يكشف المؤلف نيال فيرغسون في إطار الجزء الذي نعرض له في هذه السطور من كتابه (حرب العالم) عن الكثير من جوانب الخبرة السلبية في نهج التعامل الأميركي مع الخارج خلال حقبة الستينات التي بلغت فيها الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي اوجها. ولا يتوانى المؤلف عن الإشارة الى جوانب عديدة من أساليب الحرب القذرة التي اعتمدتها واشنطن في محاربتها لخصومها انطلاقا من مبدأ الغاية تبرر الوسيلة.

وتمثل المواقف الأميركية في غواتيمالا التي يعرضها المؤلف جوانب مخزية بشأن طبيعة الأساليب التي لجأت اليها الولايات المتحدة، فيما يكشف نمط تقاربها مع الصين عن النهج بالغ البراغماتية الذي يصف طابع هذه السياسة حيث تخلت واشنطن عما تراه سوءات لنظام ماو في مقابل تحقيق اهداف استراتيجية تتعلق بعلاقاتها مع موسكو.

في إطار استعراضه لجوانب من فصول الحرب الباردة التي يرى أنها حكمت التطورات السياسية العالمية على مدار النصف الثاني من القرن العشرين يعرض المؤلف التوجهات السياسية في واشنطن التي بدا لقادتها آنذاك أن السوفييت يحققون تقدما عليهم في مناطق مختلفة من العالم.

لقد بدت السياسة الأميركية مرتبكة في مواجهة هذه التطورات، وعلى هذا فإن أحد الخيارات التي تم طرحها في تلك الاثناء تمثل في إحياء النظم الاستعمارية القديمة التي كان لينن يسعى الى القضاء عليها، غير أن ذلك الخيار لم يرق كثيرا للساسة الأميركيين إزاء ما كانوا يعلنونه من مواقف ضد الاستعمار.

ولكن ذلك لم يمنعهم مثلا من الوقوف صامتين إزاء هزيمة البريطانيين للشيوعيين في الملايو، كما أن الولايات المتحدة ساعدت بريطانيا أو رحبت على الأقل بإطالة أمد نفوذها في منطقة الخليج.

كان من بين الخيارات الأخرى المطروحة أمام الأميركيين مساندة الداعين الى الحرية، أو بمعنى آخر مساندة الأحزاب السياسية الديمقراطية التي تعمل على تعزيز نظام الانتخاب القائم على تعدد الأحزاب، غير أن التجربة في أوروبا الشرقية وآسيا فيما بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة كانت تشير الى أن أوضاع هذه الدول غير مهيأة لذلك وكانت بولندا وتشيكوسلوفاكيا والمجر أمثلة على ذلك حيث تم استبعاد الأحزاب غير الشيوعية.

وفي ظل أوضاع معينة، فإن الاتحاد السوفييتي لم يتردد في الإقدام على قمع المنشقين في مجاله الاوروبي فكان تدخله في برلين عام 1953 وفي بودابست عام 1956 وفي براغ 1958 وفي دانسك 1981.

العمليات القذرة

لقد كان الخيار الثالث امام الأميركيين هو الحرب القذرة على شاكلة ما لجأ اليه السوفييت. ومن ناحية عملية، كان الانتصار السوفييتي يعني الديكتاتورية والقمع اللذان يصاحبانه، وعلى ذلك فإن الامر بالنسبة للأميركيين أصبح هو البحث عن سبل مساندة أي شخص يظهر قدرة على هزيمة الثوريين الذين يساندهم الروس، حتى لو كان ذلك يعني في النهاية تنصيب ديكتاتوريين رأسماليين بدلا من الشيوعيين!

