يستعرض نيال فيرغسون في هذه الحلقة جوانب من النقاط الملتهبة التي مثلت مراحل فاصلة على مستوى تطورات القرن العشرين والتي أدت في النهاية إلى طبعه بصفة أكثر القرون دموية مما انعكس في تزايد أرقام الضحايا من البشر.

ورغم أنه لا يقدم رقما تقديريا، إلا أن تناوله من خلال رصد مختلف الصراعات سواء بين الدول أو حتى الداخلية يشير إلى أن الأرقام كانت تتجاوز الملايين كما في عمليات العنف والقمع الداخلي التي جرت في الاتحاد السوفييتي تحت حكم ستالين حيث فاق الضحايا المدنيون الـ 21 مليون نسمة.

ومن استعراض تفاصيل الحرب الكورية كمظهر من مظاهر النزاع على مستوى أقطاب النظام الدولي ينقلنا المؤلف إلى تناول عدد من النزاعات الأخرى مثل أزمة الصواريخ الكوبية، وأزمة إسقاط النظام الشيوعي في غواتيمالا بأميركا اللاتينية، ثم الصراع في أنغولا، وصولا إلى المستنقع الأميركي في فيتنام، وهى كلها صراعات جاءت في إطار الحرب الباردة التي كانت حكمت تطورات النصف الثاني من القرن الفائت.

إذا كانت الحرب الكورية قد طويت صفحاتها فإن ملف الصراع بين واشنطن وموسكو لم يطو وكاد أن يشتعل ثانية في أوائل الستينيات على خلفية أزمة كوبا. ويشير المؤلف هنا إلى جوانب من خلفيات الصراع في 1959 استطاع كاسترو الاستيلاء على السلطة في هافانا وأعلن استقلال البلاد فعليا عن الولايات المتحدة، غير أن المشكلة بالنسبة لواشنطن تمثلت في تزايد الاختراق السوفييتي للنظام في هافانا ما جعله يتخذ مواقف مناوئة.

ووصل الأمر إلى حد أن الرئيس كينيدي مع توليه مهام الرئاسة أمر في مارس 1961 وبعد أقل من شهرين من توليه مهام منصبه، بالإعداد لغزو كوبا من قبل قوات تتكون من المعارضين للنظام هناك قامت على تدريبها المخابرات المركزية الأميركية.

واستغل نيكيتا خروتشوف الذي برز في أعقاب وفاة ستالين عام 1953 هذا الموقف في مساندة كاسترو من أجل تحويل بلاده إلى قاعدة سوفييتية وغير ذلك من تطورات معروفة فكان ما عرف آنذاك بأزمة الصواريخ الكوبية والتي استهدف من خلالها خروتشوف تقليل الفجوة بين بلاده والولايات المتحدة حيث يوفر نصب صواريخ روسية في كوبا ميزة غير عادية إزاء قربها من الولايات المتحدة حيث تبعد عن شواطئ فلوريدا بنحو 90 ميلا فقط.

وقد أربك ذلك الأمر القيادة الأميركية على نحو غير مسبوق. وعلى ذلك قرر كينيدي سلوك طريقين للتعامل مع الأزمة الأول هو أن يفرض حصارا بحريا على كوبا من أجل منع شحن المزيد من السلاح السوفييتي لها، وفي نفس الوقت أصدر بيانا تم إذاعته من خلال التليفزيون يطالب فيه السوفييت بسحب صواريخهم، مع اتخاذ الاحتياطات اللازمة تجاه احتمال رفض هذا البيان حيث أمر كينيدي بإعداد قوة غزو مسلحة تتكون من نحو 90 ألف جندي.

وعلى هذا النحو بدأت تقديرات الجانبين تتوالى بشأن سيناريوهات الدخول في مواجهة مسلحة الأمر الذي كان يجد له أنصارا على الجانبين.ومن ذلك ما يشير إليه المؤلف من أن أحد القادة العسكريين الأميركيين راح يؤكد على أنه إذا ما اندلعت مثل هذه المواجهة وانتهت ببقاء أميركيين اثنين وروسي واحد فإن ذلك إنما يعتبر انتصارا لأميركا!

