يتناول المؤلف في هذه الحلقة موضوع تايوان وأهميته بالنسبة للصين ومستقبلها السياسي والاقتصادي حيث تتجه بعض الأحزاب السياسية داخل تايوان إلى إعلان الاستقلال عن الصين، بينما تصر الأخيرة على أن الجزيرة هي جزء لا يتجزأ من الوطن الصيني الأم، ومن هنا جاء تصويت البرلمان الصيني بالإجماع على قانون يمنح قادة البلاد حق استخدام القوة ضد تايوان في حال أعلنت استقلالها.

ويركز المؤلف على علاقات الصين بالولايات المتحدة، التي تعتبر المنافس الحقيقي لها في منطقة شرق آسيا، ويشير إلى أن تلك العلاقات شهدت فترات انفراج شابها بعض التوتر ولكن شقها الاقتصادي هو الأكثر حضوراً نتيجة لعلاقات الشراكة القائمة بين بعض الشركات الأميركية والصينية في مجالات الإنتاج المتعلقة بالتقنية العالية وبعض السلع الاستهلاكية الأخرى.

انفصلت تايوان عن الصين، سياسياً، منذ عام 1949، أي منذ وصول الشيوعيين بقيادة ماوتسي تونغ إلى السلطة، ومنذ ذلك الحين لا تزال بكين تنظر إلى هذه الجزيرة التي تمارس عملياً كل صلاحيات الدولة المستقلة، إنما دون أن تكون عضواً في منظمة الأمم المتحدة، على أنها «مقاطعة متمردة» لابد من إعادتها إلى «السيادة الوطنية» الصينية التي كانت القوى الاستعمارية قد عملت على المساس بها خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.

وبالإضافة إلى الهدف الرئيسي للقادة الصينيين المتمثل في ضم تايوان من جديد إلى الوطن الأم، من الواضح أن الصين تأمل في مرحلة أولى استعادة دورها على المسرح الدولي ابتداءً من تأمين هيمنتها في منطقة شرق آسيا كما كانت عليه الحال قبل «حرب الأفيون» عام 1840، وهي بذلك تعلن احتجاجها الضمني وإنما الفعلي على دور المحافظة على الأمن الإقليمي الذي تلعبه الولايات المتحدة الأميركية واليابان، ومن الواضح أن الصين ترمي بشكل واضح إلى دور أبعد من هذا، دور «يعبر المحيطات، حسب تعبير أحد الجنرالات الصينيين.

يبقى المفتاح الأساسي الذي يسمح بانطلاق الصين إلى آفاق أرحب هو الوصول إلى حل للمسألة التايوانية، كما تجمع آراء القادة الصينيين، ذلك أن أمنها البحري ومن خلال ذلك أمنها الاستراتيجي، وخاصة وأساساً فيما يتعلق بضمان التزود بالنفط، مرهونان إلى حد كبير بتايوان .. فالجزيرة تقع على طريق الممر البحري بين اليابان وكوريا من جهة وبين جنوب شرق آسيا ومنطقة الشرق الأوسط من جهة أخرى .. هذا يعني أن السيطرة على تايوان تسمح، في حالة نشوب أزمة بالسيطرة على طرق مصادر الطاقة.

لكن من الواضح أيضاً أن المسألة التايوانية في غاية التعقيد ولا يمكن مقارنة حالتها مع هونغ كونغ التي أعيدت للسيادة الصينية عام 1997 أو ماكاو عام 1999 ـ فضلاً عن وزن الحسابات الاستراتيجية الأميركية المصرة على إبقاء تايوان تدور في الفلك الأميركي بمنطقة المحيط الهادئ قريباً من القوة الصينية الصاعدة هناك واقع امتلاك الجزيرة لبنى دولة على أساس ديمقراطي وانتخابات رئاسية وتشريعية ووجود تعددية سياسية يبدو أن أغلبية من التايوانيين يحرصون عليها.