لكن المشكلة هنا أن الولايات المتحدة وجدت نفسها مرتبطة بعدد من الأنظمة التي لا تقل سوءا عن الأنظمة التي يقوم عليها طغاة شيوعيون على شاكلة ما كان قائما في أوروبا الشرقية. فضلا عما سبق فإن المشكلة التي واجهت السياسة الأميركية هي أن القادة اليساريين الذين تمت الإطاحة بهم أو اغتيالهم من قبل السي آي أيه تحولوا إلى شهداء ليس فقط وفق الدعاية السوفييتية ولكن أيضا في تناول الصحافة الغربية في ذلك الوقت.

هنا يواصل نيال فيرغسون استعراض ما يعتبره مأزق السياسة الأميركية خلال الحرب الباردة خاصة في عقدي الستينات والسبعينات فيشير الى أنه بدا أنها تعيش ما يمكن اعتباره نوعا من الازدواجية أو التناقض ففي النهار تتحدث لغة الحرية والديمقراطية فيما أنها في الليل تستخدم الأساليب القذرة لعرقلة من يشتبه في ولائه للسوفييت وتحفيز وجود (رجال أقوياء) وهو التعبير المهذب لتأييد وصول ديكتاتوريين إلى الحكم.

كان ذلك، حسبما يشير المؤلف، واضحا بشكل كبير فيما كانت تعتبره الولايات المتحدة فنائها الخلفي في أميركا الوسطى حيث نشأ المبدأ الأميركي غير الرسمي ومؤداه أنه ليس هناك مشكلة في أن يكون الحاكم (بالغ السوء) - وهو توصيف مهذب للتعبير الذي يورده المؤلف - طالما أنه يتبع الولايات المتحدة.

لقد كان ذلك التوجه هو البالغ الصعوبة في التطبيق، غير أن البعض راح يطلق عليه التزام الواقعية. ولعل ذلك يكشف عن الكثير من تناقضات السياسة الأميركية سواء في ذلك الوقت أو حتى في الوقت الحالي ويشير الى زيف الإدعاءات الأميركية حتى تلك التي تتردد في الوقت الحالي بشأن الإصلاح والديمقراطية حيث أن الأمر لا يعدو كونه محاولة للسيطرة على مقدرات العالم في إطار الصراع مع القوى التي يرى ساسة واشنطن أنه قد فاتها أوان الصراع.

هنا يعرض المؤلف لجانب من العمليات القذرة التي انخرطت فيها الولايات المتحدة على خلفية الصراع مع الشيوعية الدولية مستعرضا فصلا جديدا من تطورات الأوضاع في غواتيمالا. ويشير المؤلف إلى أن الشيوعيين الذين كانوا على رأس الحكم في غواتيمالا اتجهوا في أواخر أيامهم الى عمليات اعتقال وتعذيب وقتل جماعية غير أنه ما أن انقلبت المائدة عليهم بالانقلاب الذي أطاح بنظامهم ومع وقوع كوبا في قبضة السوفييت،

فإنه بناء على تشجيع أميركي تم إعداد قائمة تضم نحو 72 ألف شخص من غواتيمالا اعتبروا من الشيوعيين. وقد ارتكب ضد هؤلاء أبشع العمليات من اختطاف وتعذيب وقتل، الأمر الذي اعترف به مسؤولون أميركيون في ذلك الوقت مع توصيفه بعبارات تخفف من وقعه.

وعلى ذلك فإنه فيما بين 2 و 5 مارس 1966 ، ألقي القبض على أكثر من 30 قائدا يساريا بمن فيهم رئيس اتحاد نقابات العمال السابق واقتيدوا إلى معسكر حيث جرى تعذيبهم وقتلهم، وقام عسكريون من جيش غواتيمالا بعد ذلك بشحن جثثهم في طائرة وإلقائها في المحيط الهادي.