المهم أن تقديرات كينيدي كانت تذهب إلى أن الخسائر ستقدر بنحو 200 مليون شخص، فيما أن تقديرات الجانب الروسي كانت تذهب إلى أنها قد تصل إلى نحو نصف مليار شخص. وفيما يعكس إدراكا من خروتشوف للمدى الذي يمكن أن تصل إليه الحرب فقد راح يتحدث إلى وفد من رجال الأعمال الأميركيين في موسكو أنه إذا أصرت واشنطن على الحرب فمن المؤكد أننا «سنلتقي جميعا في جهنم»، في اشارة إلى أن الحرب لن تبقي على أحد.

وانتهت الأزمة بالاتفاق على سحب الصواريخ الروسية مع تعهد واشنطن بعدم غزو كوبا وهو ما اعتبر نهاية لم يستطع أي من الطرفين تحقيق نصر على الآخر فيها. فيما كان كاسترو حسبما يشير المؤلف هو الفائز الوحيد من الأزمة وكان الوحيد من بين القادة الثلاثة الذي يبدو أنه أصيب بخيبة أمل جراء التسوية السلمية للأزمة.

فعندما وصله الخبر بدا متضايقا وراح يضرب الحائط بقدميه وكسر كأسا من الزجاج كان أمامه، وذلك رغم حقيقة أن موقف كاسترو تعزز كثيرا بفعل الأزمة، وكان صاحب الحظ الأوفر من بين القادة الثلاثة الذين دخلوا أطرافا في الأزمة، ففيما لقي كينيدي بعدها مصرعه وتم عزل خروتشوف من منصبه فإن كاسترو ظل وما زال يتمتع بوجوده على رأس السلطة في بلاده حتى الآن.

لقد كان على رأس نتائج أزمة الصواريخ الكوبية أنها أظهرت للولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي إلى أي حد تعتبر الحرب العالمية الثالثة قريبة على الرغم من امتلاكهما أسلحة ذات قدرات تدميرية عالية. ومع ذلك فقد كشفت الأزمة

كذلك عن أنه إذا كان من المتعذر عليهم خوض حرب نووية فإن الحرب يمكن أن يتم شنها بأساليب أخرى، إزاء حقيقة القدرة على التدمير المتبادل من قبل القوتين العظميين. وعلى هذا كان هناك ما يمكن اعتباره نوعاً من الاستقرار من قبل الطرفين على خوض الحروب بالوكالة من خلال كاسترو وأمثاله.

تصادم الإمبراطوريات

لقد أصبح ما يسميه المؤلف «حرب العالم» بمثابة النتاج الطبيعي للتصادم بين الإمبراطوريات العالمية حيث تجري في المناطق التي يسود فيها نزاعات إقليمية، ما يعني أن الحرب العالمية الثالثة على العكس يتم خوضها بشكل غير مباشر على مسارح جديدة وبشكل أكثر آلية حيث المغامرة في هذه الحالة أقل خطورة.

ويشير إلى من بين الأسباب التي ساعدت على تنامي أجواء النزاع في تلك الفترة الوضع شبه الإمبراطوري الأميركي في أميركا الوسطى والكاريبي، وهو الأمر الذي اتضح في العديد من الحالات ومنها النزاع الذي جرى في غواتيمالا.

ففي 1952 أصدرت الحكومة اليسارية في غواتيمالا التي كان يرأسها الرئيس جاكوبو أربينز مرسوما بمصادرة الأراضي المهجورة من كبار ملاك الأراضي في البلاد على أن يتم إعادة توزيعها على الفلاحين الفقراء - على غرار ما قامت به ثورة يوليو المصرية فيما عرف بالإصلاح الزراعي في واقعنا العربي.