إذا كانت «إعادة التوحيد» مع تايوان تشكل هدفاً يردده القادة الصينيون لجميع ضيوفهم من المسؤولين العالميين، فإنهم لم يحددوا مع ذلك أي جدول زمني لذلك، أنهم يعملون في اتجاه هذا المنظور التوحيدي، وتتحدد سياستهم حيال القوى السياسية التايوانية بناء على ذلك، وهكذا وجهت بكين انتقادات عنيفة للرئيس التايواني «شن شوي ـ بيان» الموجود على رأس السلطة منذ عام 2000 كما كانت قد اتخذت مواقف عدائية حيال سابقة «لي تنغ ـ هوي» الذي حكم خلال سنوات 1988 ـ 2000، وحيث كان هذان الرئيسان من الدعاة المتحمسين لاستقلال تايوان وبذلا أقصى جهودهما من أجل أن تحتل الجزيرة مكانة معترف بها في مختلف المؤسسات الدولية.

وكان القادة الصينيون قد قاموا في عام 2005 بدعوة «ليان شان»، رئيس الحزب القومي الصيني، العدو التاريخي للحزب الشيوعي الصيني وإنما الذي أصبح حليفه الرئيسي في تايوان رغم استمرار خلافاتهما بالرأي حول مسألة إعادة التوحيد، وكان الحزب القومي الصيني قد حقق انتصاراً انتخابياً كبيراً في نهاية عام 2005 على الحزب الديمقراطي التقدمي، حزب الرئيس «شن شوي ـ بيان» في انتخابات محلية .. وكان دعاة الاستقلال قد خسروا عدداً من مقاعدهم في تلك الانتخابات على خلفية سلسلة من فضائح الفساد.

إن جزيرة تايوان تقدم منذ حوالي عشرين سنة نموذجاً ديمقراطياً في ممارسة آليات الحكم، أي ما يخالف المقولة السائدة بأن الصينيين لا يتطلعون إلى الديمقراطية ـ فالتايوانيون هم من الصينيين، ومن الملفت للانتباه هو أن المسيرة الديمقراطية في تايوان قد ترافقت بالتأكيد مع الهوية الوطنية التايوانية التي تؤكد عليها أغلبية الـ 23 مليون نسمة الذين يؤلفون سكان الجزيرة.

وتتم الإشارة في هذا السياق إلى وجود تباين كبير بين سكان البر الصيني وسكان «الجزيرة» فهذه الأخيرة عرفت تأثيراً يابانياً عميقاً طيلة نصف قرن من الاستعمار الياباني بين عام 1895 وعام 1945.

دعوات الاستقلال

كانت دعوات استقلال تايوان قد بدأت بالظهور في مطلع سنوات الثمانينات بتشجيع من الرئيس «لي تنغ ـ هوي» الذي وضع منصبه الرئاسي على المحك ولكنه فاز به من جديد عبر انتخاب شعبي بالاقتراع المباشر عام 1996. كانت تلك خطوة مهمة في التأكيد على التمايز عن الصين ومنظومتها السياسية ..

وكان رد فعل القيادة في بكين بمثابة إنذار واضح لدعاة الاستقلال، إذ قامت بإطلاق صواريخ بالقرب من الشواطئ التايوانية، مما ردت عليه الولايات المتحدة الأميركية التي لم تكن بعيدة عن تشجيع دعاة الاستقلال باستنفار اثنتين من حاملات طائراتها المتواجدة باستمرار في مضيق فورموزا.

وإذا كانت التوجهات السياسية لقادة تايوان تذهب بوضوح منذ أكثر من عقدين من الزمن نحو مزيد من الاستقلال، دون إعلانه حتى الآن، فإن المسألة مختلفة فيما يخص القطاع الاقتصادي، إذ وبعد انتخاب رئيس الحزب الديمقراطي التقدمي التايواني «شن شوي ـ بيان» رئيساً لتايوان عام 2000.

وهو المتحمس الكبير المعروف للاستقلال، عمل رجال الأعمال التايوانيين على تهدئة اللعبة من أجل عدم المساس بمصالحهم الهائلة في الصين، بل وإنهم قد نجحوا في إقناع الرئيس «شن» بفتح الباب على مصراعيه بالنسبة للاستثمارات في «القارة» وكان من نتيجة ذلك انتقال العديد من الصناعات إلى الصين حيث ان كلفة الإنتاج بفعل تدني أجور العمالة وتوفرها، هي أقل بعشرة أضعاف عما هي عليه في الجزيرة.