لقد كان ذلك نمطا للتصفية أصبح سمة للسياسة الأميركية خاصة في أميركا اللاتينية خلال فترة الحرب الباردة يتم بمقتضاها القضاء المبرم على الخصوم بالقتل. الأكثر مدعاة للدهشة هو الرقم الذي يذكره المؤلف والمتمثل في انه على مدى الثلاثين عاما التالية فإن أكثر من 40 ألف شخص اختفوا في غواتيمالا، ليس ذلك فقط بل إن نفس السيناريو تكرر بشكل أو بآخر في الأنظمة العسكرية الأخرى في أميركا اللاتينية.. سواء في الأرجنتين، البرازيل، أو تشيلي.

وينتهي نيال فيرغسون من استعراضه ذلك الى التأكيد على ما يراه نتيجة تعكس الحقيقة وتتمثل في أن الولايات المتحدة خلال فصول الحرب الباردة لم تقدم الكثير من اجل الحرية، على خلاف الاتحاد السوفييتي الذي قدم الكثير من أجل التحرير. لقد انخرطت السياسة الأميركية ليس فقط في الدفاع عن الديمقراطيات الأوروبية في إيطاليا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا،

ضد محاولات الاتحاد السوفييتي لإخضاعها، وإنما أيضا انخرطت كذلك في جهود من أجل الحفاظ على الديكتاتوريين في العديد من الأقطار مثل غواتيمالا، وهو ما يعني وفق المؤلف أن السلام طويل الأمد الذي نتج عن الحرب الباردة لم يكن سوى سلام للمواطنين الأميركيين والسوفييت، فيما أنه بالنسبة للغالبية العظمى من سكان العالم خاصة في نصف الكرة الجنوبي لم يكن هناك سلام،

فلم يكن هناك سوى حقيقة أن العالم الثالث منغمس في حرب اتخذت مظاهر عدة من إثنية وغيرها، على شاكلة ما حدث فيما قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية، مما مثل استمرارية لتطورات النصف الأول من القرن العشرين وإن بشكل مختلف.. الأمر الذي انتهى مرحليا مع نهاية الستينات بما بدا خسارة الولايات المتحدة لهذه الحرب، وهو ما عكسته حرب فيتنام التي عمل نيكسون ومستشاره للأمن القومي هنري كيسنجر على تجاوزها لتبدو بوادر تحول في الموقف لصالح الولايات المتحدة خلال حقبة السبعينات.

نيكسون في الصين

يستعرض نيال فيرجوسون تطورات هذه القضية في إشارة الى تواصل مناخ مفهوم (حرب العالم) الذي يكرس كتابه لتناوله، فيشير الى أنه مع تنصيب نيكسون رئيسا للولايات المتحدة في 20 يناير 1969 كانت المؤشرات تشير إلى عدم تفاؤل الأميركيين كثيرا بشأن مستقبل الحرب الباردة،

فالنظام الرأسمالي الذي كان يتباهى به نيكسون قبل نحو عشر سنوات في موسكو بدأ ينتابه بعض مظاهر الضعف. فمعدل التضخم يزداد، بينما، على العكس من القاعدة الاقتصادية التي سادت في الستينات، كان معدل البطالة ثابتا بلا انخفاض، والواردات تزيد على الصادرات، وفي نفس الوقت فإن الأجانب بدأوا يفقدون غرامهم بالدولار، ما صعب من مهمة مواجهة العجز في الميزانية.

في الوقت ذاته فإن المجتمع الأميركي بدا أنه يتجه الى التفكك، حيث ساد في ذلك الوقت توترات عرقية في عدد من المدن الأميركية ومظاهرات في الجامعات بين الطلبة السود والبيض. فرغم التحالف الذي أقيم خلال السيتينات بين الأميركيين من أصل أفريقي وبين عدد من الليبراليين البيض من أجل شن حملة للقضاء على نظام التفرقة العنصرية في ولايات الجنوب،

إلا أن ذلك لم يؤثر كثيرا في معطيات الواقع الأميركي، حيث أنه في أواخر 1967 على سبيل المثال، ظل هناك نحو 16 ولاية لم تلغ قوانين التفرقة العنصرية ومنها مثلا حظر الزواج المختلط بين البيض والسود. وهنا يشير المؤلف الى أن انعكاسات هذا الصراع على المستوى السياسي كانت أكثر عمقا وتأثيرا منها على المستوى الاجتماعي،