وقد كان من بين المتضررين من هذا المرسوم شركة الفواكه الأميركية والتي كانت تمتلك نحو 10 % من مجمل الأراضي الرئيسية الصالحة للزراعة في غواتيمالا. وعلى ذلك فإنه في فبراير 1953 استولت حكومة أربينز على نحو ربع مليون فدان من أراضي الشركة، في الوقت ذاته الذي عرضت عليه مقابل ذلك تعويضاً يقدر بنحو مليون دولار،

فيما كانت الشركة تقدر ثمن هذه الأراضي بخمسة أضعاف هذا المبلغ. ولدى عرض القضية على المحكمة رأت أن المرسوم غير دستوري فما كان من حكومة غواتيمالا إلا عزل القضاة. وقد راح أحد قادة الإتحاد العمالي في البلاد يعلن آنذاك أنه من السهل على الإنسان أن يعيش بدون محكمة لكنه من الصعب عليه أن يعيش بدون أرض!

وإزاء تضررها بدأت شركة الفواكه الأميركية في الدفاع عن مصالحها وقد كان لها أصدقاء قريبين من مواقع المسؤولية على مستوى صنع القرار في الولايات المتحدة وكان من بين محاميها جون فوستر دالاس والذي تولى فيما بعد منصب وزير الخارجية الأميركي، وكان أخوه آلان نائبا لمدير المخابرات الأميركية في ذلك الوقت.

ورغم ذلك فإن الأمر لم يكن يتطلب جهداً كبيراً من الشركة لكي تضغط من قبل أصدقائها الموالين لها في محاولة التأكيد على أن غواتيمالا تعد بمثابة حصان طروادة الروسي في الفناء الخلفي للولايات المتحدة، فقد راح السفير الأميركي لدى غواتيمالا يلخص الموقف الرسمي قائلا: إن الشيوعية تدار من قبل الكرملين في كل أنحاء العالم، وأن أي شخص يقول غير ذلك فإنه لا يعي ما يقول؟

ووفقاً لما طرحه أحد أعضاء مجلس الأمن القومي في ذلك الوقت فإن غواتيمالا إنما تعد نموذجاً اختبارياً بشأن طرق ووسائل مواجهة الشيوعية، على غرار ما كان قائما في الوقت نفسه مع إيران. وقد كانت الإجابة في كلا الحالتين هي تبني السي آي إيه فكرة القيام بانقلاب.. الأول في إيران عام 1953 والثاني في غواتيمالا بعد ذلك بنحو العام.

تغيير الأنظمة السياسية

وقد أعطى الرئيس آيزنهاور الضوء الأخضر من أجل تغيير النظامين. ورغم أن المحاولة التي قامت بها الإدارة الأميركية باءت بالفشل إلا أن الظروف ساعدتها فيما بعد حيث انقلب الجيش على نظام أربينز، وعلى الفور سارعت واشنطن بتأييد الحكومة الجديدة حيث قام ريتشارد نيكسون نائب الرئيس الأميركي في تلك الفترة بزيارة غواتيمالا وراح يزعم ..

ان الاتحاد السوفييتي أرسل تلالاً من مواد الدعاية لكي يغير من عقول الغواتيماليين وكسب تأييدهم للشيوعية الدولية.. مع التأكيد على أن هناك أدلة مباشرة على أن حكومة اربينز كانت تحت السيطرة المباشرة من قبل ما أسماه مؤامرة الشيوعية الدولية.

المهم أن الرسالة التي سعت واشنطن إلى إرسالها لموسكو لم يكن ينقصها الوضوح، وهى حسبما لخصها السفير الأميركي في الأمم المتحدة في تلك الفترة هي «أن تبتعد عن أميركا الوسطى والكاريبي وألا تحاول تنفيذ مؤامراتها هناك».

وهنا يشير المؤلف إلى أن الحقيقة كانت تبين أن السوفييت أبرياء إلى حد كبير من تلك التهمة حيث أن الأوضاع في تلك المنطقة كانت ناضجة بشكل لم يكن يتطلب تدخلاً سوفييتياً نظراً لوجود ماركسيين في أميركا اللاتينية يرون إن لديهم القدرة على الإطاحة بالنظم الرأسمالية دون أي مساعدة من الاتحاد السوفييتي، وهي المساعدة التي لم توجد بأي شكل في حالة غواتيمالا ذاتها.