وتدل الإحصائيات الرسمية على أن حجم الاستثمارات التي قامت بها الشركات التايوانية في الصين خلال سنوات 1991 ـ 2004 قد بلغت حوالي 40 مليار دولار.

وهذا الرقم يدل على الاستثمارات المباشرة فقط، أي لا يتضمن الاستثمارات التي جرت عبر شركة وسيطة، موجودة في هونغ كونغ. كما تدل دراسة صدرت عن اتحاد البنوك السويسرية في شهر نوفمبر 2005 إلى أن أكثر من نصف الاستثمارات التايوانية المباشرة ما بين عام 2002 وعام 2004 قد اتجهت نحو الصين الشعبية، وأن 30% من صادرات الجزيرة تذهب إلى الصين، أي ما يعادل 18% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي لتايوان.

من الواضح أن القادة الصينيين، وفيما هو أبعد من «استعادة» تايوان يريدون ان يجعلوا من «تحديث الجيش الشعبي للتحرير» إحدى أولوياتهم لمواكبة «الصعود السلمي الجديد» للصين.

ويرون أن عملية تحديث القوات المسلحة تصب في إطار العمل من أجل تحقيق أهداف استراتيجية، خاصة في العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية، مثل فرض الصين لنفسها بمثابة الشريك الرئيسي في منطقة آسيا ـ المحيط الهادئ ـ أي ما يعني إقامة استقطاب ثنائي صيني ـ أميركي جديد في هذه المنطقة من العالم. ولا شك بأن كبح قوة اليابان الحليف الأكثر إخلاصاً لأميركاً على المستوى الإقليمي، يشكل إحدى نقاط اتهام القيادات الصينية.

الجيش الشعبي الصيني هو أكبر جيوش العالم تعداداً، إذ يبلغ عدد عناصره اليوم ما يزيد عن 3,2 مليون جندي، مقابل ثلاثة ملايين قبل عشرة سنوات، وذلك اثر قرار السلطات العليا تخفيض عدد القوات البرية والتركيز على تعزيز سلاحي الجو والبحرية مع الاعتماد أكثر فأكثر على التكنولوجيات الحديثة المتقدمة.

يبقى الاحتمال الأكبر في اللجوء إلى استخدام القوة العسكرية من قبل الصين هو استهدافها لتايوان في حالة إعلان قادتها الاستقلال السياسي أو في حالة انتفاء أي منظور لإمكانية إعادة التوحيد بـ «الطرق السلمية». ومن الملفت للانتباه في هذا الإطار اقتراع البرلمان الصيني بالإجماع على قانون في شهر مارس 2005 يمنح القادة الصينيين حق اللجوء إلى استخدام القوة حيال تايوان.

وينقل المؤلف تصريحاً للجنرال الصيني «تسو شنغهو» في صيف نفس السنة ـ 2005، في هونغ كونغ جاء فيه بأن الجيش الصيني سوف يقصف الولايات المتحدة الأميركية بوابل من الصواريخ عابرة القارات إذا قامت واشنطن بالهجوم على الصين خلال نزاع مسلح حول المسألة التايوانية.

ويتم التأكيد هنا أن خسائر الصين البشرية والاقتصادية والدبلوماسية ستكون كبيرة جداً في حالة قيام أي نزاع مسلح تكون تايوان موضوعاً له، في ظل موازين القوى القائمة اليوم والذي يبدو أن انتصارها فيها قليل الاحتمال، لذلك تسعى الصين إلى تحسين مواقعها وجعل خيارها العسكري أكثر مصداقية عبر حشد أعداد متزايدة من الصواريخ في مواجهة الجزيرة.

