الآن وبعد أن توقفت أصوات المدافع تقريبا في لبنان، ثمة كلمة يرددها مستشار الأمن القومي الأميركي زبيغنيو بريجنسكي أكثر من أي كلمة أخرى عبر الهاتف من منزله المنيف في ولاية مين الأميركية وهذه الكلمة هي الواقعية.
نجل دبلوماسي بولندي ولد في بولندا خلال حقبة ما بين الحربين العالميتين، وتلقى تعليمه في جامعة هارفارد وتمكن من التأقلم مع البيئة الأميركية حتى أصبح مستشارا للأمن القومي في عهد الرئيس الأميركي جيمي كارتر.
وقد يكون من حق هذا الرجل المحنك البالغ من العمر 78 عاما أن يردد على الطريقة التقليدية مقولة : لقد قلت ذلك سابقا وكنت على حق ، وذلك ينطبق على ما كان قد حذر منه حين قال إنه ليس في وسع إسرائيل الانتصار بالأسلحة.
في هذه المقابلة الصحافية، التي أجرتها صحيفة كاريرا ديلا سيرا الإيطالية ونشرتها بالتزامن مع صحيفة الموندو الاسبانية ، يتناول بريجنسكي أبعاد العدوان الإسرائيلي على لبنان وتداعياته.
وفيما يلي نص المقابلة:
* كنت واحداً من قلة من الأشخاص في الولايات المتحدة الذين انتقدوا الهجوم الإسرائيلي. ما هو تقويمكم للوضع؟
- إحدى المنافع المحتملة للحرب هي أنها توجد فرصة لمخرج مماثل لتلك الفرصة التي شهدناها بعد أن تمكن السادات من عبور قناة السويس عام 1973 والدخول إلى سيناء.
فلقد أدى الصراع بين إسرائيل ومصر آنذاك إلى تفجر الوضع ، الذي عزز بدوره شعور المصريين بالفخر والاعتزاز وجعل الإسرائيليين أكثر واقعية. هذه المرة، عزز حزب الله شعور العرب بالكبرياء والشموخ.
وربما كانت إسرائيل أكثر واقعية الآن وذلك ساعة الوقوف أمام نفسها والسعي إلى البحث عن التزام سياسي متخلية عن الأعمال أحادية الجانب.
* لكن من هو عدو حزب الله .. أهو إسرائيل أم الغرب كله؟
- ذلك منوط بالعديد من الأمور، فكلما طالت حالة العداء بين إسرائيل وجيرانها، تقدم الولايات المتحدة مزيدا من الدعم غير المشروط للدولة العبرية، مما يزيد بدوره من احتمالات أن تشكل منظمات مثل حزب الله وحركة حماس جزءا من بيئة عدائية متشددة ومعممة ضد أميركا أيضا.
* في هذه الأثناء، تقبل إسرائيل قوة بقيادة أوروبا عند حدودها. هل يتعلق الأمر بتغير ما في السياسة الإسرائيلية ؟
- الأمر كذلك بالنسبة للإسرائيليين،و بالنسبة للأوروبيين أيضا. وآمل أن يستغلوا هذا الوضع. ففي حال تمكنوا من إرساء الاستقرار في المنطقة، فإنهم سيعززون بذلك مصالح الولايات المتحدة أيضا.
* هل يمكن اعتبار هذه المهمة سابقة بالنسبة للضفة الغربية أيضا ؟
ـ من المؤكد أنها يمكن أن تكون بداية عملية لحل المسألة، قد تفضي في نهايتها إلى مشاركة قوة تابعة لحلف الناتو أو قوة دولية قادرة على ضمان الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي الفلسطينية المحتلة، على أن يكون هذا الانسحاب منسقا مع جيران إسرائيل العرب.
* ألا تعتقد بأن إيران باتت أقوى مما كانت عليه قبل بضعة أسابيع؟
- لا يوجد أدنى شك بهذا الخصوص، ذلك أن وزن إيران الجيوسياسي قد تعاظم بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة.
وكذلك بفضل الهجوم غير المبرر وغير المسؤول الذي شنته إدارة بوش ضد العراق ، والذي قوض توازن القوى في منطقة الخليج.
* بوش يؤكد أن الحرب نفسها تخاض من الليطاني إلى بغداد ومن كابول إلى غزة.. هل ذلك صحيح؟
ـ ثمة مشكلات متنوعة وليس مشكلة واحدة وحل وحيد. وإذا ما تم حل واحدة من تلك المشكلات وسارت على دربها مشكلات أخرى، فإن العدوى ستطال جميع هذه المشكلات. ولذلك فلا بد من التحرك على عدة جبهات في الوقت نفسه، لكن هذا سيكون صعبا، طالما تستحوذ على تفكير بوش فكرة (فوبيا الإسلام) .
عن( الموندو) ـ اسبانيا