ووفقا له فإن نيكسون إنما فاز في انتخابات الرئاسة عام 1968 بفضل إنقسام أصوات الديمقراطيين بشأن قضية الحقوق المدنية حيث أنه من بين نحو عشرة ملايين فإن نسبة 5,13 في المئة كانت تساند الحاكم العنصري في ألاباما جورج والاس وحزبه الأميركي المستقل.

غير أن مصدر النزاع الداخلي في الولايات المتحدة رغم ذلك لم يكن يتعلق بالصراع العنصري وإنما بفيتنام، وهي الحرب التي يشير المؤلف الى أنها انغمست فيها الولايات المتحدة بشكل مباشر من بين جميع نزاعات الحرب الباردة. ومن وجهة نظر عسكرية، يشير فيرغسون إلى أنها حرب لم يتم خسارتها، غير أنه من وجهة نظر سياسية فإن الحرب تمت خسارتها حتى قبل تولي نيكسون مقاليد الحكم في البلاد.

لقد كان نيكسون يعلم أنه يجب عليه أن يوقف الحرب ويضع نهاية لها، وكان ذلك النقطة الأساسية وراء إعادة انتخابه في 1972، ولكن المعضلة التي واجهته كانت تتمثل في أنه لم يرغب في أن ينهيها على خلفية شروط الفيتناميين. وعلى ذلك اعتمد استراتيجية للحل تقوم على سياسة العصا والجزرة.

لقد كانت الجزرة تتمثل في تخفيض القوات الأميركية، أما العصا فقد تمثلت في شن غارات بالقنابل على مستوى يوازي إن لم يكن يفوق ما جرى خلال الحرب العالمية الثانية.

غير أن سياسة نيكسون على هذا الصعيد صادفت الفشل ما أدى الى نوع من التحول في السياسة الأميركية يقوم على أساس تغيير تكتيكات الحرب الباردة انطلاقا من التخلي عن إستراتيجية الحرب سواء بالمباشرة أو بالوكالة الى تفضيل النهج الدبلوماسي. وساعدت أجواء العلاقات الدولية في ذلك الوقت واشنطن على أن تسلك هذا النهج.

ففي ربيع وصيف 1969 بدا للحكومة الأميركية أن هناك بوادر إنقسام أيديولوجي وسياسي بين الإتحاد السوفييتي والصين وأن الخلاف بينهما قد يتصاعد الى حد القتال في منطقة الحدود في منشوريا. ووصلت حدة الأزمة بين الطرفين الى حد الحديث عن وجود احتمالات قوية بأن يقوم الاتحاد السوفييتي بإطلاق صواريخ على القدرات النووية الصينية.

فرصة للتفاوض

غير ان الأمر كان يتم النظر اليه بشكل مختلف من وجهة نظر نيكسون ومستشاره للأمن القومي كيسنجر، فلم يكن الموقف يتعلق حسبما يريان بأزمة، وإنما بفرصة. لم يكن كيسنجر بالتحديد ينطلق في موقفه ذلك من التأثير على الصين بشأن موقفها من قضية فيتنام حيث كان تصوره أنها لا يمكن أن تؤثر بشكل كبير،

على غرار السوفييت، وإنما استهدف من تحركه التأثير على الاتحاد السوفييتي بتحقيق تقارب مع الصين، لجهة إجبار الروس على قبول المقترحات الأميركية بشأن الحد من الصواريخ. وحسب التصور الذي كان يسود في ذهن كيسنجر فإن خفض التوتر بين القوتين العظميين إنما يستهدف الحد من تأثير عبء سباق التسلح على الطرفين.