وتدل تقديرات وزارة الدفاع الأميركية إلى وجود ما بين 650 و730 صاروخاً هناك في عام 2005، وإلى أن عدد هذه الصواريخ يزداد بإيقاع مئة صاروخ كل سنة، أما عدد الطائرات المعبأة في مواجهة تايوان فيقدر بـ 700 طائرة مقاتلة، كانت من الطراز القديم، وإنما جرى استبدالها حديثاً بطائرات مستوردة من روسيا أو مصنوعة محلياً، وبالوقت نفسه تتم عملية تحديث القوى البحرية الصينية المتواضعة، حيث ينتظر تزويدها قريباً بغواصات ذات تسليح نووي من الجيل الجديد.

بالنسبة للإنفاق العسكري تدل الميزانية المكرّسة للجيش عام 2005 على زيادة بنسبة 6,12% بالقياس إلى العام السابق، كي تصل إلى حوالي 30 مليار دولار.

لكن المصادر الرسمية الأميركية تدل على أن الميزانية العسكرية الصينية الحقيقية تزيد على هذا المبلغ بما بين ضعفين إلى ثلاثة أضعاف، وبأنها إذا حافظت على الإيقاع نفسه في الميزانية السنوية فسوف تصل عام 2025 إلى 185 مليار دولار، حسب تقرير أصدرته مؤسسة «راند» الأميركية.

تجدر الإشارة هنا إلى أن هذا الرقم ـ رغم ضخامته ـ لا يمثل سوى نسبة 60% من ميزانية الدفاع الأميركية لعام 2003.

وكانت الصين قد ركزت منذ حرب الخليج عام 1991 والدروس التي استخلصتها منها على تكنولوجيات الإعلام والاتصال من أجل تحديث القوات المسلحة الصينية، وإذا كان قد تم إنجاز تقدم كبير في هذا الميدان فإن الصين لم تمتلك بعد الوحدات المجهزة والقادرة على التدخل في مسارح عمليات خارج البلاد.

لكن لا شك في أن تحديث الجيش الصيني يثير قلق بلدان المنطقة الأخرى وفي مقدمتها اليابان التي اختارت تعزيز تحالفها مع الولايات المتحدة عبر المشاركة في منظومتها الجديدة للدفاع المضاد للصواريخ.

وجهاً لوجه

إذا كانت المسألة التايوانية والموقف الصيني من اليابان يشكلان نقاط خلاف في التوجهات الاستراتيجية لكل من الصين والولايات المتحدة الأميركية، فإن هناك اليوم عدداً من العوامل التي تلعب دوراً إيجابياً في اتجاه تحسين العلاقات الدبلوماسية من وجهة النظر الصينية.

فبكين ترغب في أن يكون لها وزن أكبر في شؤون العالم اليوم، خاصة في ما يتعلق بعمليات حفظ السلام.. وهي تعاني من تبعية متزايدة في مجال الطاقة والجيش الصيني ليس واثقاً من قدرته على المحافظة على سلامة الطرق البحرية التي يمر عبرها البترول المكرّس للاستهلاك الداخلي المتعاظم، كذلك هناك إحساس لدى الصينيين بأن الولايات المتحدة ترغب في أن تجعل منهم «شريكاً مسؤولاً».

وبالاختصار لا شك أن الولايات المتحدة تمارس نوعاً من «السحر الذي لا مثيل له» على الصينيين.. هذا على الرغم من أنها كانت عدوّهم اللدود في حربي كوريا وفيتنام.

ولكن بدأت منذ سنوات الستينات بعض «المبادرات» واللقاءات الرياضية وغيرها.. ثم كانت الزيارة التي قام بها الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون إلى الصين في عام 1972 لتفتح صفحة جديدة بين أميركا الرأسمالية وصين ماو الثورية، وفي عام 1979 اعترفت واشنطن بالصين الشعبية وقطعت علاقاتها الدبلوماسية مع تايوان مع التزامها في الوقت نفسه في الدفاع عن الجزيرة ضد أي اعتداء خارجي، أي صيني ضمناً.

وشهدت سنوات الثمانينات وفود الآلاف من الطلبة الصينيين إلى الولايات المتحدة للدراسة، بينما تكاثرت أعداد السائحين ورجال الأعمال الأميركيين إلى الصين. وتعزز مثل هذا التوجه بعد سياسة الإصلاحات الاقتصادية التي تبنتها الصين في ظل قيادة دينغ شياو بينغ. لكن أحداثاً عدة استجدت وغيّرت المعطيات القائمة كلها في مقدمتها انهيار جدار برلين عام 1989 ثم انهيار المعسكر السوفييتي.

