تتحدث هذه الحلقة من الكتاب عن رمزية استخدام الطفل حنظلة في الرسومات الكاريكاتيرية للفنان الفلسطيني الراحل ناجي العلي، حيث يعتبرها تمثل مزيجاً ديناميكياً من البراءة والحكمة. ويرى المؤلف أن شخصية حنظلة استبقت أحداث الانتفاضة الأولى

ولكنها استطاعت بالفعل أن تعبِّر عن حقيقة النضال الفلسطيني، الذي هو عبارة عن مقاومة شعبية ضد الاحتلال في صورة تناقض الصورة التي كان يرسمها الخطاب الدولي إبان حقبة السبعينات والثمانينات للفلسطينيين باعتباره إما إرهابياً يمارس خطف الطائرات أو لاجئاً مسكيناً في أحسن الأحوال.

ثم ينتقل المؤلف ليوضح لنا كيف استطاعت الانتفاضة أن تسقط أكذوبة التعايش التي كان يتغنى بها الاحتلال الإسرائيلي والتي كانت تقول إن الجيل الجديد من الفلسطينيين قد نسي القضية وبات مستعداً للتعايش مع الوضع القائم على الأرض.

يفرد مؤلف الكتاب بضع صفحات يتناول فيها أعمال الفنان الفلسطيني الراحل ناجي العلي ويصفها بأنها رسوم الكاريكاتير السياسية التي تصور الولد الصغير «حنظلة» وهو يقف وقد أدار ظهره للناس، ويتأمل عالما يهيمن عليه الفساد العربي، والقهر الإسرائيلي، والامبريالية، الأميركية،

ويرى ان من الواضح ان ذلك الفنان الكبير الذي هو لاجئ فلسطيني أيضا ـ استخدم الشخصية التي أسماها حنظلة كأداة لتصوير الموقف البائس الذي يعانيه أكثر اللاجئين فقرا. كذلك يضاهي ذلك في الأهمية اختياره لطفل كي يلعب هذا الدور.

ويقول كولنيز: «الواقع ان حنظلة يمثل مزيجا ديناميكيا من البراءة والحكمة، وهو صغير الحجم ولكنه عجوز في ضوء ما قد رآه وعاناه. ويلاحظ صاحب الكتاب أن الصغار الفلسطينيين قدموا باعتبارهم شهودا من ناحيتين:

الأولى أنهم شهود على الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني لأنهم ـ مثل حنظلة ـ رأوه بأعينهم،

ومن الناحية الثانية: أنهم شهود قادرون على تقديم الدليل أمام محكمة الرأي العام الدولي، وهو دليل يرجح انه أكثر قيمة وأهمية بسبب «براءة» الشاهد وإذا كان لحنظلة ان يتكلم مثلا، فهو لن يقول إلا الحقيقة، ويستطيع ادانة جميع أولئك المسؤولين عن مآسي التاريخ الفلسطيني.

ونجد هنا خطا متوازيا مع أحد أساليب الخطاب السائد وهو الأسلوب المعتمد على التضحية، إذ يمثل الطفل نموذج الضحية الأكثر قدرة على اثارة الشعور بالتعاطف في نفوس مشاهديه الكبار، وهذا الطفل ـ أو الطفلة ـ هو أكثر الناس الذين يمكن تصديقهم.

ورغم وفاة ناجي العلي قبل الانتفاضة بقليل، إلا ان ابداعاته الشهيرة عاشت ولعبت دورا في تشكيل الاطلالة البصرية لها، ويقول كولنيز: بشكل عام نستطيع القول ان المواجهات بين الجنود الإسرائيليين والناشطين الصغار لم تكن غير متماثلة في هيكليتها فحسب، ولكنها أيضا كانت مشحونة بالرموز وحافلة بمعان رمزية قوية،

مثال ذلك ان الجنود، عندما اقتحموا التجمعات السكانية الفلسطينية اثناء الانتفاضة، كانوا يجدون أناسا صغار السن لم يتصدوا فحسب للتحدي الصريح لسلطة الاحتلال، ولكنهم أيضا كانوا يمثلون نفياً للأحلام الصهيونية في كسب «السباق الديموغرافي». وفي مخيمات اللاجئين ـ مثل مخيم بلاطة، ربما وجد الجنود أنفسهم أيضاً وجهاً لوجه مع رموز مماثلة لشخصية حنظلة.