فبعد فترة غير طويلة وصل شاب واعد من الأرجنتين إلى غواتيمالا ومع زيادة قبضة قادة الانقلاب سيطرتهم على البلاد لم يجد أمامه سوى أن اتجه إلى المكسيك حيث قابل لاجئاً سياسياً آخر بدا مثيراً للانتباه. وبعد خمس سنوات قام الشاب الواعد وهو الطبيب ارنستو جيفارا بمساعدة المحامي فيدل كاسترو على الاستيلاء على السلطة في كوبا.

لقد كان انقلاب كاسترو بمثابة ضربة قاصمة لجهود أميركا على احتواء الشيوعية. ورغم محاولاتها المتكررة فإن السي آي إيه لم تستطع أن تفعل شيئاً لإجهاض التجربة الكوبية. ويشير فيرغسون إلى أنه رغم ذلك فإن إدعاء الولايات المتحدة بأن هافانا تحولت إلى أن تصبح بمثابة فرع كاريبي للحزب الشيوعي السوفييتي كانت ادعاءات خاطئة على عدة مستويات،

ويعرض في ذلك لاعترافات سوفييتية لاحقة تؤكد أن تأثير موسكو على كاسترو كان ضعيفاً أو محدوداً، فبدون أي تشجيع من قبل موسكو أخذ كاسترو على عاتقه تنفيذ استراتيجية مؤداها نشر الأفكار الشيوعية عبر العالم الثالث، وعلى هذا فإنه وجيفارا راحا يعملان على اذكاء نار الثورة في جمهورية الدومينيكان ونيكاراغوا وهاييتي.

وفيما بعد فإن كاسترو أرسل أسلحة إلى الجزائر بل وأرسل قوات كوبية إلى الكونغو وغينيا بيساو وأثيوبيا. وفي 1975 أمر كاسترو بأكبر عملية تدخل تقوم بها بلاده وهي إرسال وحدات من الجيش الكوبي لقمع محاولة جنوب إفريقيا لغزو جمهورية أنغولا المستقلة. ويذكر المؤلف في هذا الخصوص أنه على غير ما كان الأميركيون يفكرون بشأن كوبا فإن كاسترو في ذلك عصى أوامر من موسكو بأن يظل بمنأى عن التدخل في هذه القضية!

حرب ساخنة

وفي إطار استعراضه لتفاصيل نزاعات الحرب الباردة يقرر نيل فيرغسون ان أنغولا كانت تعد نقطة ساخنة لأبعاد الصراع على خلفية هذه الحرب. فعلى أحد الجوانب كانت هناك الحركة الشعبية لتحرير أنغولا والتي استولت على السلطة في لواندا بعد الاستقلال من البرتغال عام 1975.

وعلى الجانب الآخر كان هناك جماعتان متنافستان هما منظمة «يونيتا» و«فنلا». وفيما يكشف عن مفهوم إدارة الصراع بالنيابة يوضح المؤلف أنه لمجرد أن القوات التي تم إرسالها لمساندة الحركة الشعبية لتحرير أنغولا كانت كوبية وليست روسية، فإن قوات يونيتا حصلت على القدر الأكبر من المساندة العسكرية من جنوب إفريقيا وليس الولايات المتحدة.

بمعنى آخر وفق السياق الذي يورده المؤلف فإن الولايات المتحدة عزفت عن التدخل المباشر في الصراع إزاء كون القوات المتدخلة كوبية وليست روسية، وعلى هذا كان تفويض جنوب إفريقيا والتي لها مصالحها بالطبع بالتدخل على الجانب الآخر المناهض للحركة الشعبية في ضوء تصور صانع القرار الأميركي في ذلك الوقت أن كوبا إنما تتحرك في إطار الأهداف الروسية وهو ما يحاول المؤلف الإشارة إلى خطئه وعدم صحته.