وفي السياق الجديد، أخلى التحالف «الظرفي» الذي جمع الطرفين الصيني والأميركي في مواجهة «العدو السوفييتي المشترك» المكان لتطوير سريع للعلاقات الاقتصادية مع التنافس العسكري في الوقت نفسه في آسيا.

وإذا كانت العلاقات الصينية ـ الأميركية قد عرفت فسحة من الانفراج أثناء زيارة الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون إلى الصين عام 1998 فإن أجواء التوتر عادت إليها بعد قصف السفارة الصينية «خطأ» في بلغراد من قبل قوات الحلف الأطلسي أثناء الحملة الجوية الأطلسية على صربيا ثم بعد أن أرغمت السلطات الصينية طائرة تجسس أميركية على الهبوط قسراً في الصين خلال شهر ابريل 2001.

وكان هذان الحدثان قد ترافقا مع هبّة بالمشاعر الوطنية جرى التعبير عنها بتظاهرات في بكين ألقى خلالها المتظاهرون الحجارة على السفارة الأميركية، واضطرت الحكومة إلى التدخل في النهاية كي لا تذهب الأمور أبعد وتسيء للمصالح الوطنية الصينية.

ويرى مؤلف هذا الكتاب أن تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن قد أظهرت مدى «غموض» مشاعر الصينيين حيال الولايات المتحدة الأميركية. ويؤكدان أن نقاشات كثيرة قد أثيرت على شبكة الانترنت قال الكثير من الصينيين خلالها إن الولايات المتحدة الأميركية تدفع ثمن ثروتها بل أن العديدين «أبدوا إعجابهم بمنفذيها». لكن السلطات الرسمية الصينية سرعان ما أعلنت تضامنها مع الإدارة الأميركية في حربها والتي أعلنتها ضد ما وصفته ب« الإرهاب الدولي».

وكانت الحرب الأميركية ضد العراق قد أيقظت خشية بكين من أن تسيطر الإدارة الأميركية على تسيير شؤون العالم، لكن هذا لم يمنع الحكومة الصينية من أن تفضل تجنب الصدام المباشر حول هذا الملف مع واشنطن، وتركت روسيا وفرنسا وألمانيا تأخذ قيادة معارضة الموقف الأميركي في اجتماعات منظمة الأمم المتحدة.

وعلى الجانب الأميركي هناك انقسام بالرأي بين قياديين أساسيين أحدهما «يبغض» الصين ويطالب بقدر أكبر من الحزم حيال بكين ويضم خاصة المسيحيين المحافظين كما العديد من القيادات «الثقافية» التي تطالب باتخاذ إجراءات حماية ضد التدفق الهائل للمنتجات الصينية إلى الأسواق الأميركية..

وتيار آخر يمثله قسم مهم من الإدارة الأميركية ويرى أن اندماج الصين في الاقتصاد العالمي يساهم في جعلها دولة قانون تحترم حقوق الإنسان أكثر.

وما بين هذين التيارين، هناك ذوو النظرة الاقتصادية الليبرالية الصرفة الذين يرون الأمور من زاوية الكلفة ويعتبرون أن الإنتاج في الصين ينطوي على امتيازات أكبر بالنسبة للمستهلكين الأميركيين، وبالتالي يرون أنه من «غير المجدي معارضة انتقال بعض الصناعات إلى الصين.

ويبقى الاقتصاد في خلفية «القرارات» الصينية ـ الأميركية»، فالعجز التجاري الأميركي مع الصين بلغ، بل تجاوز مئتي مليار دولار في عام 2005، حسب مصادر الإدارة الأميركية، وهو في تزايد مستمر ما دفع واشنطن إلى القيام بضغوط مستمرة وكبيرة على السلطات الصينية كي تقوم بفتح الأسواق الصينية أكثر أمام البضائع والمنتجات والخدمات الأميركية.

وكان قد تمْ توقيع اتفاق بين الطرفين، لإظهار نوع من النوايا الحسنة المتبادلة، ينظم عملية ارتفاع الصادرات النسيجية الصينية إلى أميركا حتى عام 2008، وذلك قبل زيارة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش إلى بكين مؤخراً، وعلى غرار الاتفاق الذي كانت الصين قد وقعته مع الاتحاد الأوروبي قبل ذلك.

لكن من المهم معرفة أن القسم الأكبر من الفائض التجاري الصيني مع الولايات المتحدة يتم استثماره «إعادة تدويره» داخل المنظومة المالية الأميركية، أي ما يزيد على 819 مليار دولار. وهناك أيضاً مشكلة «صرف» العملة الصينية في السوق النقدي والتي لا تزال خاضعة للرقابة الصارمة للسلطات الصينية وحيث يطالب الأميركيون ب«حرية الصرف».

الأميركيون يواجهون كما هو واضح مشكلة في تعاملهم مع الصين الصاعدة، فمن جهة يشجعون تنشيط العلاقات الاقتصادية معها، وإنما يفكرون، من جهة ثانية، بصياغة استراتيجية ل«صدّها» مما يبرر تبني برامج تسلح باهظة الكلفة وتعزيز التحالف العسكري مع اليابان ودمجها في إطار منظومة دفاعية جديدة في منطقة المحيط الهادي ووجود قواعد عسكرية أميركية كثيرة في جمهوريات آسيا الوسطى..

ويرى المؤلف أن هذا كله يولّد لدى العديد من الاستراتيجيين الصينيين الانطباع بأنهم ضحايا استراتيجية ترمي عملياً إلى حصارهم.

ومن الواضح أيضاً أن الولايات المتحدة الأميركية لا تسهل مهمة الصين، إن لم تكن تسعى إلى كبحها، فيما يخص التنمية والتوسّع الصيني في بعض الميادين مثل ميدان الطاقة. ولا يخفي مسؤولون أميركيون كبار قلقهم من الاهتمام الكبير الذي تبديه الصين بمصادر الطاقة.

هكذا أعرب نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني عن قلقه من اهتمام الشركة الوطنية الصينية للبترول بمنطقة «البيرتا» في كندا، والتي تضم ثاني احتياطي عالمي من النفط بعد المملكة العربية السعودية، كما تساءل «روبرت زوليك» نائب وزير الخارجية عن أغراض الاستثمارات الصينية في فنزويلا.

دور الصين الإقليمي

في عام 1968 شكّلت الفلبين وإندونيسيا وتايلاند وماليزيا وسنغافورة مجموعة «دول جنوب شرق آسيا، التي أرادت أن تكون حاجزاً ضد الشيوعية.. لكن هذا الدور أصبح اقتصادياً بحتاً بعد انضمام لاوس وفيتنام وكمبوديا وبورما إلى هذه المجموعة.

لكن الصين الصاعدة أصبحت صاحبة النفوذ الحقيقي في منطقة جنوب شرق آسيا كلها. وهي أيضاً بصدد أن تقيم مع بلدان المجموعة المعنية العشرة انضمت لها أيضاً بروناي أكبر منطقة تبادل حر في العالم والتي سيبلغ عدد مواطنيها حوالي ملياري نسمة عند اكتمالها في غضون العشرة أو الخمس عشرة سنة المقبلة.

وما بين عام 2010 وعام 2015 سوف تنتهي تدريجياً الرسوم الجمركية مع البلدان الستة الأكثر ثراء في المنطقة أي سنغافورة وبروناي وماليزيا وتايلاند والفلبين واندونيسيا وبعد سنوات لاحقة مع فيتنام وكمبوديا ولاوس وبورما، هذا وقد جرى تخفيض او إلغاء الرسوم الجمركية على المنتجات الزراعية اعتبارا من عام 2005 والبلدان التسعة المؤسسة لمجموعة دول جنوب شرق آسيا.