ويضيف جون كولينز قائلاً: «وكما علمت اثناء بحثي الميداني فإن شخصية حنظلة موجودة في كل مكان من مخيمات كثيرة، فهي مرسومة ببساطة بيد التلاميذ على كراساتهم، ومنقوشة على الحوائط الإسمنتية مثل ذلك الرسم المنقوش خارج مدرسة وكالة غوث اللاجئين في مخيم بلاطة،

وهي كذلك معلقة في القلادات والعقود وفي سلاسل المفاتيح، ولذا فهي توحي بدرجة ما ثقافة شعبية يمكن قراءتها من نواح عديدة.فحقيقة وجود حنظلة، في أغلب الأوقات، في هذه الأشكال الجماهيرية، تشير إلى نوع من تضامن الأجيال في المقاومة، ومن رفض الشباب الجمعي للاذعان للحكمة «والحقائق» التاريخية المسلم بها.

الشهود الأوفياء

ويتناول جون كولينز عملاً آخر، وهو كتاب لكمال بلاطة عنوانه «الشهود الأوفياء»، وهو يضم مجموعة من الاعمال الفنية لمجموعة مختارة من فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة لا يزيد عمر أكبرهم على أربعة عشر عاماً، وهو يعتبر في نظر مؤلف كتابنا الذي نستعرضه نموذجاً مثاليا لتسجيل شهادات الشهود إذ يقدم الكتاب صورة لأطفال فلسطينيين انساقوا ببراءة إلى صراع سياسي يوفر خلفية رسومهم أو مادتها في بعض الحالات،

وقد قدم للكتاب الناقد جون بيرغر الذي اعتمد في تقديمه على فكرة براءة الأطفال الذين يعكسون بدقة تصورات دقيقة للعالم من حولهم، وهو يرى ان ما يسميه «الصوت» الذي تتحدث به الرسوم عن قنابل الغاز المسيل للدموع والرشاشات،

هو نفسه الذي تتحدث به عن سحابة أو بيت ونتيجة لذلك فإنها برهان لاجدال فيه. وفي الوقت نفسه يبدي ملاحظة تدل على مفارقة كبيرة إذ يقول إن الأطفال الذين يعيشون يوميا حقيقة وجود الاحتلال العسكري «يكبرون بسرعة» ونتيجة لذلك فإن بعض رسومهم في المجموعة هي «لوحات أناس ناضجين».

ونجد أن تفسير بيرغر لتلك الأعمال الفنية يماثل مقولة مؤداها ان «الأطفال هم أفضل شهود» لأنهم أطفال، ولكن الأمر يختلف عن الجزم بأنهم لم يعودوا أطفالا بسبب الظروف السياسية المحيطة بهم، وكما أعلنت منظمة التحرير الفلسطينية،

في سبعينات القرن الماضي تعبير «جيل التحرير» قدم كمال بلاطة الفنانين الصغار في كتابه باعتبارهم رواة قادرين للغاية على سرد القصص الوطنية، ويحمل عنوان الكتاب معنيين مزدوجين مؤداهما أن الأطفال الفنانين ليسوا «أوفياء» فحسب في تقديم وصف دقيق لما شاهدوه، بل هم أيضا أوفياء للمشروع الوطني وسرد الأحداث التي تحفظ له الاستدامة.

