروجه الأول من دائرة الأسرة الضيقة إلى عالم مغاير هو الروضة، يكون ـ من دون أن يدري ـ قد طوى صفحة من حياته وبدأ غيرها، مختلفة تماماً، وإن كانت تجمعهما مرحلة الطفولة نفسها.
ربما بدت له الروضة استمراراً لطقوس اللعب والمرح التي اعتادها، لكنه يكتشف تدريجياً وبفطرته أن ثمة شيئاً قد تبدل، إنه تقنين نظامه اليومي المعتاد بدءاً من الاستيقاظ في وقت محدد، والالتزام بشكل ولون الملبس، كما لم يبق لهوه بلا ضوابط أو أهداف.
في الروضة يجد القادم الجديد وجوها غير مألوفة، تباشر الإشراف عليه كل دقيقة، تقوده إلى ألعاب ومعارف بسيطة لم يخبرها بعد، مع إضافة شيء من المكافأة والعقاب الناعم إن جاز التعبير، لإضفاء جرعة من الجدية اللازمة على هذه العملية التربوية الحساسة في خطواتها الأولى.
بعض الأطفال ينتظرون دخول الروضة بلهفة وفضول كبيرين، وقد يجدون فيها متعة وينجحون في تأقلم سريع، فيما يساور البعض الآخر خوف (طبيعي) في خطواته باتجاه العالم الخارجي، حيث سيجد مجموعة واسعة من رفاق جدد يشاركونه رغبة الاكتشاف والتساؤل وربما.. الحيرة.
أولياء الأمور والأمهات على وجه التحديد يبدو دورهن محورياً عبر مساعدة أطفالهم، وتحضيرهم للخروج اليومي من المنزل، وذلك بتقديم جملة من الوعود الترفيهية التي تخبئها الروضة، وبحيث يتكامل دورهم مع جهود إدارات الروضات ومعلماتها، حتى تكون البداية سلسة ريثما يتمكن المكان الجديد من استيعابهم، وإدخالهم في الإيقاع المنتظر.
ترى آمنة حمد الشامسي مديرة روضة الأمان في الشارقة أن بداية دخول الطفل إلى الروضة لا تخلو من صعوبة معينة، سواء بالنسبة له أو للإدارة وكادر التعليم وقالت: إن صغر سنه واعتياده مناخ الأسرة يشعره بشيء من الخوف عندما يرى المكان الجديد،
وهكذا نجد قسما كبيرا من الأطفال يعاني في أيامه الأولى من وحدة وشيء من الانطوائية لكنه يبدأ تدريجياً بالتأقلم مع الأصدقاء، والبرنامج اليومي وهذا يفرض علينا بدوره بذل جهد مضاعف في الأيام الأولى، لكي يحب الروضة وذلك عبر توزيع المكافآت والهدايا، واختصار ساعات الدوام لأننا نواجه حالات من البكاء ورفض طفولي للانضباط،
ونشعر بذلك بشكل خاص عند تغيب إحدى المعلمات، فالتعامل مع هذه المرحلة العمرية صعب وحساس أيضا، لذلك نلجأ طوال الأسبوع الأول إلى كافة الأساليب الممكنة لإقناعهم بضرورة الهدوء لكي نتمكن من البدء في المنهاج المقرر وقد تحضر بعض الأمهات عدة أيام للمساعدة في تآلف الطفل مع عالمه الجديد.
واعتبرت الشامسي أن للمعلمة دور أساسي في تقبل الأطفال للروضة ،أو النفور منها فإن نجحت بنسج علاقة مميزة معهم سار كل شيء على ما يرام والعكس صحيح، وأن من شروط نجاح هذه العلاقة عدم تقييد الأطفال بشكل صارم، ومنحهم حرية كبيرة في الكلام واللعب وطريقة الجلوس.
وأضافت: هناك بالتأكيد اختلافات بين الأطفال، فبعضهم هادئ مسالم للغاية لكننا نجد من لديه ميول عدوانية، فنستعين عندها بأخصائي نفسي لتجاوز هذه الحالة والوقوف على أسبابها، كما أن هناك فروقا واضحة تبعا للجنس فالإناث أكثر هدوءا من الذكور، والتعامل معهن أسهل.
أما مؤشرات الذكاء وتباين درجاته فيمكن تلمسها من خلال تفاعل كل طفل مع مناهج الروضة وألعابها المختلفة، لكن هذا لايلغي أن الفائدة التي تتيحها البرامج تشمل الجميع بلا استثناء، وهي بالتأكيد برامج تعتمد على الترفيه المدروس لإثارة خيال الطفل، وتشجيعه على الابتكار.
كما لفتت إلى أهمية اليوم الأول في الروضة، وضرورة أن يكون قدوم الطفل إليها شبيها بالقيام بنزهة خارج المنزل، من دون إثقاله بأية متطلبات لكي لا ينفر من هذا المناخ الجديد. وأشارت إلى أهمية تركيز الروضات على الرحلات الخارجية للترفيه والمعرفة، أو زيارة دور المسنين لتنمية القيم الإنسانية النبيلة في نفوس الأطفال، وتوجيههم إلى الألعاب الجماعية لغرس روح التعاون والعمل الجماعي.
استعدادات
إذا كان لهذه المرحلة كل تلك الأهمية والحساسية فكيف ينظر إليها أولياء الأمور، وكيف يتعاملون مع أطفالهم عشية دخولهم إلى الروضة. إحسان زين الدين اعتبر أن ابنه مقبل على حياة جديدة، فهي المرة الأولى التي يغادر فيها البيت وحيدا الأمر الذي يقلق الأسرة مطلع العام الدراسي الجديد.
وقال: نحاول منذ أشهر تحضيره لهذه المرحلة وكأنها مكافأة كبيرة له، ونعده بالهدايا والألعاب وبمسرات لا تنتهي في الروضة، وقد نجحنا في جعله ينتظر اليوم الموعود بفارغ الصبر، خاصة وأننا أحضرنا له كل ما يحتاجه وربما يساعدنا في التخفيف من أية مشكلة تواجهنا كونه يتوجه إلى الروضة مع بعض أصدقائه في الجوار بحيث لن يشعر بغربة كبيرة.
أما بثينة سلوم فذكرت أن ابنتها نور تساورها بعض المخاوف التي عبرت عنها بسيل من الأسئلة، عن المعلمات وشكل الروضة وموعد الباص وكيفية تعاملها مع الأطفال الآخرين، وعن الهدايا التي ستنالها إن كان سلوكها حسناً.
وذكرت أنها تشعر بشيء من القلق كونها لم تفارق ابنتها من قبل، وتشاركها كل اهتماماتها طوال الوقت، لكنها رأت في الوقت نفسه أن الروضة مرحلة مهمة جدا ولا بد من خروج ابنتها من المنزل لالتقاء أطفال آخرين، واكتساب معارف جديدة تؤهلها للذهاب لاحقا إلى المدرسة بثقة أكبر، خاصة وأن رياض الأطفال تصقل الشخصية، وتخلص الطفل من أية أنانية حسب رأيها.
بدورها اعتبرت يسرا ديب أن الروضة خطوة ضرورية في حياة كل طفل، وأنها سترسل ابنتها يارا إلى الروضة وهي مطمئنة إلى الفائدة الكبيرة التي ستجنيها من هذه التجربة. وقالت: ابنتي وحيدة ولهذه الحالة بعض المحاذير لذلك أجد الروضة مكاناً مثالياً للانفتاح على عالم أوسع يضم أطفالا كثيرين تشاركهم اللعب والتعلم،
وتحقق الاعتماد على نفسها في بعض الأشياء البسيطة من دون الرجوع إلي في كل شيء. لكن ديب لم تخفِ قلقها من صعوبة البداية كون ابنتها لم تغادر البيت إلا برفقتها إلا أنها بدت مصممة على إنجاح هذه التجربة وقد أعدت من أجلها كل ما يلزم، خاصة الألعاب والمكافآت اليومية المنوعة.
رحلة الأسئلة
الدكتور نجيب محفوظ بلفقيه الأستاذ المشارك في قسم المناهج وطرق التدريس بجامعة الإمارات قال: يشعر الطفل بالخوف عند دخوله الروضة ويبدأ بالتساؤل عن سبب انتزاعه من حضن الأم، ووضعه بين غرباء، وفقدانه مملكته المنزلية وتحوله إلى محكوم بقوانين أخرى،
وهذه الأسئلة الرئيسية الثلاثة التي يكاد يصرخ بها كل طفل جديد في الروضة تفرض علينا معالجة آثارها الجانبية، عبر تخطيط علمي مدروس يتصف بالتدرج واللين لتجنب الوقوع في أخطاء تربوية، يشارك في هذه العملية الحساسة أولياء الأمور في أيام مفتوحة، تخصصها الروضة، تضم الأناشيد والقصص وأنشطة ترفيهية وألعاب،
كما يتم في هذه الأيام المفتوحة تعرف الطفل عن كثب إلى معلمته وزملائه ومرافق روضته، وأماكن الألعاب ،وبذلك تحقق رياض الأطفال أهدافها لأن الطفل يكون قد دخلها وهو مهيأ نفسيا وذهنيا وجسديا، وعلى استعداد للتقبل والمشاركة بل والمبادرة، ويمكن السماح له بإحضار بعض ألعابه الخاصة كي لا يشعر أنه فقد مملكته.
ولفت بلفقيه إلى أن الأطفال الذين تستجاب طلباتهم ورغباتهم من دون إستراتيجية واضحة، أو في ظل غياب الدور الرقابي والتربوي لأولياء الأمور، سيعانون كثيرا في البداية ما يتطلب جهدا كبيرا من الإدارة والمعلمات لتعديل هذا السلوك.
رأس الخيمة ـ خالد شاهين