ان صادرات بلدان جنوب شرق آسيا نحو الصين اكبر من وارداتها حيث مثلت السوق الصينية منفذا مهما جدا بالنسبة لاقتصاد هذه البلدان التي عانت كثيرا من الأزمة المالية التي شهدها عام 1997 وتحاول الصين أيضا تعزيز دور رجال الأعمال الصينيين في بلدان المنطقة وهكذا يمتلك هؤلاء مثلا اغلبية مصانع النسيج ويسيطرون على النشاطات في المرافيء بكمبوديا..

والصين هي الشريك التجاري لفيتنام الان رغم ان البلدين كانا في حالة حرب عام 1979 والشركات الصينية هي التي تقوم ببناء السدود ومحطات توليد الكهرباء في بورما.

والصين هي الشريك التجاري الأول لليابان اليوم وعلاقاتهما مزدهرة على الصعيد الاقتصادي لكنها اقل ازدهارا بكثير ان لم تكن متوترة على الصعيد السياسي وتشير صحيفة نيويورك تايمز في عددها يوم 31 أكتوبر 2005 الى ان الشركات اليابانية قد استثمرت ما مجموعه 5 ,31 مليار دولار في الصين وحيث تستخدم ما يقارب المليون شخص.

وكانت نهاية سنوات التسعينات قد شهدت حركة كبيرة لانتقال المجموعات الصناعية اليابانية الكبرى الى الصين وكانت نسبته 6 ,16% من الصادرات اليابانية عام 2004 الى الصين حسب دراسة قام بها حديثا اتحاد البنوك السويسرية مقابل 1 ,5% من الصادرات الأميركية و3 ,4% من صادرات بلدان الاتحاد الأوروبي.

ورغم ازدهار العلاقات الاقتصادية الصينية ـ اليابانية فان الوزن الجديد للصين يثير قلق اليابان التي قررت ان توقف في عام 2008 القروض ذات الشروط الممتازة التي منحتها للصين لمدة تزيد على ثلاثة عقود وكان عام 2005 قد شهد تدهوراً في العلاقات بين البلدين على خلفية «تكريم» حكومة جونيشيرو كيوزومي اليابانية لمجرمي الحرب اليابانيين الذين ارتكبوا مجازر في الصين خلال الحرب العالمية الثانية.

وتلعب الصين اليوم دورا اقتصاديا ودبلوماسيا مهما في الكوريتين الشمالية والجنوبية التي كانت قد اعترفت بها عام 1992 وكان عام 2004 - 2005 قد شهد توجه حوالي ربع صادرات كوريا الجنوبية، أي ما يعادل 11% من ناتجها المحلي الإجمالي إلى الصين وتلعب الحكومة الصينية أيضا دور الوسيط الذي لابد منه بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة حول الملف النووي الكوري الشمالي منذ الإعلان عن استئناف البرنامج العسكري النووي في خريف عام 2002.

اما علاقات الصين مع الاتحاد الأوروبي فهي بنفس الوقت أكثر تعقيدا واقل تنافسا مما هي مع الولايات المتحدة وبعد بيع فرنسا لعدد من السفن الحربية وطائرات الميراج لتايوان في مطلع سنوات التسعينات لم يخاطر أي بلد أوروبي بمصالحه التجارية مع الصين او يلتزم فعليا بالدفاع عن الجزيرة التي تعتبرها بكين تابعة لسيادتها الوطنية.

وعندما توسع إطار الاتحاد الأوروبي عام 2004 ليشمل 25 بلدا أصبح هو الشريك التجاري الأول للصين التي أصبحت بدورها الشريك الثاني له بعد الولايات المتحدة وقد بلغ العجز التجاري الأوروبي مع الصين 9,78 مليار يورو عام 2004 والشركات الفرنسية تحديدا لها حضور في الصين فمجموعة «كارفور» افتتحت هناك فرعها رقم 69 في شهر ديسمبر 2005 وقطاع المنتجات الفرنسية الراقية من ملابس وعطور يجد رواجا كبيرا هناك.

بعد كل ما تقدم يأخذ سؤال: هل ينبغي الخوف من الصين؟ ابعاده الحقيقية.. فعندما تستيقظ الصين يذهب النعاس من عيون الآخرين.

عرض ومناقشة: محمد مخلوف