غير أن هناك صورة أخرى مغلوطة إذ يقول جون كولينز: على المستوى العالمي يعمل الخطاب الدولي على اختزال الفلسطينيين في شخصين اثنين هما «الإرهابي الذي يستخدم القنابل» أو «خاطف الطائرات»، واللاجئ المسكين، وبينما استخدمت تلك القوالب النمطية لدفع الفلسطينيين كأشخاص بلا دولة ويتصرفون خارج نطاق معايير السياسة الدولية، نجحت صورة الطفل في «الشهود الأوفياء»

في عملية إعادة صورتهم الإنسانية وتطبيعها، من ذلك مثلا أن الفلسطينيين أطفال يرسمون مثل كل أطفال العالم، وأنهم مجتمع وطني مثل أي مجتمع آخر، ورغم ذلك لم تمض جهود الفلسطينيين لتأكيد هويتهم الوطنية، دون صعوبات،

فواجهت محاولات إقامة معرض لأعمال الأطفال الفنية في المنظمة الدولية عقبات، وذكر بلاطة ان لجنة المعارض في هيئة الأمم المتحدة أخضعت 11 رسماً للأطفال للرقابة بحجة أنها «تسيء إلى دولة عضو في المنظمة»،

كما حذفت اللجنة جميع عناوين الأعمال المقرر عرضها، ومع ذلك حقق المعرض نجاحاً جيداً تمثل لا في الظهور في مبنى الأمم المتحدة فقط، بل وفي نشر بعض رسومه في مجلة «لايف» وفي البرنامج المسائي «نايت لاين» في محطة إي.بي.سي نيوز الأميركية.

الحاكم العسكري الفلسطيني

وفي قسم آخر من فصول الكتاب يتناول المؤلف مسألة أثارت جدلا كبيرا تتصل بتخوف البعض من خروج أطفال الحجارة، أو أبناء جيل الانتفاضة عن سيطرة آبائهم، نتيجة لنمو نفوذهم وقوتهم في الشارع الفلسطيني، فمن ناحية نجد صحافياً فلسطينياً مثل أبو الريش يمجد صعود ذلك الجيل

باعتباره تطوراً ثورياً قادراً على إسقاط نفوذ جيل معين وكذلك فكرة سلطة جيل على جيل.. ومن هنا فإن الصحافي الفلسطيني يعتبر الانتفاضة ثورة اجتماعية إذ يقول: «الانتفاضة تمرد على القديم والوسائل العربية البالية».

وقد خالفه في رأيه بعض المراقبين الذين رأوا أنها سلاح ذو حدين يمكن ان يمزق النسيج الاجتماعي الفلسطيني على المدى الطويل في المستقبل. ورغم ان الصحافية الفلسطينية كيت روحانا تشارك أبا الريش في اعتبار الانتفاضة هبة ثورية رائعة، إلا أنها تشير إلى رأي فرانسيس أردق الطبيب النفسي الفلسطيني الذي يتلخص في أن كسر سلطة الجيل قد يكون إشارة إلى تدمير المجتمع.

ودون ان نتابع بالتفصيل الجدال الذي ثار مع بداية الانتفاضة نكتفي في عرضنا بالإشارة إلى ما ذكره جون كولينز مؤلف الكتاب نقلا عن طبيب نفسي فلسطيني آخر أسمه سراج قال للمؤلف في غزة: «أدت الانتفاضة إلى انتشار مثل شعبي هو «بلد حاكمها ولد» كذلك استندت أساطير وقصص شعبية،أخرى من الانتفاضة على

هذه الفكرة وصورت الجنود الإسرائيليين والبالغين الفلسطينيين على أنهم مذعنون لما يمليه جيل الانتفاضة ومن بين هذه القصص حكاية تبين أن «الشاب الصغير» أصبح يعتبر «الحاكم العسكري الفلسطيني» وهو في القصة المروية هنا واحد من الشباب المسؤولين عن فرض الإضراب التجاري،

تقول الحكاية ان رجلاً من الخليل أغلق محله ووقف أمام بابه متحدياً أوامر العسكريين الإسرائيليين بفتح المحل. وجاء إليه الحاكم العسكري الإسرائيلي وسأله عن إعطائه تصريحا بإغلاق المحل وأصر الرجل الخليلي على أن الذي صرح له هو «الحكومة العسكرية»

وبعد ان تباحث الجنود الإسرائيليون في الأمر قال له الحاكم الإسرائيلي في النهاية: «أنا الحاكم العسكري ولم أسمح لك بإغلاق محلك» فأجاب الرجل قائلا: «ليس أنت.. أنا أقصد الحاكم العسكري الفلسطيني»!! وفي تحليله لهذه القصة يرى كولينز ان مثل هذه الحكايات تبين الإخفاقات الأيديولوجية للمشروع الاستيطاني الإسرائيلي، مع قيام الانتفاضة بإسقاط طريقة العيش التي كانت قائمة بين المحتل والخاضع للاحتلال هذا من ناحية.

