كثر الحديث في الأيام القليلة الماضية - في قمة الثماني وغيرها- عن حق إسرائيل في الرد على عملية أسر اثنين من جنودها أو الهجوم على جنودها داخل حدودها السيادية. ويعتقد البعض، مثل أولئك في الإدارة الأميركية، يعتقدون، على ما يبدو، أن إسرائيل لديها رخصة مطلقة للرد على أعدائها كما تريد وبأي ثمن. بل أن أولئك المستعدين للاعتراف بأنه ربما تكون هناك مشكلة، يميلون إلى تبسيطها واختزالها في «الاستخدام غير المتناسب للقوة» من قبل إسرائيل.

لكن الرهان هنا ليس عنصر التناسب أو الدفاع عن النفس، بل التماثل والتكافؤ. فإسرائيل تراهن على الادعاء بامتلاك الحق بالاستخدام الحصري للقوة كأداة للسياسة والعقاب، و تسعى لحرمان أي دولة أو طرف معاد مجاور من أي حق مشابه. كما أنها تحقق نجاحاً كبيراً في تصوير حقها في «الدفاع عن النفس» باعتباره فوق مستوى المساءلة، بينما تحرم أي طرف آخر من الحق نفسه. والملفت أن المجتمع الدولي يبارك موقف إسرائيل على المستويين كليهما.

ومن وجهة نظر عربية، لا يمكن لهذا أن يكون صائباً. فليس هناك أي سبب على الإطلاق يمنح إسرائيل الحق في دخول أي بلد عربي ذي سيادة بهدف الاحتلال والتدمير والاختطاف والقضاء على أعدائها المفترضين ـ مراراً وتكراراً بدون أي ضابط ـ بينما لا يستطيع الطرف العربي فعل الشيء نفسه.

وإذا كانت الدول العربية غير قادرة أو غير راغبة في فعل ذلك، فيجب أن تقع هذه المهمة على عاتق القادرين على القيام بها. ومن المهم أن نضع في اعتبارنا أنه سواء في عملية حماس التي أدت إلى اجتياح غزة أو عملية حزب الله التي أدت إلى الهجوم على لبنان، فإن المستهدف في الحالتين كان جنود من القوات المسلحة الإسرائيلية النظامية وليس من المدنيين.

ويصعب تخيل كيف يمكن تصنيف هذه الأعمال تحت عنوان «الإرهاب»، بدلاً من اعتبارها هزيمة تكتيكية مباشرة للماكينة العسكرية الجبارة التي طالما تبجح بها الإسرائيليون، وربما لذلك يكرهون الإقرار بتلك الهزيمة التكتيكية ويفضلون تسميتها «إرهاباً».

وبعض هذا كله له علاقة بمفارقة القوة: فكلما قوي الجيش الإسرائيلي، أصبح أكثر عرضة وتأثراً حتى بأصغر الانتكاسات. فخسارة دبابة واحدة، أو أسر جندي واحد، أو إتلاف بارجة حربية واحدة يصبح له تأثير سلبي مضاعف، لأنه يمس مصداقية القوة العسكرية الرادعة.

ولذلك فإن إسرائيل تهدف من ردها في الوقت نفسه إلى الانتقام واستعادة ردعها ومحاولة إجبار خصومها على الرضوخ لإرادتها. لكن هناك عاملاً آخر ذا صلة: وهو خشية إسرائيل من الاعتراف بوجود أي تكافؤ بين الطرفين. وهذا العامل بالتحديد هو الذي يقدم، على ما يبدو، الأساس النفسي والأخلاقي لهجوم إسرائيل المتواصل على غزة ولبنان،

إنه الإحساس بأنها وجدت صنواً لها في التهور والجرأة والبراعة التكتيكية والعمليات العسكرية « النظيفة « من قبل خصم ربما يكون حتى قد تعلم بعض الدروس من إسرائيل نفسها، وربما يكون قادراً على تعلم المزيد في المستقبل.

وبالطبع لم يكن هناك أي شيء نظيف في الأعمال العسكرية الإسرائيلية على مدى العقود الطويلة في تاريخ الصراع في فلسطين ولبنان. فاستخفاف إسرائيل الوحشي بأرواح المدنيين خلال الأيام القليلة الماضية ليس جديداً عليها أو مخالفاً لشخصيتها.

ولأولئك الذين يشتكون من انتهاك سيادة إسرائيل من قبل حماس أو حزب الله، ربما يكون من المفيد تذكيرهم بعشرات الآلاف من الانتهاكات لسيادة لبنان منذ أواخر الستينات، الغارات الجوية المهولة في أواسط السبعينات وأوائل الثمانينات، غزو واحتلال بيروت في 1987 و1982،

تشريد مئات الآلاف من المهجرين، المنطقة العازلة التي استمرت 18 عاما، القوة العميلة التي تم إنشاؤها في جنوب لبنان، عمليات الاغتيال، السيارات المفخخة والمجازر، وأخيراً الانتهاكات المتواصلة لسيادة لبنان براً وجواً وبحراً والاستمرار في احتجاز الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية حتى بعد الانسحاب من الجنوب في 2000.

ولا داعي هنا لإعادة إحصاء إجمالي الانتهاكات الإسرائيلية ـ «السيادة» الفلسطينية، التي كان آخرها رفض إسرائيل القبول بالخيار الانتخابي السيادي للشعب الفلسطيني. فلقد بدأت عمليات اغتيال الزعماء الناشطين الفلسطينيين التي تنفذها إسرائيل خارج أراضيها وخارج سلطة القانون في أوائل السبعينات ولم تتوقف إلى الآن.

لكن لأولئك المهتمين بمعرفة المزيد من المعلومات المفيدة حول عملية حماس الأخيرة، يكفي التذكير بحقيقة أن إسرائيل نفذت حوالي 650 ألف عملية اعتقال وسجن منذ بدء احتلال الضفة وغزة في 1967، وأن هناك الآن 9 آلاف فلسطيني في السجون الإسرائيلية،

بمن في ذلك خمسون أسيراً محتجزين منذ ما قبل اتفاقيات أوسلو لعام 1993، وكثير غيرهم ترفض إسرائيل الإفراج عنهم على أساس أن أيديهم ملطخة بالدماء»، وكأن اللوم على طرف واحد في هذا الصراع، أو كأن دم الفلسطيني أرخص من دم الإسرائيلي.

وإذا كان هناك من يحق له أن يتحدث عن تأسيس نوع من المعايير المعترف بها من قبل الطرفين فيم يخص قواعد الصراع على الأرض، فإن لدى حماس وحزب الله، حججاً قوية بكل تأكيد في هذا الصدد. وإذا كان هناك من حاجة لإظهار أن المباح على أحد جانبي الحدود يجب أن يكون مباحاً على الجانب الآخر،

فإن منطق حزب الله وحماس له جاذبية كبيرة للرأي العام العربي والإسلامي ـ بغض النظر عما تقوله المحاور الرئيسية للنظام العربي الرسمي.وفي الواقع أنه بينما يتحدث الرئيس بوش وزعماء غربيون آخرون عن الحرية والديمقراطية وحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، فإن إدعاء توني بلير المتكرر بأن الأحداث في المنطقة لا ينبغي أن تربط بالأحداث الفظيعة في أماكن أخرى يبدو بشكل متزايد ادعاءً سخيفاً إلى حد البلاهة.

ترجمة: علي محمد

عن «غارديان»