الأكذوبة الرئيسية التي تشكل أساس الكارثة الأميركية في العراق تكمن في ذلك الاعتقاد المتمثل في أن الولايات المتحدة الأميركية يمكنها بشكل أو بآخر حل مشكلات ذلك البلد، مهما كانت قساوة وتعقيد تلك المشكلات. بعبارة أخرى وباختصار يفيد هذا الاعتقاد أننا نمثل جزءاً من الحل.
وليس جزءاً من المشكلة، في العراق. بمجرد أن تفكر في الأمر بهذا الشكل فأنت تكون قد بدأت بتصحيح أحدث التكتيكات الخاطئة أو بدأت بتغيير سياسة تمت صياغتها بشكل غير صحيح تعوزه الكفاءة، وهي سياسة وضعتها إدارة غير مؤهلة تستخدم موارد شحيحة بشكل ضعيف للغاية.
غير أن الإيمان بقوة وقدرة الولايات المتحدة على حل مشكلات الآخرين هو أمر يعكس تفكيراً إمبريالياً لا يوجد لدى إدارة بوش فحسب، وإنما يوجد أيضا بين منتقدي تلك الإدارة. هذا التفكير تراه في كل مكان، إذا كنت أصلا مهتما بأن تنظر وترى. يمكنك رؤيته في تدهور الأوضاع في العراق وفي أحوال الجيش، وفي غير ذلك من الأمور.
يمكنك في هذا الصدد أن تنظر إلى أحدث ما ورد على ذهن إدارة بوش. ففي مقالة نُشرت على الصفحة الأولى في جريدة « نيويورك تايمز» أخيرا، قدم مايكل آر. جوردون، مارك ماويتي وتوم شانكر دليلاً قوياً على أن الهجمات السنية على الأميركيين والقوات العراقية المتحالفة معنا زادت بشكل كبير للغاية منذ مقتل أبو مصعب الزرقاوي.
الفقرات الأخيرة من تلك المقالة هي الأكثر إثارة للاهتمام، وهي فقرات كانت مدفونة داخل الصحيفة واستهدفت فئات خاصة من القراء (وجود مثل تلك الفقرات في نهاية المقالة أكد اعتقادي بأن الصحافة الإمبريالية يمكن في بعض الأحيان قراءتها من الخلف للأمام). تقول المقالة:
«على الرغم من ذلك فإن الخبراء الخارجيين الذين زاروا أخيرا البيت الأبيض قالوا إن مسؤولي إدارة بوش كانوا بصدد البدء في التخطيط لإمكانية أن حكومة العراق المنتخبة بشكل ديمقراطي قد لا تستمر».
وقال خبير في الشؤون العسكرية رفض ذكر اسمه في تصريحات أدلى بها في البيت الأبيض أخيرا: «لقد اعترف لي كبار مسؤولي الإدارة بأنهم يفكرون في بدائل أخرى غير الديمقراطية».
وأضاف الخبير: « الجميع يشعر بالحذر. ولكن يمكنك أن تشعر بمدى القلق الذي يتملكهم جراء أن الأمر بهذه الصورة يسير بعيدا عن الديمقراطية».
وفي اليوم التالي مباشرة كان توني سنو، المتحدث باسم البيت الأبيض، مضطرا إلى نفي هذا الأمر أثناء مؤتمر صحافي كان له بالفعل مغزى كبير. فعلى الرغم من كل شيء كان هذا هو الحل الذي فكر فيه كبار موظفي إدارة بوش الأب بعد حرب الخليج الأولى.
فقد كانوا يأملون في أن تتم الإطاحة بصدام حسين، بعد أن أنهكته الحرب، على يد رجل عسكري قوي من داخل جيشه، بعبارة أخرى على يد شخص يمكننا التعامل معه تماما كما قمنا بالتعامل مع صدام شخصيا في حقبة الثمانينات.
يقول خوان كول في هذا الصدد إن مثل هذا الشخص يمكن أن يكون ضابطا سابقا من حزب البعث خدم في الجيش العراقي القديم ويعرف كيف يقدم للشعب عرضا لا يستطيعون رفضه. وحتى لو كان هناك إمكانية في تطبيق مثل تلك الخطة، وهو أمر مستبعد الحدوث بالطبع، فإن فشلها سيكون أمرا مفروغا منه. غير أنه لا يجب الشعور بالمفاجأة حيال إمكانية أن تكون إدارة بوش تبحث بالفعل حالياً عن حلول جديدة للمعضلة العراقية.
كم كبير من المواقف في عالمنا تسير بشكل مخالف تماما لما كان متوقعا بشأنها. غير أن الوضع في العراق منذ مارس 2003 بدا استثناءً من هذا الأمر. فالذي يجري في ذلك البلد الآن هو أمر منطقي للغاية، وقد ساء الوضع هناك بشكل مطرد بسبب الاحتلال الأميركي (والبريطاني) المستمر منذ أكثر من ثلاثة أعوام.
فمهما كانت الوعود ومهما كانت «نقاط التحول» ومهما كانت هناك أخبار سعيدة مؤقتة تقدم في أي لحظة، فإن الوضع في ذلك البلد وفي المنطقة كلها لا يزيد إلا سوءاً.
في هذه الحالة، يجب أن يكون التاريخ هو مرجعنا. فطالما اعتقد الأميركيون أنهم جزء من الحل وليسوا جزءاً من المشكلة فإن الأوضاع ستزداد سوءاً.
ترجمة: حاتم حسين
عن «أنتي وور»