غير أن المشكلة أن تلك الخطة كانت تعني انخراط الولايات المتحدة في نوع من العلاقات مع الصين وهو الأمر الذي لم يكن قائما بين البلدين منذ 1949. كما أن الأوضاع لم تكن مهيئة من أجل إقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين.

لقد كانت الصين تعيش في تلك الفترة ما عرف بالثورة الثقافية والتي يذكر المؤلف أنها كانت تعكس صراعا على المستويات العليا في السلطة وهنا يفصل في الجوانب المظلمة لهذه المرحلة في الصين والتي أشرنا الى ملامح منها في استعراض سيرة ماو من خلال الكتاب الذي يروي قصة حياته تحت عنوان (ماو .. القصة المجهولة).

ما يريد نيال فيرغسون الإشارة إليه هنا هو أن كيسنجر كان يضع في اعتباره لدى إقدامه على هذه السياسة أنه مقدم على التعامل مع نظام بالغ الدموية، غير أن هذه الأشياء لم تكن لها قيمة تذكر لدى كيسنجر فالمهم هو تحقيق هدفه النهائي من الخطوة التي ينوي الإقدام عليها.

وفي فبراير من عام 1972 وطأت أقدام نيكسون أرض بكين ليس من أجل استعراض ملامح تفوق الولايات المتحدة كما فعل في زيارته للاتحاد السوفييتي من قبل عام 1959، وإنما على العكس كان نيكسون على استعداد أن يخفي مدى مقته للشيوعية.. كل ما كان يريده هو الوصول الى بكين واللقاء مع ماو ..

فلم يكن يطمع في أكثر من ذلك على مستوى الصين، غير أن الجائزة الكبرى التي كان يطمع فيها وتحققت بعد نحو ثلاثة أشهر من زيارته لبكين هي أن ينجح تقاربه مع الصين في جر أقدام الاتحاد السوفييتي الى الجلوس على طاولة المفاوضات وهو ما تحقق، حسبما كان يأمل كيسنجر، بلقاء بين نيكسون وبريجنيف حيث وقع الطرفان على اتفاقيتين بشأن السيطرة على التسلح وكان ذلك بمثابة نصر كبير للدبلوماسية. أما بالنسبة لنيكسون فقد كان الأمر فرصة من أجل اعادة انتخابه.

أدت تطورات العلاقة مع الصين الى خروج كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي من الهند الصينية وهو ما مثل مخرجا مشرفا لحرب فيتنام وإن لم يستفض المؤلف في استعراض جوانب هذه القضية رغم أهميتها. وعلى ذلك استطاع كيسنجر أن ينقذ سمعة الولايات المتحدة من وحل حرب فيتنام بينما لم تمهل الظروف نيكسون لمواصلة الزهو بالنصر حيث سقط على وقع أزمة داخلية هي أزمة التنصت المعروفة باسم (ووتر جيت).

وهنا يشار الى أن الصين استطاعت تحقيق عدة اهداف من بينها احتلال مقعدها في الأمم المتحدة بدلا من تايوان، فضلا عن أهداف أخرى لا مجال للتفصيل فيها ولكن يهمنا منها جانبان الأول يتعلق بتوجيه لطمة للاتحاد السوفييتي الذي كان ماو يسعى الى منافسته على قيادة العالم الشيوعي، والثاني توجيه درس الى الفيتناميين الشماليين على توجههم الى الاتحاد السوفييتي بحثا عن مساعدته في مواجهة الولايات المتحدة وليس التوجه الى بكين.

كوارث بشرية

وعلى غرار نظرية الأواني المستطرقة يشير المؤلف الى أن الحرب في فيتنام لم تقتصر عليها وإنما امتدت الى كمبوديا عارضا جوانب من فصول مأساة الحرب هناك ومدى ارتباطها بتطورات الوضع في فيتنام

مشيرا الى أن مثال كمبوديا يقدم إشارة الى كيف أن الحرب الباردة ساهمت في تعزيز أو خلق بؤر للتوتر أدت الى كوارث بشرية نتيجة إحياء الأبعاد العنصرية حيث امتدت أعمال العنف الى جميع أنحاء البلاد وراح ضحيتها نحو 100 الف نسمة من الفيتناميين، وكذلك نحو 225 ألف من أصول صينية وكذلك نحو 100 ألف من المسلمين.