ومن الناحية الثانية تعتبر الحكايات عن «الحكام الأطفال» وثائق تدل على تحول ملحوظ في علاقات القوة الداخلية بين الفلسطينيين ففي الحكاية التي نحن بصددها نجد أن صاحب المحل الخليلي دافع عن نفسه، لا باللجوء إلى سلطته هو كرجل بالغ، أو كفلسطيني ببساطة، ولكنه بدلاً من ذلك أشار إلى «التصريح» المعطى له من «الشباب» المحلي.

كذلك يبدو نفوذ الصغار على أمور الحياة اليومية، في تلك الحكايات نموذجاً بديلاً مذهلاً لسلطة سياسية عريضة بحجم أكبر من القيادة الوطنية القائمة منذ زمن طويل وهي منظمة التحرير الفلسطينية، ومن المهم أن نلاحظ ان كثيرين من الشباب الفلسطيني الأصغر سناً يشيرون بأسلوب رافض إلى جيل القادة القدامى بكلمة «الأبواب».

إنجازات الانتفاضة

ورغم كل ما سبق يرى صاحب الكتاب أن الانتفاضة ساعدت ولو مؤقتاً على تخفيف الانقسامات السياسية التي أصابت الحركة الوطنية الفلسطينية لمدة عقود من الزمان. وقد أشار إدوارد سعيد عام 1989 بما أطلق عليه «الانجازات الاجتماعية والأخلاقية الجذرية» للانتفاضة. وعدّد المفكر بعض التغيرات التقدمية الاجتماعية، مثل: غياب الخطاب الصاخب،

ونضج الانتماء الوطني المؤدي إلى التأكيد المتنامي على الصالح العام والإرادة الجمعية، ومشاركة النساء كشريكات، متساويات في النضال. وفي أحد فصول الكتاب يختار مؤلفة جون كولينز عنواناً ينبيء عن موضوعه وهو: «بين الرومانسية والمأساة».

وتحت هذا العنوان يقتبس مرة أخرى أبياتاً للشاعر الفلسطيني محمود درويش من قصيدة اكتشفت لحسن الحظ انها ضمن قصائد ديوان كان الشاعر قد أهداه إلي هو ديوان «محاولة رقم 7». والقصيدة عنوانها: «طوبى لشيء لم يصل» وفي مطلعها هذه الأبيات التي اختار كولينز ترجمة انجليزية لها ونكتبها نحن هنا في أصلها العربي:

هذا هو العرس الذي لا ينتهي

في ساحة لا تنتهي..

في ليلة لا تنتهي..

هذا هو العرس الفلسطيني

لا يصل الحبيب إلى الحبيب

إلا شهيداً أو شريداً

ثم يروي المؤلف كيف دخل إلى مخيم بلاطة برفقة ومساعدة شاب فلسطيني اسمه أشرف قاده إلى التعرف على إحدى الأسر. وقد شدت انتباهه ربة الأسرة أم غسان وابنها عصام، وابنها الشهيد نظام. وقد استمع إلى الأم وهي تروي قصة المعاناة التي مرت بها منذ النكبة عام 1948 واستشهاد أبيها في إحدى المعارك تلك السنة وتشتت أسرتها ثم فقدها لزوجها..

وخلال العقدين الأولين من الاحتلال الإسرائيلي تعرض أكبر أولادها للاحتجاز والاستجواب واعتقل أحد أبنائها مدة خمس سنوات عندما كان عمره أربع عشرة سنة. وقالت له أم غسان: «هذه المآسي علمتها الكراهية للمحتلين» وسألته: «لو أن أحداً عذبك هل تحبه؟».

وفي لقاء جون كولينز الأول مع أم غسان، وصلت في حديثها إلى مفصل حزين فبدأت تشن هجومها على البريطانيين والأميركيين باعتبارهم مسؤولين عن قيام إسرائيل وعما عانته من تاريخ طويل من العذاب.. قالت أم غسان: «من الذي جلب اليهود إلى فلسطين؟ أميركا وبريطانيا.

كان الانتداب البريطاني مهما، ففي زمانه كانت هناك الأسلحة، والطائرات، والمحطات العسكرية، والكلاب البوليسية.. كل ذلك من أجل الهاغاناها.. كل الأسلحة أعطيت لها، وقد استخدمتها لقتلنا، اما العرب فلم تعطهم بريطانيا أي شيء... من الذي جلب إسرائيل؟ بريطانيا وأميركا».

بهذه البساطة شرحت تلك الأم الأحداث الكبرى في حياتها. وكررت ذلك في لقاء آخر مع جون كولينز أثناء حديثها عن عجز ولدها عصام عن الزواج أثناء الانتفاضة، ثم رمقته بنظرة مباشرة وقالت له: «اسمع ياجون..

أبي وابني من الشهداء بيد إسرائيل ولكن ليست إسرائيل القاتلة.. بل أميركا» ويقول كولينز: «ولكنها عندما لاحظت تجهمي بتأثير المآسي التي روتها قالت ساخرة: وهكذا أريدك أن تصنع انتفاضة ضد أميركا.. وحكت الأم عدة قصص عن الاشتباكات مع الجنود الإسرائيليين وقالت بفخر إنهم كانوا يشعرون بالخوف منها.

ويشير كولينز إلى أن تلك القصص تتماثل مع كثير من الحكايات الأسطورة، عن الانتفاضة وهي تمثل صراعاً بين قوتين متعارضتين: الجنود الإسرائيليين والمدنيين الفلسطينيين وكان واضحاً أن الفلسطينيين كانوا يهزمون المحتلين بالخداع، وتفوق الروح المعنوية، وببساطة برفض الإذعان لطلبات الجنود حتى لو كان الموت نتيجة موقفهم.

وفي واحدة من أشهر القصص التي سمعها مؤلف الكتاب خلال إقامته في الضفة الغربية أكثر من مرة، يُحكى أن الجنود اعتقلوا صبياً عمره سبعة أو ثمانية أعوام واتهموه بإلقاء الحجارة عليهم، وعندما اعترف بالتهمة قال إن أخاه هو الذي شجعه على ذلك، وطلب منه الجنود أن يأخذهم إلى أخيه، فوافق الولد ورافقهم إلى حيث يقيم أخوه (قائد الخلية؟!!) وكان هذا الأخ طفلاً باسما عمره أربع سنوات!!

أما بالنسبة للإبن الشاب عصام فقد لاحظ كولينز أنه لم يكن يميل إلى الحديث عن خصوصيات اشراكه في انشطة المقاومة ولكنه بدلاً من ذلك تحدث بعبارات عامة عن الديناميكات الداخلية للانتفاضة وتأثيرها على الحياة اليومية في المخيم..

وعندما طرح عليه المؤلف سؤالاً عن العلاقات بين الأجيال، أصر عصام على أن السمة الجماهيرية للحركة، وطبيعة القمع الاسرائيلي لها، أدت بالفعل الى تقوية العلاقات الاجتماعية بتشجيع وفرض ضرورة التعاون بين جميع الفئات الاجتماعية.

واشار مثلاً إلى أن فرض القيود على حرية الحركة، والنشاط الاقتصادي الذي رافق الانتفاضة (مثل خطر التجول، والاضطرابات، ومرّ فترات الحصار) كل ذلك كان معناه ان الآباء اصبحوا قادرين على قضاء وقت أطول في البيوت مع اطفالهم، وهو اتجاه ادى ايضاً الى تحسين العلاقات بين الازواج والزوجات.