وهنا فإن المؤلف ومن خلال القراءة الشاملة في كتابه لا ينحاز إلى الاتحاد السوفييتي أو الولايات المتحدة وإنما يرى أن سياساتهما على مدار النصف الثاني من القرن العشرين والتي انعكست في الحرب الباردة جرت الويلات على البشرية.

وقد تواصل الصراع على هذا النحو لفترة غير قصيرة حتى أنه عندما طرحت قضية أنغولا للبحث في عام 1987 فقد كان لحكومتها قاعدة عسكرية في جنوب شرق البلاد قرب الحدود مع ناميبيا وكانت مزودة بأسلحة سوفييتية الصنع على شاكلة الدبابات تي 55 ومقاتلات الميج الروسية، غير ان أطقم الدبابات والطيارين كانوا كوبيين. وعلى الجانب الآخر فإن قوات يونيتا كانت تتمتع بمساندة عملية من قبل نحو 3 آلاف جندي من جنوب أفريقيا مزودين بأسلحة غربية متقدمة.

يخلص المؤلف من خلال استعراض هذا الجانب من الصراعات الحقيقية إلى أنه على هذا الأساس يبدو من غير المنطقي محاولة تصوير فترة الحرب الباردة على أنها فترة سلام واستقرار في النظام الدولي. وفي معرض تفنيد هذا المنطق يؤكد على أن الحقائق تكشف عن أن النصف الثاني من القرن العشرين لم يكن اقل ضراوة وعنفا مما جرى خلال النصف الأول منه.

وفي معرض تأكيد ما يذهب إليه بالأرقام يشير إلى انه خلال الفترة من 1945 وحتى 1983 فإن العالم شهد سقوط ما يتراوح بين 19 و20 مليون قتيل في نحو مئة نزاع عسكري رئيسي في مناطق مختلفة من العالم، مضيفا أن شكل الصراع فقط هو الذي اختلف، فبدلا من الصراع المباشر كما بدا واضحا في أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 فإن الصراع اتخذ في مراحل أخرى شكل الصراع من خلال وسطاء، وإن كانت درجة انغماس القوتين العظميين اختلفت حتى في هذا الشكل لإدارة الصراع من واحد لآخر.

مستنقع فيتنام

من هذه النقطة ينتقل بنا المؤلف إلى استعراض جانب آخر من الصراع هو الحرب الأميركية على فيتنام. يوضح فيرغسون بداية أنه بالنسبة للصراع في فيتنام او في أفغانستان مثلا، فإن القوات الأميركية أو السوفييتية كانت في الخطوط الأمامية.

فيما أنه في أغلب الصراعات الأخرى كان الطرفان في الخلفية من خلال تدريب الأطراف المنخرطة في الصراع أو تزويدها بالسلاح وفي بعض الأحيان كما في أفريقيا والشرق الأوسط فإن المساندة نفسها كان يتم إسنادها إلى أطراف أخرى.

ومع ذلك فإن الولايات المتحدة كانت تنظر للموقف خلال فترات الحرب الباردة على أنه غير موات لها بشكل كبير. وفي معرض تفسير ذلك يذكر المؤلف أن الأمر قد يرجع إلى طبيعة المناخ الذي ساد خلال عقود الحرب الباردة، وهو ما يعكسه اختلاف وقع مقولة لتروتسكي عام 1917 عن أخرى لخروتشوف. فحينما دعا الأول إلى الثورة العالمية بدا وقتذاك أن رد الفعل كان مخيبا للآمال.

غير أن الصورة اختلفت كثيرا فيما بعد فعندما تحدث خروتشوف بثقة عن أن الشيوعية والاشتراكية والثورة العالمية سوف تنتصر فإن الوضع كان جد بالغ الاختلاف.. ففي كل أنحاء العالم الثالث كان هناك زعماء قوميون يحظون بشعبية كبيرة ويهدفون إلى الإطاحة بذيول الاستعمار الغربي وإقامة صيغة للحكم تقوم على أساس نظم تتمتع بتأييد شعبي.