ويخلص من ذلك الى التأكيد على أن الحرب الباردة إنما كانت حربا وقودها المدنيون الأبرياء، وأن الكثير من أعمال هذه الحرب جرى بادارة ورعاية القوتين العظميين، فيما أن القليل منها تم تحت سيطرتهما، ووصل الأمر الى مستوى من الإبادة مقدما أمثلة عديدة على ذلك من بينها الحملة التي أطلقها صدام حسين عام 1988 تحت اسم الأنفال على الأكراد شمال العراق مستخدما الغازات السامة في انتهاك واضح لحقوق الإنسان.

وفيما لم يكن قد اتضح حتى ذلك الوقت من الفائز ومن الخاسر في حربهما ـ الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي ـ فإن النتيجة على الأرض أن الصراع بين الطرفين والذي دخلت بكين طرفا فيه أودى بحياة ملايين من البشر.

في إطار استعراضه لما يسميه حرب العالم يشير المؤلف الى تطورات حقبة الثمانينات موضحا أننا نفضل النظر الى ثورات 1989 على أنها تمثل النهاية العظمى للقرن، وهى اللحظة التي تشير الى انتصار الغرب.

ويضيف أنه مع انهيار الشيوعية في أوروبا الشرقية ثم بعد ذلك بعامين انهيار الاتحاد السوفييتي ذاته، ذهب الكثير من الناس الى التأكيد على أن النموذج الغربي الرأسمالي الديمقراطي قد انتصر، وقد راح بعض الناس يبحثون عما يمكن تسميته بـ (نظام عالمي جديد) فيما أن البعض الآخر راح يتحدث عن (نهاية التاريخ). وبدا كما لو أن معظم مشاكل القرن قد تم حلها أخيرا.

ومع ذلك فإن الأحداث في البلقان كانت بمثابة رد سريع وساخرعلى مثل هذه النهاية التاريخية السعيدة. فبالنسبة للناس في يوغوسلافيا يبدو أنهم أداروا ظهورهم للنظام العالمي الرأسمالي الليبرالي، وخلال شهور من سقوط الشيوعية في كل مكان في اوروبا الشرقية بدأوا في حرب اتسمت بارتكاب العديد من الفظائع ضد المدنيين.

وينتهي من استعراض تطورات الأزمة الى أن ما حدث في البوسنة كان فقط جزءا مما أصبح معتادا على توصيفه بأنه (اللانظام الدولي الجديد) في اعقاب 1989 الأمر الذي يعتبره المؤلف جزءا من مخلفات الصراع على مستوى النظام الدولي مشيرا في هذا الصدد الى أن جذور الصراع تعود الى الأجواء ذاتها التي تسببت في اندلاع الحرب العالمية الاولى.

مع دخول العالم حقبة التسعينات وانتهاء الحرب الباردة بدا أن النظام الدولي يتجه الى مزيد من الاستقرار وهنا يعرض المؤلف مجموعة من الرؤى المختلفة التي تبشر بمولد هذا النظام الذي يتسم بالاستقرار، غير أنه يشير الى أن الواقع أثبت عكس ذلك تماما،

فاذا كانت الحروب بين الدول قد أصبحت أقل انتشارا فإن عدد الحروب الأهلية في إطار الدول زاد بمعدلات كبيرة. واذا كان ما حدث في يوغوسلافيا هو بكل المعايير من بين الصراعات الأكثر دموية بين هذه النزاعات، فإن ما جرى في رواندا كان أكثر مأساوية على صعيد دلالاته بالنسبة لمسار حرب العالم.

عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق