أجرت مجلة «دير شبيغل» حواراً أخيراً مع الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر حول سياسة الإدارة الأميركية الحالية وكيف أنها تختلف اختلافا جذريا عن أي إدارة سابقة في تاريخ الولايات المتحدة. وتطرق الحديث إلى الكتاب الجديد الذي ألفه كارتر والذي تناول فيه سياسة إدارة بوش الحالية التي قال إنها تُعرّض القيم والتقاليد الأميركية إلى خطر مقيم، معربا عن اعتقاده بأن الحكومة الأميركية الحالية تقع تحت سيطرة مجموعة من الأصوليين لا يعترفون بالخطأ مطلقا ويرون أنهم يمثلون الإرادة الإلهية على الأرض. وفيما يلي نص الحوار:
* في كتابك الجديد قلت إن الشعب الأميركي وحده هو الذي يستطيع أن يعيد الحكومة الأميركية إلى تطبيق المبادئ الأخلاقية القديمة المعروفة عنها. هل أنت بهذا تلمح إلى أن الإدارة الأميركية الحالية التي يترأسها جورج بوش تتصرف بشكل غير أخلاقي؟
ـ ليس هناك ثمة شك في أن الإدارة الأميركية الحالية تخلت بشكل جذري وطوعي عن السياسات الأساسية التي تبنتها الإدارات السابقة كلها، سواء أكانت ديمقراطية أم جمهورية.
* هلا ضربت لنا مثالا؟
ـ كان هناك التزام لدى كل الإدارات السابقة بالسلام وليس بالحروب الاستباقية.
فبلدنا كان دوما له سياسة واضحة تتمثل في عدم اللجوء إلى الحرب إلا إذا تعرض أمننا إلى خطر مباشر. ولكننا الآن نتبنى سياسة أخرى متمثلة في شن الحروب على أساس استباقي. أمر آخر جد خطير تختلف فيه هذه الإدارة عن الإدارات السابقة قاطبة هو فصل الكنيسة عن الدولة، وهو الأمر الذي ذكرته في كتابي.
كما أن الإدارة الحالية قامت بشيء لم تسبقها إليه أي حكومة أميركية سابقة متعلق بقضية العدالة، وهو موضوع آخر أشرت إليه أيضا في كتابي. فنحن لم نر مطلقا أي حكومة أميركية من قبل تعمل على إدخال قوانين إصلاح ضريبي بغية إفادة الطبقات الثرية على حساب مصلحة الطبقة والعائلات الأميركية العاملة.
* لقد ذكرت في كتابك أيضا حالة الكره الموجه ضد أميركا من كل أنحاء العالم العربي بسبب غزو العراق. ففي ظل مشاعر المعاداة هذه، هل يمكن القول إن الأمر يمثل أي مفاجأة عندما يتم رفض دعوة واشنطن إلى تطبيق الديمقراطية في الشرق الأوسط بالشكل الذي تم رفضها به؟
ـ لا يجب أن تكون هناك أي مفاجأة في هذا الصدد. بل أن المخاوف التي أثرتها في كتابي غدت أكثر خطورة الآن بعد التأييد الأميركي لإسرائيل في حربها الأخيرة على لبنان.
* ولكن ألم تكن إسرائيل هي الطرف الذي تمت مهاجمته؟
ـ لا أعتقد أنه لدى إسرائيل أي مبرر أخلاقي أو قانوني لما قامت به من هجوم فظيع على دولة ذات سيادة مثل لبنان. ما حدث هو أن إسرائيل تحتجز لديها نحو 10 آلاف معتقل، وعندما قام المسلحون في لبنان وفي غزة بأسر جندي أو جنديين، فإن إسرائيل نظرت للخطوة باعتبارها مبررا لشن هجوم على المدنيين اللبنانيين والفلسطينيين. لا أعتقد أنه يمكن تبرير مثل هذه الفعلة.
* هل تعتقد أن الولايات المتحدة لا تزال تلعب دورا مهما في التوصل إلى حل سلمي لأزمة الشرق الأوسط؟
ـ نعم. فأنت تعلم بحكم الواقع أنه منذ أن أصبحت إسرائيل دولة فإن الولايات المتحدة تقوم بدور القيادة في أي قضية تتعلق بها. كل الرؤساء الأميركيين على مر العصور قاموا بهذا الدور بشكل عادل ومتزن، بمن فيهم الرئيس جورج بوش الأب وجيرالد فورد، وآخرون منهم أنا وبيل كلينتون. غير أن الإدارة الحالية لم تحاول قط على امتداد السنوات الست الماضية أن تتفاوض من أجل الوصول إلى تسوية بين إسرائيل وأي من جيرانها أو مع الفلسطينيين.
* ماذا يجعلك متفائلا هكذا بشأن ما يمكن أن تحققه الدبلوماسية؟ هل لأنه يمكن اعتبارك الأب الروحي لمفاوضات كامب ديفيد، إذا جاز لنا قول ذلك؟
ـ عندما توليت رئاسة البلاد كانت هناك أربع حروب قد وقعت بالفعل بين الإسرائيليين والعرب. وبعد تفكير عميق واجهت خلاله صعوبة كبيرة، لاسيما أن رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي اُنتخب وقتها كان مناحم بيغن، قررت السعي إلى عقد مفاوضات بين الأطراف المتنازعة وبالفعل نجحت تلك المحاولات وأفضت إلى اتفاقية سلام بين مصر وإسرائيل لا تزال قائمة منذ 27 عاما من دون أن يتم انتهاكها أبدا.
لا يمكنك أن تكون متأكدا بشكل مسبق من أن المفاوضات التي تدور حول المواقف الصعبة ستنجح أم لا، ولكن يمكنك التأكد بشكل مسبق من أنه في حال عدم إقدامك على الدخول في مفاوضات فإن المشكلة التي تعاني منها ستتواصل وستزداد سوءاً.
* إحدى النقاط الرئيسية في كتابك تشير إلى هذا التحالف الغريب بين الأصوليين المسيحيين والحزب الجمهوري في الولايات المتحدة الأميركية. كيف يمكن لتحالف «أتقياء» مثل هذا التحالف أن يقود إلى كوارث أخلاقية، مثل فضيحة سجن أبو غريب والتعذيب الذي يجري في معتقل غوانتانامو؟
ـ الأصوليون يعتقدون أن بينهم وبين الله صلة فريدة من نوعها، وأن أفكارهم هي أفكار الرب ومن ثم فإن أي فرد يعارضهم فإنه يعارض الرب ويكون بالضرورة مخطئا. ومن المنطلق نفسه فإن الأصولي لا يستطيع أن يدخل في مفاوضات مع طرف آخر لأن هذا يعني من وجهة نظره مساواة بين الطرفين، الأمر الذي يرفضه الأصولي لأنه يرى من يختلف معه في الرأي في مرتبة أقل من مرتبته.
ولذا فإنك ترى أن الإدارة الحالية على سبيل المثال تتبنى سياسة رفض التحدث أو التفاوض مع أي طرف يكون على اختلاف معها في الرأي، وهو الموقف الذي يتعارض مع سياسة جميع الإدارات الأميركية السابقة. كل تلك الأشياء تسبب لي قلقا كبيرا . إن الأصوليين يعتقدون أنهم لا يخطئون أبدا، ولذا فإنه عندما يُمارس التعذيب في أبو غريب أو غوانتانامو، فإنه من المستحيل أن يكون هناك اعتراف بالخطأ.
ترجمة: حاتم حسين
