يتناول المؤلف في هذه الحلقة التمييز الصارخ بحق الفلاحين النازحين إلى المدن بحثاً عن فرص العمل بحيث يحرمون من الحصول على الإقامة القانونية في تلك المدن ويحرم أبناؤهم من دخول المدارس الحكومية ولكن التمييز الأبرز في هذا المجال تتعرض له المرأة العاملة القادمة من الريف، فهي معرضة للتسريح من العمل ضعف ما يتعرض له زميلها العامل.
ويشير المؤلف كذلك إلى أن الفقراء في الريف والمدن يحرمون من تلقي الرعاية الصحية اللازمة، حيث تعتمد المؤسسات الصحية في البلاد على المرضى في تدبير نفقات تشغيلها بعد انخفاض مستوى الدعم الذي تقدمه الدولة لها. هذا ناهيك عن انهيار ما يسمى بنظام الضمان الاجتماعي.
كل هذا يساعد في تعميق هوة التفاوت الاجتماعي بين سكان الصين الذين تفرض الدولة عليهم نظاماً صارماً من الرقابة بهدف الحد من مظاهر الاحتجاج على الفساد المستشري في البلاد.
الصين هي صاحبة أحد أكبر معدلات النمو الاقتصادي في العالم اليوم.. ولكنها أيضاً صاحبة أحد أكبر أشكال التفاوت الاجتماعي حدة. لكن هذا لا يمنع واقع أن مستوى معيشة شرائح واسعة جداً من السكان قد تحسن إلى هذه الدرجة أو تلك بالقياس إلى الفترة «الثورية» السابقة في ظل ماوتسي تونغ..
وهي أولئك الذين لم يستفيدوا كثيراً من ديناميكية النمو الاقتصادي، والذين لا يزالون من بين الأكثر بؤساً في الصين، يمكنهم أن يأملوا تحسن أوضاعهم «غداً»®. وكانت تلك هي إحدى المقولات التي رفعها رجل الصين القوي بعد عهد ماو، أي دينغ تشياوبينغ.
وإذا كانت هناك مؤشرات كثيرة تدل على ارتفاع عدد الجرائم فإن المدن الصينية لا تزال مع ذلك على درجة كبيرة من الأمن حتى الآن.. وفي ظل شعار رفعته السلطة الصينية كأحد محركات عمل حكومة «جيانغ زيمين» خلال سنوات 1989 ـ 2003 وجاء فيه: «الاستقرار فوق كل شيء»®.
والاستقرار رغم تفشي الكثير من مظاهر الفساد والمظالم التي أثارت احتجاجات شعبية كبيرة.. وتقول وزارة الأمن العام الصيني نفسها إن عام 2004 قد شهد قيام 74 ألف مظاهرة في عموم البلاد شارك فيها ما يزيد على 7,3 ملايين شخص.. وقد قامت تلك المظاهرات على خلفية الاضطرابات الاجتماعية التي أثارتها الإصلاحات الاقتصادية.
وكان النظام الصيني قد تبنى في ظل حكم ماوتسي تونغ النظام المعروف باسم «هوكو»، أي إصدار وثيقة سكن لحظة إنشاء البلدات الشعبية عام 1958 والتي كانت ترمي إلى كبح الهجرة من الأرياف إلى المدن «وكانت تلك الممارسة في صميم عملية التمييز «باسم القانون» بين سكان المدن وسكان الأرياف الذين يشكلون الأغلبية، وإنما الذين أصبحوا بمثابة مواطنين حقيقيين من الدرجة الثانية في بلادهم.
ثم ان مثل هذا الإجراء، الذي لايزال ساري المفعول، يخلق وضعاً غريباً صعباً بالنسبة لأعداد من الصينيين ذوي الأصول الريفية الذين غادروا مناطقهم ويعملون في مختلف المشاريع والخدمات في المدن منذ ما يزيد على عشر سنوات أحياناً ويواجهون استحالة أو تعقيداً كبيراً من أجل الحصول على سكن أو الاستفادة من الخدمات الصحية والتربوية أو الحصول على أية قروض. عدد هؤلاء الريفيين يصل إلى ما بين 150 و200 مليون يعيشون كـ «مهاجرين» في المدن.
هؤلاء «المهاجرون» هم عامة من الشباب الذين يعملون في ورشات البناء الهائلة التي تزخر بها الصين والتي لا تتوقف عن العمل نهاراً وليلاً على مدار الساعة..
وتتواجد بين هؤلاء العاملين نسبة مهمة من الفتيات الشابات اللواتي قدمن من الأرياف ويساهمن اليوم بقسط كبير في عملية تسيير مصانع التجميع، خاصة في المناطق الشاطئية من البلاد.. وهناك شريحة من فلاحي الأمس يعملون في أعماق مناجم الفحم وحيث تدل الإحصائيات الرسمية نفسها على أن ما يزيد على ستة آلاف منهم يفقدون حياتهم كل سنة.
لكن هيئات أخرى، غير رسمية، تدل على أن العدد الحقيقي لضحايا الأعمال المنجمية في الصين يفوق الــ20000 ضحية كل عام، لكن الصمت يحيط بأغلبية الحالات مقابل «ثمن» يدفعه أرباب العمل.
ويضاف إلى صعوبة الظروف التي يعمل فيها هؤلاء «المهاجرون» في ورشات العمل، واقع عدم الترحيب، هذا إذا لم يكن البغض الذي يواجه به سكان المدن «الأصليون» هؤلاء الوافدين الجدد ويعتبرونهم مسؤولين إلى درجة كبيرة عن تنامي حالة من عدم الأمن والجريمة في المدن المعنية. أي هناك نوع من الإحساس بالتفوق لدى أبناء المدن الذين جنوا مكاسب كبيرة من التنمية الهائلة والمتسارعة، حيال أولئك الذين لايتجاوز نصيبهم منها بعض «الفتات» مقابل تشغيلهم لورشاتها.
تهميش الفلاحين
ويصل الأمر في تهميش هؤلاء الملايين الذين لا يملكون «وثيقة» إقامة في المدن، إلى حد أنهم يجدون أنفسهم مرغمين على تأسيس مدارسهم الخاصة بهم ودون إذن رسمي في أغلب الأحيان من قبل السلطات الرسمية، وهذا يعني أن هذه المدارس مهددة باستمرار بسيف الإغلاق المسلّط فوق رأسها هذا على الرغم من أن الحكومات الصينية المتعاقبة في الصين منذ انتصار الثورة الشيوعية عام 1949.
وحتى اليوم تؤكد بقوة دائماً على حق جميع الأطفال الصينيين بالتعلم في المدارس. لكن هذا الكلام الجميل لا يجد ترجمة فعلية كاملة على أرض الواقع، ذلك أن المدارس العامة تتطلب عادة نفقات مختلفة من الأهالي ولا تريد وجود تلامذة من أبناء الشرائح الفقيرة فيها كي لا يؤدي ذلك إلى انخفاض في مستواها، لاسيما وهي في حالة منافسة مع المدارس الأخرى في ميدان معدلات النجاح.
لقد خلق مثل هذا الوضع مشكلة حقيقية بالنسبة للسلطات الرسمية الصينية.. لذلك حاولت الحكومة في خريف عام 2005 اتخاذ بعض الإجراءات لتحسين الحالة التربوية لأبناء المهجرين.. وكان في مقدمة تلك الإجراءات منح «المهاجرين» من الأرياف «وثائق إقامة» في مدن إحدى عشرة مقاطعة صينية..
لكن لم يتم توزيع سوى عدد ضئيل جداً من هذه الوثائق حتى الآن. وكانت صحيفة «شبيبة الصين» الرسمية قد نشرت في غضون ذلك مقالاً أكدت فيه أن المعاملة غير العادلة المطبّقة حيال «مينغونغ»، أي «العمال ـ الفلاحين» في اللغة الصينية، كانت مسؤولة إلى حد كبير من تصاعد الجريمة في المدن الصينية. لكن النوايا الحسنة للسلطة المركزية، بل القرارات التي تتخذها في هذا الميدان أو ذاك ـ ليست كافية لحل المشاكل المطروحة..
إذ فيما يتعلق بمسألة التربية والتعليم وانخراط أبناء «المهاجرين» في المدارس، قد لا تعطي السلطات المحلية، كما هو شائع في الصين، أي أذن صاغية للتعليمات الصادرة من أعلى.. وذلك من خلفية الخشية من تدني مستوى التعليم أو من شبح البطالة لدى سكان المدن «القدامى» في حالة تفح القطاع العام أمام إمكانية استخدام القادمين الجدد.
تمثل مسألة إيجاد فرص العمل في الصين أحد التحديات التي تواجهها التنمية الراهنة. فمن جهة هناك أكثر من عشرة ملايين شاب يصلون سنوياً إلى أسواق العمل.
ومن جهة أخرى لم يتم حتى الآن الانجاز الكامل لعملية إعادة بناء المؤسسات والشركات التابعة للدولة للوصول إلى تنقيتها بشكل كامل من الثقل البيروقراطي الذي عانت منه طيلة عهد ماوتسي تونغ. وقد تبنت هذه المؤسسات والشركات آليتين أساسيتين في مهمتهما الصعبة، الآلية الأولى هي اللجوء إلى التخلص التدريجي من النشاطات التي لا تحقق مردودية اقتصادية تزيد من القدرة على المنافسة .. أما الآلية الثانية فقد تمثلت في لجوء عدد متزايد منها إلى فتح رأسمالها للشركات أو لمجموعات أجنبية.
وكانت مؤسسات الدولة وشركاتها توفر عام 2002 حوالي 30% من الوظائف وفرص العمل في قطاع الصناعة بينما كان نصيبها من الإنتاج قد تضاءل إلى 24% مقابل 78% قبل ربع قرن من الزمن. وكانت الأغلبية الساحقة من هذه الشركات قد لجأت إلى الاقتراض من البنوك ولكنها أصبحت عاجزة عن تسديد هذه القروض، مما كان له آثاره السيئة الكبيرة على البنوك نفسها.
بدأت عملية خصخصة مؤسسات وشركات القطاع العام السوفييتي (السابق) بعد فترة قصيرة من انهيار المنظومة الشيوعية. وظهرت الموجة الأولى من نقل ملكية القطاع العام إلى القطاع الخاص في عام 1993 ثم كانت عملية إعادة بناء الشركات المعنية قد تسببت منذ عام 1998 وحتى الآن بفقدان 30 مليون فرصة عمل. وتشير التقارير الصادرة عن منظمة العمل الدولية إلى أن البطالة وعدم تأمين ظروف عادية للعمل يصيبان بصورة خاصة الفلاحين، لكنهما يطالان 30% من إجمالي السكان.
هذا على الرغم من أن الإحصائيات الرسمية الصينية تشير إلى وجود نسبة بطالة تقل عن 5%، ذلك لأنها لا تأخذ في اعتبارها العاملين الذين يحافظون على علاقة إدارية «فقط» مع مؤسساتهم، وكذلك لا تأخذ باعتبارها خاصة الشباب الذين يبحثون عن فرصة عمل أولى، وهم قادرون على العمل.
وتشير تقارير منظمة العمل الدولية نفسها إلى أن عمليات الصرف من العمل قد طالت النساء ضعف ما طالت الرجال وأن النساء المسرحات يجدن صعوبة متزايدة في الحصول على فرصة عمل جديدة، كذلك يبدو أن هناك حالات كثيرة لعاملين تتم إحالتهم إلى «التقاعد المبكر» وهم لا يزالون في الأربعينات من العمر.
وإذا كانت هناك نسبة ضئيلة من المعروفين من العمل تستطيع تأمين سبل عيشها عبر ممارسة أعمال إضافية إلى جانب الراتب التقاعدي المتواضع جداً، فإن الكثيرين من العاطلين عن العمل، خاصة في المناطق التي تعاني من نسبة كبيرة من البطالة، لا يجدون أكثر مما يؤمن الحد الأدنى من الغذاء وبالتالي لا يملكون سبل العلاج أو دفع النفقات المطلوبة كدراسة أبنائهم.
ان الصين قد بذلت دون شك جهوداً كبيرة في عملية إعادة بناء اقتصادها باتجاه ولوج اقتصاد السوق، لكن لا يزال وزن القطاع التابع للدولة هو الذي يحظى بالأرجحية حتى الآن، إذ يمثل 66 مليون فرصة عمل من أصل المئة وأحد عشر مليون فرصة عمل بالنسبة لسكان المدن .. وذلك في نهاية شهر سبتمبر من عام 2005.
الضمان الاجتماعي
يرى مؤلف هذا الكتاب ان أحد أكبر التحديات التي سيكون من الصعب مواجهتها خلال العقود القليلة المقبلة يتمثل في ايجاد نظام متماسك للضمان الاجتماعي ولشروط التقاعد الحديث. وذلك في مواجهة كل هذه «الشيخوخة المتسارعة» لمواطنيها.
كانت مؤسسات الدولة وشركاتها هي التي تقوم حتى الآن بدفع مرتبات التقاعد للعاملين فيها، لكنها أصبحت عاجزة أكثر فأكثر مالياً عن القيام بذلك، أو انها قد أصبحت مملوكة من قبل القطاع الخاص. أما النظام الجديد الذي جرى تبنيه تدريجياً منذ عام 1997 فيقوم على أساس 80% من التوفير على حساب فردي.. لكن المتقاعدين لم يحصلوا في عام 2003 سوى على ما يزيد قليلاً عن 600 إيوان كمعدَّل شهري، أي ما يعادل 60 يورو تقريباً.
وكانت الصين قد أنشأت في عام 2000 صندوقاً وطنياً للضمان الاجتماعي يتم تمويله من بيع المؤسسات العامّة ومن عوائد أسهم تمتلكها الدولة. وكان قد تم «وضع» هذا الصندوق في سوق البورصة، على غرار صناديق التقاعد الأميركية ـ لكن النتيجة لم تكن مثمرة كما كان مرجواً، بل على العكس، جرت خسارة ما يعادل 90 مليون يورو عام 2004 إثر المراهنة على نهوض أسواق البورصة في شنغهاي وشنزهن، وهو النهوض الذي لم يأت.
تجدر الإشارة إلى أن نظام الضمان الاجتماعي لا يخص سوى أبناء المدن، ذلك أن أرباب العمل لا يزالون يستشفون منه «المهاجرين» وفي الأرياف يتولى الأبناء مسؤولية رعاية آبائهم عندما تتقدم بهم السن، ذلك أن البنات يذهبن للعيش في منزل ازواجهن. وقد ترتب على هذا بروز مشكلة على قاعدة سياسة تحديد النسل التي تبنتها الحكومة مع إمكانية اللجوء إلى الإجهاض «الانتقائي» بالاعتماد على إمكانية تحديد جنس المولود ذكراً أو أنثى بواسطة صور الأشعة.. وهكذا تفضل الأسر الصينية إنجاب ذكور ـ يهتمون بهم لاحقاً ـ وليس إناثاً ـ يغادرون المنزل ومما يؤدي اليوم إلى خلل ديموغرافي كبير بين الجنسين.
وقد جرى في بعض المناطق، بغية إيجاد حل لمثل هذه المشكلة، تبني نظام دفع حد أدنى من التعويضات للفلاحين الذين أنجبوا فقط ابنة أو ابنتين.
هكذا أخذت الأسرة والاعتماد على الأطفال، حتى في المدن، دوراً أكبر في تأمين سبل الحياة أكبر من دور الدولة.. لكن قد لا تذهب الأمور كذلك دائما في مجتمع يتطور باتجاه ان يكون استهلاكياً أكثر فأكثر على الطريقة الغربية، وبالتالي أكثر فردية. ثم ليس من المؤكد أن الصين سوف تصبح «ثرية» قبل أن تصبح «عجوزة». فمنذ 35 سنة كانت نسبة الأطفال الطاعنين في السن هي 6 إلى واحد..
وبعد 35 سنة قادمة سيكون عدد الطاعنين في السن هو ضعف عدد الأطفال.. وسيبلغ عدد العاملين ذروته عام 2015 مع وجود 930 مليون عامل ليبدأ بعدها بالتدني في الاتجاه الآخر.. وتدل التقديرات أيضا على أنه في منتصف القرن الحادي والعشرين سيكون هناك صيني واحد من أصل كل أربعة صينيين عمره يزيد على 60 سنة أي 400 مليون شخص.
التفاوت في الخدمات الصحية
إذا كانت أشكال التفاوت الاجتماعي متعددة في صين اليوم، فإن أكثر المظاهر حدة لهذا التفاوت يبدو على مستوى الصحة وخدمات الطب والدواء. وكانت الصين قد نجحت خلال الفترة الواقعة بين عامي 1952 و 1982 في مضاعفة متوسط الأعمار من 35 سنة إلى 68 سنة، خاصة بفضل نشر الطب في الأرياف، لكن مثل هذا التوجه من قبل الدولة تراخى تدريجيا منذ تبني الإصلاحات الاقتصادية ولم تعد تتحمل سوى 16% من النفقات الطبية مقابل 44% في الولايات المتحدة الأميركية.
لقد تبدلت آليات العلاج والعمل في المستشفيات الصينية التي أصبحت مسؤولة عن تحمل نفقات تشغيلها والتي وضعتها على كاهل المرضى، بل ان هذه المستشفيات حققت أرباحاً من بيع الأدوية وإجراء الفحوص الطبية بواسطة تكنولوجيات جديدة، وغدا الأطباء يتقاضون أجورهم تبعا للمداخيل التي يؤمنونها للمؤسسات التي يعملون بها. هكذا مثلا زادت عمليات الولادة «القيصرية» في المدن إلى نصف مجموع الولادات بينما لم تكن تمثل عام 1978 سوى 10% أي قبل الإصلاحات.
بالتوازي مع هذا انهار النظام الصحي المرتبط بالتعاونيات في الأرياف مع خصخصة الزراعة. وفي الوقت نفسه تركز عمل السلطات الصحية المحلية على نشاطات مربحة مثل التفتيش على الفنادق والمطاعم بدلا من التركيز على مراقبة الأوبئة والطب الوقائي ولاشك بأن الصين، وخاصة شرائحها الأكثر فقراً، هي التي تدفع اليوم ثمن «انسحاب» الدولة وحيث ان أغلبية الصينيين لا يتمتعون بالعلاج بسبب كلفته الباهظة. وكان مركز الأبحاث حول التنمية الذي يقدم استشاراته للحكومة قد أكد في أحد تقاريره:
«ان أغلبية الاحتياجات الطبية في مجتمعنا لا يتم تلبيتها لأسباب اقتصادية» كذلك دل تحقيق أجري عام 2003 على المستوى الوطني الصيني أن حوالي ثلثي المرضى الذين كان ينبغي دخولهم إلى المستشفيات في المدن وثلاثة أرباعهم في الأرياف لم يذهبوا إليها بسبب الكلفة المرتفعة. ثم ان الحكومة الصينية نفسها كانت قد نشرت تقريرا نقدياً حول الحالة الصحيحة للبلاد طيلة عام 2005، مما أثار استياءً شعبياً كبيراً. والأمثلة كثيرة على الأسر التي تردت أحوالها إلى درجة «التدمير» بسب مرض أحد أفرادها.
ويعيد بعض المراقبين مخاطر ظهور الأوبئة في الصين إلى أشكال الفاقة التي يعاني منها نظام الصحة العام. وتتم الإشارة هنا إلى مقال لرئيسة تحرير مجلة «كاي جينغ» أحد أهم الإصدارات الدورية الاقتصادية في البلاد، شجبت في منذ فترة وجيزة المصاعب التي يواجهها الصحافيون في تحقيقاتهم حول البؤر التي ظهرت فيها حالات «إنفلونزا الطيور» وحيث أعلنت الحكومة الصينية وفاة بعض المصابين به، كما ينقل المؤلف عن وزير الصحة الصيني «جاو كيانغ» قلقه من «الكفاءات المحدودة للفرق الطبية المحلية» ومن «احتمال التستر على وجود بعض بؤر انتشار المرض».
ومن أهم مظاهر الخلل في المنظومة الصحية الصينية ما مثّلته تلك الفضيحة الخاصة بالدم الملوّث بفيروس مرض نقص المناعة المكتسب، أي «الايدز» في مقاطعة هينان، وسط البلاد والتي يسكنها مئة مليون نسمة. وكان مئات الآلاف من الفلاحين قد تعرّضوا للإصابة بهذا الفيروس القاتل خلال الفترة الواقعة بين عام 1993 وعام 1995.
وكان اولئك الفلاحون قد قبلوا اعادة حقنهم بالكريات الحمراء بعد سحب كمية من دمهم في اطار برنامج تجاري للمنتوجات الدموية وضعته السلطات المحلية في المقاطعة المعنية. وعملية اعادة حقن الكريات الحمراء تسمح بـ «سحب» الدم بإيقاع أكبر.
ولم يكن يجري في اغلبية الأحيان أي تعقيم للأدوات المستخدمة في عملية جمع الدم وكان يتم خلط دماء العديد من المتبرعين، مما وسّع من اطار الكارثة. وكانت الصحافة الدولية قد بدأت بالحديث عن «فضيحة هينان» منذ عام 2001، وبعد ان كان صحافيون صينيون قد اخطروها بها.
ويتم التأكيد في هذا الاطار الى ان اغلبية المرضى لم يكونوا قد تلقّوا حتى عام 2005 الأدوية المعروفة المضادة للفيروس والذين تلقوه ليس هناك أي ضمان في استمراره. ودلّ تحقيق اجري عام 2005 في المقاطعة على وجود 25000 مصاب بالايدز، لكن العدد الحقيقي قد يكون اكبر من هذا بكثير.. كما تفتقر المقاطعة الى الأطباء ذوي التأهيل المناسب.
وكانت منظمات عديدة صينية ودولية قد قرعت ناقوس الخطر بإمكانية ان يصل عدد الذين تعرّضوا لفيروس الإيدز وهم يحملونه دون ان تظهر عليهم اعراض المرض الى حوالي 10 ملايين نسمة في افق عام 2010.
وهذا ما دفع الحكومة الصينية الى تبني سياسة جدّية من أجل مكافحة الوباء بحيث وضعت هدفاً لها هو ان لا يتعدّى عدد المصابين بالفيروس في ذلك التاريخ أي عام 2010 المليون ونصف المليون في عموم البلاد. ولا شك ان النجاح في تحقيق مثل هذا الهدف مرتبط الى حد كبير بالامكانيات المادية التي يتم تكريسها لذلك.
الإصلاحات السياسية
لايزال الحزب الشيوعي الصيني هو الذي يتولّى قيادة الصين. ولم يتوقف الاعضاء المنتسبون له عن التزايد، بعد ان جرى قبول المقاولين والرأسماليين الذي ولّدتهم الاصلاحات الاقتصادية في صفوفه ليتجاوز عدد «الرفاق» 86 مليون عضو.. ومن الواضح ان الحزب اصبح يتدخل بدرجة اقل في الحياة اليومية للمواطنين بعد ان كان يعدّ عليهم سابقاً سكناتهم وحركاتهم كلها. وهناك تحرر واضح في العادات والممارسات لدى الشباب، خاصة منذ أواسط سنوات التسعينات المنصرمة.