وقد نجح السوفييت في إقناع الكثير من هؤلاء بتبني نموذجهم سواء السياسي أم الاقتصادي، فتصفية الاستعمار كانت اللافتة التي رفعها السوفييت في تلك الفترة كما عرفوا كيف يستخدمون جيدا مفهوم تحرير الشعوب.

لا ينفي المؤلف هنا أن واشنطن كان لديها كذلك ما يعتبره نموذجاً للثورة أو تغيير الوضع الاستعماري وهو هنا لم يقل لنا كيف؟ فضلا عن أنه لا توجد أي شواهد على وجوده باعتبار أن الولايات المتحدة في النهاية كانت ملحقة أو امتدادا بشكل أو بآخر لهذا الاستعمار وانه من غير المنطقي أو الطبيعي أن تحارب حلفاءها،

ورغم ذلك فربما يشير المؤلف إلى ما يمكن اعتباره صمتاً أميركياً أو عدم مساندة فعلية لاستمرار حالة الاستعمار. غير أن المؤلف يشير بعد ذلك إلى ما يقوض مقولته في السطور السابقة، حيث يذكر أنه رغم ذلك فإن زعماء مثل لينين وستالين وماو كان لهم الكثير من القابلية في عقدي الستينات والسبعينات مقارنة بما كان يتمتع به رؤساء أميركا من أمثال واشنطن أو جيفرسون أو ماديسون.

وعلى هذا فإن النموذج الأميركي الديمقراطي الذي ينتمي للرأسمالية لم يحظ بقبول واسع على غرار ما حظي به البديل السوفييتي ممثلا في نموذج الحزب الواحد الذي ينتمي إلى الاشتراكية وقد كان ذلك يرجع بشكل أساسي إلى أن المستعمرات القديمة والفقيرة مثل غواتيمالا وكوبا وأنغولا كانت تضم قطاعات كبيرة من الفلاحين الفقراء، وهو ما كان عاملا حاسما في ترحيبهم بالثورات الروسية والصينية، فيما لم توجد وسط هذه القطاعات سوى طبقة وسطى صغيرة كانت تفضل النموذج الأميركي.

فضلا عن تزايد طموحات العالم الثالث في التحرر. إلى جانب بعض المزايا التي كان يمثلها نموذج الحزب الواحد فالفائز بهذا النظام يتحقق له كل شيء ولا يواجه خطورة المساءلة من قبل منافسين، وهو ما قد يكون وراء حالات الفساد والديكتاتورية التي سادت مختلف نظم العالم الثالث فيما بعد الاستقلال.

إلى جانب ما سبق يشير المؤلف إلى أسباب تفضيل النموذج السوفييتي وهو أنه كان يمكن للحكام السياسيين الجدد من خلال الاقتصاد الموجه أن يسيطروا على مقدرات الاقتصاد تحت دعاوى التأميم.

وفي إطار استعراض ما يراه مزايا تمتع بها السوفييت على الولايات المتحدة في إطار صراع الحرب الباردة خلال عقدي الستينات والسبعينات، واستطاعوا من خلالها تحقيق موقع متميز مقارنة بما حققته الولايات المتحدة معرفة السوفييت، حسبما يذكر،

كيف يسلحون الفلاحين الأميين من خلال أسلحة رخيصة وسهلة الاستعمال، وهو ما عزز من نقلها إلى دول العالم الثالث.. فالبندقية الكلاشينكوف التي اخترعها الروسي ميخائيل كلاشينكوف عام 1947 أصبحت السلاح الأساسي لأغلب الحركات الثورية التي اتخذت من الماركسية نهجا لها في مختلف دول العالم الثالث.

في مواجهة هذا المناخ يتطرق المؤلف إلى ما كان يمكن للأميركيين أن يقوموا به لاحتواء التقدم السوفييتي على جبهة الحرب الباردة محاولا طرح السيناريوهات التي فكر القادة الأميركيون في اللجوء إليها في المقابل.

عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق