قامت كوندوليزا رايس بإنقاذ إسرائيل من أعماق مصيدة حزب الله التي كانت في طريقها إليها، وذلك بحثٍ من البعض في إدارة بوش. من الواضح أن إسرائيل اعتقدت أن حملة قصف هائلة من «الصدمة والرعب» والتي دمرت البنية التحتية المدنية إضافة إلى أهداف حزب الله من شأنها تحطيم المحاربين وجعل الرأي العام اللبناني ينقلب ضدهم.
ولكن مبدأ الصدمة والرعب لم يدمر حزب الله. فقد خرج حزب الله أقوى في المنطقة وفي لبنان، حيث ولد القصف غضباً شديداً تجاه إسرائيل حتى من بين اللبنانيين الذين يكرهون حزب الله. لا تزال هناك فرصة لأن يتم إضعاف سيطرة حزب الله في لبنان كنتيجة لهذا الصراع.
ولكن سيتطلب ذلك أن يدرك كل من البيت الأبيض وإسرائيل الحقيقة الماثلة التي فرضتها وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس بعد فوات الأوان على الإدارة وهي القبول بفكرة أن أحداً ليس بإمكانه هزيمة الجماعات «الإرهابية» بضربة قاضية واحدة.
إن الاعتماد على مبدأ الصدمة والرعب أو الهجمات العسكرية الكبيرة لإلحاق الهزيمة بالجماعات المتشددة هو طريقة خاسرة. فإلحاق الهزيمة بهم يتطلب إستراتيجية أكثر تطوراً، تربط القوة بالدبلوماسية وجمع المعلومات الاستخبارية ودعم المعتدلين العرب.
بعد مضي ثلاثة عقود على حرب فيتنام، وخمسة أعوام على هجمات الحادي عشر من سبتمبر وثلاثة أعوام على حرب العراق القذرة، قد يعتقد المرء أن الإدارة قد تعلمت أن مكافحة الإرهاب طريق طويلة لا تتأثر بالعبارات المنمقة. ألم يلحظ أحد من البيت الأبيض أن الجيش الأميركي يغير عقيدته حول حرب العصابات؟
فعوضاً عن الهجوم العسكري الشامل، فإن العقيدة الجديدة تدعو إلى شن معركة سياسية لكسب «القلوب و العقول» مع ممارسة ضبط النفس من ناحية عسكرية من أجل عدم دفع المدنيين إلى أذرع «الإرهابيين».
هناك عبارة رئيسية للجيش وهي «تعلم تناول الحساء بالسكين» ابتدعها ليفتنانت كولونيل جون نغال، وهي تركز على دروس مكافحة التمرد من حرب الخمسينات في منطقة الملايا ومن حرب فيتنام. وقد استخدمت هذه العبارة من قبل لورنس العرب في وصفه للطبيعة الفوضوية والهادرة للوقت لمحاولة إلحاق الهزيمة بالمتمردين.
يركز نغال على قدرة الجيوش على التعلم من الأخطاء ومواءمة استراتيجياتها وتكتيكاتها. ويرينا كيف أن البريطانيين في الملايا كانوا مرنين بما فيه الكفاية لإلحاق الهزيمة بتمرد شيوعي بينما تعلق الجيش الأميركي في فيتنام بعقيدة فاشلة تتعلق بالقوة.
ومما يبعث على الحزن أن البنتاغون لم تتشرب مثل هذه الأفكار قبل غزو العراق. ربما كان بمقدور أفكار نيغل- لو أنها طبقت عام 2003- أن تكبح جماح نمو التمرد السني في العراق ولحالت دون بروز ملامح الحرب الأهلية في العراق. ربما فات الأوان الآن لكي تؤدي عقيدة الجيش الجديدة إلى وقف انقسام العراق.
لو أن البيت الأبيض اهتم ولو قليلاً بعقيدة جيشه، لأعطى إسرائيل نصيحة مختلفة جداً حول كيفية مواجهة حزب الله. ولأكد الحاجة الماسة إلى قيام إسرائيل باتباع استراتيجية سياسية وعسكرية أيضاً. إن الحكومة اللبنانية- بينما تعد ضعيفة - تعتبر المثال الدعائي الذي استخدمه بوش في حملته لإرساء الديمقراطية في المنطقة.
يريد رئيس وزرائها فؤاد السنيورة، والعديد من أحزابها السياسية، دولة ديمقراطية، وربما كانوا سيواجهون حزب الله لو قام بوش ومعه إسرائيل بتقديم الدعم لهم. وبحسب مصادر في حزب رئيس الوزراء فؤاد السنيورة، فإنه لو أن إسرائيل حصرت هجماتها الجوية والبرية القوية بالجنوب،
الذي يعتبر قاعدة حزب الله، لضغطت حكومته على حزب الله لينسحب من الحدود وينزع سلاحه.كانوا سيحتاجون إلى مساعدة من إسرائيل: تعهد بتسوية النزاعات الاقليمية معهم، وإعادة الأسرى اللبنانيين إليهم، وليس حزب الله، مقابل الجنديين الإسرائيليين المختطفين.
بالفعل، فإن السنيورة كان قد حصل على موافقة حزب الله على انسحابه من جنوب لبنان قبل وقف القتال. ولكن البيت الأبيض تجاهل سعي السنيورة إلى توجيه ضربة قاضية إلى مقاتلي حزب الله. فدعم استمرار حملة القصف الإسرائيلية التي دمرت البنية التحتية اللبنانية وقوضت سلطة السنيورة بينما فشلت في تدمير حزب الله.
والآن تم تدمير الاقتصاد اللبناني ، وتعهد حزب الله بإعادة إعمار 15000 وحدة سكنية في الضواحي الشيعية.
إذا كتب لوقف النار البقاء، فإنه يتعين على إسرائيل والولايات المتحدة تعزيز موقف السنيورة. سيصبح هذا الأمر من الصعبٌ تحقيقه إلى حد بعيد الآن في الوقت الذي يعلن حزب الله عن «انتصاره». ولكنه الأمل الأفضل والضئيل من أجل كبح حزب الله بعد الأخطاء التي تم ارتكابها أخيراً.
ترجمة: كوثر علي
عن موقع «شارلوت دوت كوم»
بقلم: ترودي روبن