وشيئاً فشيئاً حلّت النزعة الفردية مكان النهج التعاوني الذي ساد لعدة عقود من الزمن. بل اصبح من الممكن الاحتجاج على المظالم لدى المكاتب الرسمية المفتوحة لهذه الغاية. لكن بكل الحالات، هناك خطوط حمراء من غير المسموح تجاوزها في اتجاه قد يؤدي الى عمل جماعي منظم، لا يمكن للسلطات ان تتهاون حياله، وهي لا تتردد في اللجوء الى اقسى اشكال القمع، كما كانت قد شهدته ساحة تيانا نمين عام 1989.
وكانت الحكومة الصينية قد شجعت منذ عام 1994 على استخدام شبكات الانترنت كأداة لنشر المعرفة وخاصة العلمية منها لكنها ابدت بنفس الوقت قلقها من المساهمة في انتشار الافكار الهدامة القادمة من الخارج.. لاسيما وان المعارضين يستخدمون العديد من المواقع الالكترونية وكانت الحكومة قد انشأت شرطة خاصة مكلفة بملاحقة مستخدمي الانترنت وترغم اصحاب المقاهي التي تحتوي على اجهزة انترنت والمنتشرة كثيرا في اغلبية المدن الصينية على القيام بتسجيل اسماء زبائنها.
كما كان مكتب الاعلام في الحكومة وفي وزارة الاتصالات قد اصدر في شهر سبتمبر 2005 مرسوما يمنع اللجوء الى المنتديات الالكترونية وكذلك الرسائل القصيرة لكن رغم هذا كله يبقى هامش الحرية على شبكة الانترنت اكبر مما هو في الصحافة التقليدية.
ويبلغ عدد مستخدمي شبكات الانترنت في الصين حوالي 111 مليون صيني أي ما يشكل سوقا يسيل حياله لعاب الشركات الدولية وخاصة الاميركية الكبرى بل ان هذه الشركات العاملة في القطاع قبلت الرقابة الصينية المطالبة بمنع امكانية بحث مستخدمي الانترنت في الصين عن بعض الكلمات «الاساسية».
كذلك قبلت التعاون مع مواقع صينية لا تمكنها مقاومة ضغوط السلطات الرسمية هكذا مثلا اشترت مجموعة «ياهو» في شهر اغسطس منذ عام 2005 نسبة 40% من موقع «علي بابا» الصيني بمبلغ مليار دولار وهذا موقع خاص تقدر قيمته باربعة مليارات دولار ولم تتردد «ياهو» في تسليم هوية احد الصحافيين للسلطات المختصة.
من جهة أخرى، من المعلوم ان البيروقراطية تتواكب جيداً مع وباء الفساد.. هذا يصح في كل مكان وبالتالي في الصين حيث لا يتقاضى الموظفون مرتبات عالية وحيث لم يعد لقيم التضامن الموروثة من الحقبة الماوية وزن كبير في مواجهة الامكانيات الجديدة ببلوغ الثروة.
وقد وصلت هذه الظاهرة حداً كبيراً دفع وزارة التجارة الصينية الى القول ان حوالي 4000 موظف قد «تنجّزوا» في الخارج بعد ان كانوا قد نجحوا في اخراج 50 مليار دولار؟ أي ما يعادل مبالغ الاستثمارات الاجنبية لمدة عام كامل.
وتشير تقارير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية ان الفساد يكلف الصين ما بين 3% و5% من ناتجها المحلي الاجمالي.
وفي المحصلة يمكن القول ان الاصلاحات السياسية لاتزال محدودة جداً في الصين ولم تواكب الا قليلاً جداً، الاصلاحات الاقتصادية. ورجال السلطة في الصين يحرصون على فرض الهيمنة الكاملة على السلطة وعدم السماح لتجربة غورباتشوف في الاتحاد السوفييتي (السابق) بأن تتكرر في الصين «الشعبية».
عرض ومناقشة: محمد مخلوف