هل ينبغي الخوف من الصين؟ هو عنوان هذا الكتاب الذي يستدعي الإجابة على سلسلة من الأسئلة الأخرى. فعلى أي شيء ترتكز المعجزة الصينية؟ والى أين ستصل مسيرة التصنيع الصيني؟ وما هي أثارها على البيئة؟ وهل تستطيع الصين انتاج كل شيء؟ وهل سيبقى صعود الصين سلمياً أم انه يتضمن في خباياه نزعات عسكرية يمكن ان تكون تايوان المعروفة سابقاً بـ «الصين الوطنية» هدفها الأول؟ وما هو مستقبل العلاقات الصينية ـ الأميركية؟
هذه الأسئلة وغيرها الكثير حول «ورشة العالم» الكبرى وسوقها الضخم تؤرق الكثيرين.. ويشكل هذا الكتاب محاولة لتوضيح معالم عملية التحديث الجارية في الصين منذ حوالي ثلاثة عقود من الزمن مع التركيز على شرح التداخل القائم بين الصين وبقية العالم، ثم ان مؤلفه يعايش التجربة الصينية من داخلها فهو يعيش في بكين منذ عام 1987 بصورة شبه مستمرة.
الصين هي «ورشة العالم» كما يصفها المعلقون والمحللون والخبراء. إنها القوة العملاقة الناهضة التي تبدو أنها قادرة على تصنيع وانتاج كل شيء تقريبا وبمواصفات من الجودة تضاهي أرقى الصناعات العالمية وإنما بكلفة أقل بكثير، ومنذ ربع قرن من الزمن لا يتوقف وزن الصين السياسي والدبلوماسي عن التزايد على المسرح العالمي..
وسياساتها الاقتصادية لها نتائجها المباشرة على الأسواق العالمية وفي مقدمتها الأسواق المالية من طوكيو إلى نيويورك مروراً بلندن وباريس وفرانكفورت وغيرها.. ثم ليس هناك أي بلد في العالم لا يتمنى إمكانية ولوج سوقها الكبير وعقد صفقات واتفاقيات معها.
النهوض الصيني هو حقيقة ملموسة ولكنها حقيقة «معقدة» أيضاً، كما يشرح مؤلف هذا الكتاب ولاشك ان سكان هذه البلاد الذين يتجاوز عددهم المليار وثلاثمئة مليون نسمة يعيشون اليوم بمستوى أفضل مما كانوا عليه قبل ربع قرن، وأغلبية سكان المدن في الصين يمتلكون هاتفاً نقالاً وبيوتهم التي يقطنونها تعود لهم، والأكثر يسراً منهم يمتلكون سيارة..
وهذه الأغلبية نفسها هي التي تشكل الركيزة الأساسية التي يقوم عليها الحزب الشيوعي الصيني، المسيطر على السلطة في الصين منذ عام 1949 عندما انتصر ماوتسي تونغ ورفاقه على النظام السابق..
وإذا كان الشيوعيون قد تبنوا في المراحل الأولى من حكمهم بقيادة ماو، نهجاً ثورياً متطرفاً، كانت الثورة الثقافية المعروفة، احد مظاهره فإن الحزب الشيوعي الصيني اليوم قد أدار ظهره بشكل نهائي لذلك «النهج الثوري»، وبدأ يتصرف منذ نهاية عصر ماوتسي تونغ ووصول دينغ شياو بينغ إلى السلطة على أساس انه حزب حاكم يضمن الاستقرار ويؤمن الازدهار مع ضمان أفضل للحقوق وذلك كله مقابل ممارسته السلطة بطريقة لا ينازعه عليها أحد.
ويرى مؤلف هذا الكتاب ان «الرأسمالية الحمراء» كما يطلق على الفترة التي سيطر فيها دينغ شياو بينغ على السلطة والحكم من موقعه كرئيس للوزراء خلال سنوات 1974 ـ 1992، وسيداً مطلقاً للقرار في البلاد منذ عام 1978، قد «سحبت» أكثر من اربعمئة مليون صيني من براثن الفقر لكنها جعلت البلاد بنفس الوقت مسرحاً لأشد حالات عدم المساواة حدة.
إذ ان شريحة من الأغنياء الجدد ذوي النزعة الاستهلاكية على الطريقة الغربية قد قامت إلى جانب البؤس الكبير في الأرياف بالإضافة إلى الاستغلال الكبير الذي تعرضت له جموع كبيرة من المهاجرين الذين تركوا أراضيهم ونزحوا إلى المدن بحثاً عن عمل، ان هذه الطبقة العاملة الجديدة ـ البروليتاريا ـ هي التي تبني في الواقع، ناطحات السحاب الكبيرة وتقوم بتصنيع الملابس أو الألعاب بأقل الأجور كي تجد طريقها بعد ذلك إلى أسواق الغرب ومخازنه الكبرى.
إن الفلاحين الصينيين قد غادروا عالمهم الريفي الذي يعاني اليوم أيضاً من إهمال الدولة له في الميدانين الأساسيين المتمثلين في الصحة والتربية، وحيث تتكاثر النزاعات حول المسائل المتعلقة باستخدام الأراضي، وكانت عملية التصنيع التي بدأت قوية منذ أواسط سنوات الثمانينات قد أدت إلى تدهور خطير للبيئة وازدادت بالمقابل أسعار المواد الأولية على الصعيد العالمي وبالتالي لا تتردد الشركات الصينية التابعة للدولة في البحث عن مواقع أقدام لها في شتى أنحاء العالم من أجل تأمين تزويدها بمصادر الطاقة في مواجهة الولايات المتحدة الأميركية.
وتحاول الصين مد نفوذها عبر العالم ابتداءً من شرق آسيا وجنوب شرقها حيث أصبح وزن الصين يثير قلق اليابان بشكل خاص، ثم يبدو من الواضح أن الصين تضع في أولوياتها إعادة تايوان إلى حجر الوطن، وكانت تايوان قد انفصلت عن الصين منذ نهاية الحرب الأهلية الصينية عام 1949 التي انتهت بانتصار الشيوعيين حيث فر أنصار النظام القديم إلى تايوان كي يقيموا فيها شرعيتهم.
ربع قرن من التنمية
بدأت الصين بالانفتاح منذ ربع قرن على العالم الخارجي وعلى النظام الرأسمالي شيئاً فشيئاً، وبفضل وفرة اليد العاملة الرخيصة ووجود مئات الملايين من المستهلكين فإن هذه البلاد، التي يديرها نظام بيروقراطي شيوعي، أصبحت إحدى الوجهات المتميزة لمستثمري البلدان الغنية، هكذا غدت الصين اليوم القوة العالمية الثالثة على صعيد تجارة السلع، أي التجارة الخارجية، بينما كانت مبادلاتها مع العالم متواضعة جداً منذ عقدين من الزمن.
ثم إن الناتج الإجمالي الصيني كان قد ازداد خلال الفترة الواقعة بين عام 1984 وعام 2004 ستة أضعاف وتجاوز في عام 2005 الناتج المحلي الإجمالي لفرنسا وانجلترا مجتمعين كي تحتل الصين بذلك المرتبة الرابعة على الصعيد العالمي مع 2225 مليار دولار، أي ما يعادل 1700 دولار لكل فرد، وتشير إحصائيات البنك الدولي إلى ان 420 مليون صيني قد تخلصوا خلال هذه الفترة من الفقر المطلق، أي من العيش بأقل من دولار في اليوم.
بدأت الإصلاحات بشكل تدريجي على الصعيد الاقتصادي من قبل دينغ شياو بينغ الذي توفي عام 1997 وكان أحد القادة الرئيسيين للحزب الشيوعي الصيني الحاكم في الصين منذ عام 1949.
وكان قد جرى استبعاد شياو بينغ عن مراكز القرار أثناء الثورة الثقافية خلال سنوات 1966 ـ 1976، والتي أعطى ماوتسي تونغ في إطارها الأولوية لمقولة صراع الطبقات، لكن بعد وفاة ماو عام 1976 عاد شياو بينغ إلى واجهة السلطة وتبنى في عام 1978 خلال شهر ديسمبر برنامجاً لنزع الصفة التعاونية عن الأراضي، وبنفس الوقت جرى رفع أسعار شراء الحبوب، من قمح وغيره، من قبل تعاونيات الدولة، مما سمح بزيادة مهمة للإنتاج الزراعي، كما جرى كسر احتكار تلك التعاونيات لشراء إنتاج الفلاحين الذين أصبحوا يستطيعون أن يبيعوا جزءاً من إنتاجهم في الأسواق الحرة.
وعاد الملايين من الشبيبة إلى المدن بعد أن كانوا قد أمضوا فترة في الأرياف من أجل التثقيف لدى الجماهير كذلك أعيد الاعتبار للمثقفين وبدلاً من شعار «من الأفضل أن يكون المرء أحمرـ شيوعي ـ على أن يكون خبيراً» حل شعار جديد مؤداه: «لا يهم أن يكون الهر أسود أو أبيض، المهم أن يعرف كيف يصطاد الفئران».
وكانت أغلبية سكان المدن خلال سنوات الثمانينات وبدرجة أكبر خلال سنوات التسعينات تتمتع ببعض الامتيازات بالقياس إلى أهل الأرياف، مثل الضمان الصحي ونظام التقاعد وتأمين العمل طيلة الحياة، ذلك أن أبناء المدن قد تجمعوا في وحدات للعمل تابعة لمؤسسات الدولة.
لكن وجود عوامل موضوعية ضاغطة فيما يتعلق بالتزايد الديموغرافي الهائل وضرورة تطوير الخدمات جرى السماح بإنشاء الشركات الفردية الخاصة وشهد عام 1980 في مناطق بعيدة عن العاصمة بكين بجنوب البلاد تأسيس أربع مناطق اقتصادية خاصة في «شنزن وزوهاي وشانتو وكزيامن».
وكان الهدف من إنشاء هذه المناطق هو بالتحديد محاولة جذب رؤوس الأموال الأجنبية. ويبلغ عدد سكان منطقة زوهاي أول المناطق المنشأة والواقعة على الحدود مع هونغ كونغ سبعة ملايين نسمة إلى جانب العديد من ناطحات السحاب والمجمعات التجارية الضخمة، وفي عام 1984 تقرر فتح أربع عشرة مدينة شاطئية مثل داليان وتيانجين وشنغهاي وكانتون أمام الاستثمارات الأجنبية.
وردت رؤوس الأموال المكرّسة للاستثمار في الصين من أبناء «الشتات» من الصينيين الموجودين في أغلبية مناطق العالم، وخاصة من ماكاو وهونغ كونغ الملحقتين بالصين، وإنما تتمتعان بنوع من الإدارة الخاصة. وأيضاً من تايوان حيث أصبح بإمكان أبناء هذه البلاد الذهاب إلى الصين «الشعبية» اعتباراً من عام 1987. كانت حركة الاستثمارات بطيئة ومتواضعة في البداية ثم بدأت بالتسارع خلال سنوات 1984 ـ 1988 إذ تزايد إيقاعها بنسبة 38% سنوياً.
وكانت مدينة «وينزو» قد شهدت منذ أواسط عقد الثمانينات ظهور شركات خاصة تستخدم عشرات العاملين، وكانت تلك هي تجربة أولى في ميدان الخصخصة في تلك المنطقة الواقعة في شرق الصين.
وإذا كانت السلطة المركزية في بكين لم تعلن تأييدها الصريح لتلك التجربة إلا في فترة لاحقة فإنها سمحت عملياً بها تحت إشراف ومباركة السلطات المحلية.
وأدّى تطور الأسواق الحرة في مرحلة أولى إلى ثراء شريحة من المعنيين في قطاعات التجارة الصغيرة والخدمات، ولكنه زاد في الوقت نفسه من حدة التفاوتات الاجتماعية وأيضاً من زيادة التضخم.
وبدأت في هذه الأجواء تظهر أشكال الاحتجاج ضد الفساد وضد المتنفذين في الحزب الشيوعي الذين استغلوا مواقعهم الحزبية للحصول على امتيازات شخصية ومادية. ووصل الأمر بالبعض إلى المطالبة الصريحة بالفصل بين الحزب والدولة في ما يتعلق بتسيير أمور المجتمع والاقتصاد، هذا من دون الوصول إلى حد المطالبة الصريحة بالتعددية الحزبية.
أحداث تيانانمين
كان من بين الأصوات التي ارتفعت بالاحتجاج بعض القادة الحزبيين الكبار أنفسهم، وعلى رأسهم «هو ياوبانغ» الذي كان يشغل منذ عام 1980 منصب الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني. ولكن تم إقصاؤه عام 1987 لمصلحة الثنائي «زهاو زيانغ» و«لي بينغ» وعندما توفي «هو ياو بانغ» عام 1989 شهدت الصين حدثاً أصبح بمثابة علامة بارزة في تاريخها الحديث.
ذلك أن الطلبة الذين كانوا يؤيدون الإصلاحات التي دعا لها «هو ياوبانغ» ويطالبون بضرورة تحقيقها نظموا تظاهرة حاشدة واحتلوا ساحة «تيانانمين» في العاصمة بكين حيث أعلنوا شروعهم بإضراب عن الطعام، كما طالبوا بإقامة نظام ديمقراطي على خلفية الدعم الشعبي الذي صادفته حركتهم.
رفض «دينغ شياوبينغ»، رجل الصين القوي آنذاك، الرضوخ لمطالب الطلبة، بل وأعطى الأوامر للجيش كي يتدخل لقمع المتظاهرين في ليلة الثالث إلى الرابع من شهر يونيو 1989، وكانت مذبحة تيانانمين الشهيرة في تلك الليلة والتي ذهب ضحيتها مئات عدة من المتظاهرين، حسب الرواية الرسمية الصينية وآلاف عدة، حوالي الثلاثة آلاف، حسب مصادر أخرى.
وكان من نتيجة تلك الأحداث، إقصاء «زهاو زيانغ» عن رأس السلطة بحجة أنه كان يريد التفاوض والتوصل إلى اتفاق ما مع الطلبة، وحيث أمضى بقية حياته، توفي عام 2005 في الإقامة الجبرية، وحلّ مكانه «جيانغ زيمين» الذي تولّى قيادة البلاد لمدة ثلاث عشرة سنة، إذ كان أميناً عاماً للحزب الشيوعي الصيني خلال سنوات 1989 ـ 2002 ورئيساً للصين منذ عام 1993 وحتى عام 2003.
وكانت أحداث ساحة تيانانمين والتغييرات التي أعقبتها على رأس الدولة بمثابة دليل واضح على عدم وجود أي توجه للقيام بتغيير جذري في النهج السياسي للبلاد. لكن هذا لم يمنع واقع انطلاق الإصلاحات الاقتصادية اعتباراً من بداية عام 1992 وبإشراف «دينغ سياوينغ» نفسه، ورجل القرار الحقيقي في الصين آنذاك، حيث تركزت تلك الإصلاحات على المدن بشكل خاص.
وكان من أهم معالم الإصلاح الاقتصادي السماح للشركات الصينية التابعة للدولة بأن تتحول إلى شركات تقوم على أساس المساهمة. وجرى في الوقت نفسه إنشاء وحدات جديدة من أجل العمل في قطاعات النشاط ذات المردودية الأكثر.
وذلك بقصد رفع قدرة المنافسة لدى الشركات المعنية. وشهدت مدينتان صينيتان قيام سوقين للبورصة للمرة الأولى في تاريخ الصين الشيوعية هما شنغهاي وشنزهن ضمن الهبّة نفسها عرفت مختلف المدن الصينية حركة بناء لا سابق لها.
بينما راوحت الحالة على ما هي عليه في الأرياف التي أخذ قاطنوها يرحلون عنها بحثاً عن فرص عمل وتحسين مستوى معيشتهم في المدن القريبة، وأيضاً البعيدة، أي إن الأرض غادرها فلاحوها. وكانت مدينة شنغهاي، العاصمة الاقتصادية للصين بامتياز، قد تبنّت برنامجاً كبيراً يرمي إلى مضاعفة المساحة المبنية خلال سنوات عدة.
وكان «زهو رونجي» رئيس بلدية شنغهاي قد استطاع فرض نفسه على السلطة المركزية في بكين وارتقى في المناصب وصولاً إلى رئاسة البنك المركزي الصيني، حيث عرف كيف يواجه مشكلة التضخّم، ثم أصبح رئيساً للوزراء اعتباراً من عام 1998.
حيث شرع في التفاوض من أجل انتساب الصين إلى منظمة التجارة العالمية، كي يتحقق ذلك في نهاية عام 2001، أثناء دورة «الدوحة».
وكان ذلك الانتساب يعني تعزيز مسيرة الإصلاحات التي كانت الشركات الحكومية الصينية قد شرعت بها من أجل تأكيد قدرتها على المنافسة في الأسواق العالمية الحرة وبالوقت نفسه، الذي التزمت فيه الصين باحترام قواعد المنافسة في الأسواق، فيما يخص التجارة الدولية والتبادل الحر ضمنت عدم تعرّضها لردود أفعال محتملة ذات طبيعة حمائية من قبل شركائها التجاريين في حالة زيادة صادراتها.
وهنا يفتح مؤلف الكتاب قوسين للحديث عن تعديل للدستور الصيني تبنّته الجمعية الوطنية الشعبية ـ البرلمان الصيني ـ في شهر مارس من عام 2004، بحيث ينص هذا التعديل على عدم المساس بالملكية الخاصة واعتبارها نظرياً على الأقل مساوية في الحقوق والواجبات لملكية الدولة.
وهذا تطور بدا ضرورياً حيث دلّت تقارير صادرة عن منظمات دولية مختصة عام 2005 على أن 57% من القيمة المضافة، باستثناء الزراعة، تجد مصدرها لدى القطاع الخاص الذي زاد إنتاجه خمسة أضعاف خلال سنوات 1998 ـ 2003، بينما لم تتجاوز الزيادة التي عرفها الاقتصاد الحكومي التابع للدولة سوى نسبة 70% خلال السنوات الخمس نفسها.
لكن بالمقابل لم يغيّر هذا التعديل القانوني أي شيء فيما يخص الأراضي الزراعية التي بقيت ملكاً للدولة.. أو ملكاً «للشعب بأكمله» حسب الصيغة المستخدمة في القاموس الرسمي.. وهذا ما يسمح واقعياً بإعطاء الامتياز للقيادات الحزبية الشيوعية فيما يخص استغلال هذه الأراضي، بينما يبقى الفلاحون في الموقف الأضعف عندما يراد «التفاوض» من أجل تملّك الأراضي التي بحوزتهم بدافع «ضرورات التطور الحصري».
ويشير مؤلف الكتاب هناك إلى حدوث الآلاف من النزاعات العنيفة أحياناً، عندما يتم اللجوء إلى نزع «ملكية» أرض من فلاحيها.
وفي إطار الحديث حول النزاعات الاجتماعية على خلفية الإصلاحات الاقتصادية، يؤكد المؤلف على التلازم بين عملية اندماج الصين في آليات الاقتصاد العالمي وقوانين السوق، وبين تعاظم هوة اللامساواة في الصين.
ويشير بالاعتماد على تقرير نشره البنك الدولي عام 2005 أنه إذا كان 90% من قاطني المدن في الصين قد شهدوا تزايداً في مداخيلهم منذ دخول بلادهم إلى منظمة التجارة العالمية في أواخر عام 2001 فإن سكان الأرياف قد عرفوا على العكس، تدنياً في مداخيلهم بنسبة 7,0%، وخسرت الشريحة الأكثر فقراً بين هؤلاء الريفيين 6% من قدرتها الشرائية.
الاستثمارات الأجنبية
اعتمد النمو الاقتصادي الصيني خلال سنوات ازدهاره المستمر منذ حوالي ربع قرن من الزمن على عملية تصنيع قامت أصلاً في أفق صناعة ذات توجّه يتركز على التصدير.. وكانت تلك هي في الواقع حالة البلدان الأخرى في المنطقة التي كانت قد شهدت ازدهاراً كبيراً قبل العملاق الصيني الكبير.
وحيث كانت اليابان رائدة في هذا الميدان ثم الحقت بها كوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة والتي عرفت بأنها «مدن ـ دول» جعلها تطورها الكبير بقوة «التنّين».
لكن إذا كان التصدير هو الهدف من عملية التصنيع في جميع الحالات، فإن الأمر كان مختلفاً بالنسبة للصين التي لم تشهد أبداً قيام مجموعات خاصة كبرى في مختلف القطاعات، مثلما عرفت اليابان أو كوريا الجنوبية، وحيث كانت الصادرات مرتبطة بجزء كبير منها بشركات أجنبية «متعددة الجنسيات».
مثل هذه الظواهر غريبة تماماً عن الواقع الصيني الحالي الذي شهد استثمارات أجنبية مهمة، ولكن بآليات مختلفة. ذلك إن الأمر يتعلق غالباً بتأسيس وحدات إنتاج جديدة ولا يتعلق بشركات أجنبية أو بشركات عاملة بالتعاون مع صينيين.
وخلال عام 2005 وحده جرى استثمار أكثر من 60 مليار دولار داخل الصين نفسها. ومن باب المقارنة كانت الولايات المتحدة الأميركية قد جذبت في هذه السنة نفسها «2005» حوالي 90 مليار دولار، لكن القسم الأعظم من هذه الاستثمارات كان موجهاً نحو أسواق البورصة وليس نحو مشاريع انتاجية مكرسة للتصدير او الاستهلاك الداخلي كما هي الحالة في الصين.
لاشك ان الصين تمتلك عدة ميزات او اوراق رابحة بالنسبة للمستثمرين الاجانب وفي مقدمتها وفرة اليد العاملة الرخيصة وذات الخبرة بنفس الوقت وهكذا يلجأ الكثير من المستثمرين الاجانب الى استغلال مثل هذه الامتيازات خاصة في قطاعات صناعات الملابس او العاب الاطفال في أفق اعادة تصدير القسم الاكبر من انتاجهم في الصين الى بلدانهم الاصلية او الى بلدان اخرى.
لكن تجري الاستفادة ايضا من اليد العاملة الصينية في القطاعات التي يهدف انتاجها الى تلبية طلب السوق الداخلي الصيني مثل صناعات السيارات والتجهيزات المختلفة.. اذ ليس هناك اية شركة او بلاد لا تحلم بامكانية ولوج هذا السوق الهائل.
وهناك آلية اخرى يستخدمها الصينيون وتتمثل في ان حوالي نصف ما تستورده الصين من الولايات المتحدة او من مختلف بلدان الاتحاد الاوروبي واليابان انما تستخدمه من اجل الانتاج المكرس للتصدير الى هذه البلدان نفسها او غيرها وفي اغلب الحالات تقوم الصين باستيراد مواد اولية او مكونات بعض الاجهزة والالات كي تقوم بتجميعها على ارضها لتصدرها بعد ذلك.
ويشير منتدى لمجموعة من الاقتصاديين الذين جعلوا من البحث في اليات العولمة ونتائجها منتدى «ايثيان» مركز اهتمامهم الى ان الصين قد ساهمت منذ ان اصبحت عضوا في منظمة التجارة العالمية في نهاية عام 2001 بنسبة 25% من زيادة الانتاج المحلي الاجمالي العالمي لكنها ساهمت بالمقابل بنسبة 60% في زيادة التجارة العالمية «الكونية».
اذا كان الصعود الاقتصادي باهرا ومستمرا بايقاع سنوي يقارب الـ 10% ويزيد عنه احيانا منذ اكثر من ربع قرن فان هذا لا يمنع اغلبية المحللين والخبراء الاقتصاديين العالميين والصينيين ايضا من التأكيد بانه ينبغي على الصين اذا ارادت تحقيق ايقاع مرتفع للنمو الاقتصادي على المدى الطويل تطوير حركة الاستهلاك لدى مواطنيها لاسيما وان هذه الحركة لم تمثل خلال عام 2005 سوى نسبة 37% من المحلي الاجمالي الناتج الصيني بينما تساهم الاستثمارات برأس المال الثابت بنسبة 48% في هذا الانتاج.
وتتم الاشارة هنا الى ان معدل توفير الصينيين البالغ حوالي 45% من الناتج الاجمالي هو احد الاكثر ارتفاعا في العالم ويعاد سبب هذه الظاهرة الى اشكال الخلل في الحماية الاجتماعية والى الكلفة المرتفعة جدا للدراسة مما يرغم الصينيين الى اللجوء الى اكبر قدر ممكن من التوفير ثم ان هذه الموفورات موجودة كلها تقريبا لدى بنوك تابعة للدولة.
وتعاني من مشاكل غالبا على صعيد التسيير والادارة وهذه مشكلة اخرى اما الاموال الموفرة فيجري استخدامها في تمويل مشاريع كبرى للبنى الاساسية او في قطاعات تعاني من المنافسة الكبيرة وذات مردودية متواضعة مثل قطاعات صناعات الحديد والسيارات والبناء.
في مطلع اليوم الاول من عام 2005 انتهى العمل بنظام الحصص الذي كان قد نظم طوال عدة عقود من الزمن التجارة العالمية للمنتوجات النسيجية وجاءت نهاية هذا النظام في مصلحة المصدرين الصينيين الذين كانوا قد تهيأوا منذ فترة طويلة لمثل هذا الموعد ليحققوا زيادات هائلة في حجم مبيعاتهم.
لكن تدفق الالبسة الجاهزة الصينية اثار ردود فعل عنيفة في بلدان الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة الاميركية وفي شهر يونيو من نفس السنة جمدت مفاوضات بين الاتحاد الاوروبي ممثلا بالمفوضية الاوروبية وبكين للوصول الى اتفاق «شنغهاي» الذي يضع اطارا للصادرات الصينية حتى نهاية عام 2007 كذلك فاوض الاميركيون حول اتفاق مماثل لتنظيم علاقات التبادل الثنائي حتى نهاية عام 2007 ايضا.
ازدادت الصادرات الصينية باتجاه الاتحاد الاوروبي بنسبة 40% خلال الاشهر الثمانية الاولى من عام 2005 وذلك على حساب بقية البلدان المصدرة الاخرى الاسيوية او الافريقية لاوروبا لكن اذا كانت الصين تنتج بكلفة اقل فان سعر الثياب لم ينخفض.. وبالتالي لم تكن فائدة المستهلكين الاوروبيين كبيرة ويبقى المستفيد الاكبر هو الصين «الصاعدة».
عرض ومناقشة: محمد مخلوف