وفي الوقت الذي اعتقل فيه عصام اثناء حرب الخليج عام 1991 صادفت الانتفاضة عقبات بسبب مجموعة من العوامل: تراجع الدعم العربي لأنظمة التحرير الفلسطينية، رداً على تأييدها للعراق، وتوقف التحويلات التي كان يبعث بها الفلسطينيون العاملون في الكويت ودول خليجية اخرى الى عائلاتهم في فلسطين، وتدهور الاقتصاد الفلسطيني نتيجة الحصار العسكري الاسرائيلي على الضفة الغربية وقطاع غزة، والانقسامات العنيفة بين بعض الفصائل الفلسطينية،

وفقاً لما ذكره عصام لمؤلف الكتاب. وينجح جون كولينز في طرق جانب شخصي في حياة الشاب الفلسطيني عصام الذي تنطوي تجربته العاطفية على فشل كان له اثره في نفسه، ويرى عصام ان احد اهداف الزواج هو «الاستقرار» الذي لم يكن متوفراً اثناء الانتفاضة.

وقد قدر له قبل اعتقاله بقليل عام 1991 ان يقع في حب احدى الفتيات فقرر التقدم الى أهلها للزواج منها رغم معارضة بعض اصدقائه وتحذيرهم له من ان قوات الامن الاسرائيلية قد تستغل علاقته بالفتاة لابتزازه، ولكنه قال لهم انه وفتاته مصران على الزواج، ولكن ام غسان أكدت لمؤلف الكتاب انها كانت تؤيد حق ابنها في الزواج من الفتاة التي يحبها.

وقالت الأم: «كانت صديقة عصام تدرس معه في الجامعة قبل ان يتعرض للسجن. وقد احبها واحبته فذهبت الى اهلها لطلب يدها فوافقوا، ولكن عندما سجن لمدة عامين قال ابوها: «اسمعي.. هو الآن باق في السجن لمدة سنتين، وانا اريد لها ان تتزوج».

فذهبت الى الفتاة وتحدثت معها واعطتني صوراً لها وطلبت مني اعطاءها لعصام». وقد اصر الاب على تزويج الفتاة برجل اخر قائلاً انه لا يستطيع تحمل اعباء الانتظار حتى يخرج ابنها من السجن. وفي تناوله للمستقبل يذكر جون كولينز ان كثيراً من الفلسطينيين الذين قابلهم في مخيم بلاطة ابدوا رغبة ضئيلة في تصديق المستقبل الموعود في الخطاب الذي كان سائداً آنذاك.

ويعرب المؤلف عن اعتقاده ان هذا الرفض لم يكن فقط اشارة الى شعور جماعي بالاحباط من «عملية السلام» ولكنه يحمل ايضاً اضاءات على القوة النابعة من مثل هذا الموقف، وقدرتها على توليد انواع جديدة من الوعي التاريخي.

واذا اعتبرنا حكايات عصام وام غسان عن الانتفاضة مجموعة من حكايات الموت والتحدي، والرومانسية والثورة، والحنين الى الماضي والمرارة، تبرز صورة شخصين في مفترق طرق مهم لا بالنسبة لعلاقتهما ببعضهما وببقية عائلتهما، ولكن ايضاً بالنسبة للنضال السياسي الوطني الذي استهلك جانباً كبيراً من حياتهما.

لقد ادى كل من عصام وام غسان ادواراً ذات جوانب عديدة من خلال انتمائهما كوطنيين فلسطينيين مخلصين.. فهو قاتل في الشوارع ضد الاحتلال الاسرائيلي وتعرض للسجن، ثم انهى تعليمه، اما بالنسبة لها.. فقد ادت دورها بالحمل بأطفالها، والقتال دفاعاً عن الوطن، والاستعداد للتضحية حتى باطفالها.

وقد استمر الاثنان في التعبير عن دعمهما لاهداف الحركة الوطنية الفلسطينية المتمثلة في انهاء الاحتلال، وقيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس، وايجاد حل عادل لمشكلة اللاجئين. ورغم هذا التأييد فإن كلاً منهما كان حريصاً على الالتزام بموقف ينطلقان منه في تقييم حالات نجاح الحركة او فشلها.

وقد عبر عصام عن رغبته في تأييد السلطة الفلسطينية «على الاقل بسبب عدم وجود بديل افضل» على حد تعبيره، ولكنه رد الشكاوى من «مشاكل» مثل عمليات الاعتقال الجماعي للمعارضين في شهر مارس عام 1996، اثناء غارة على جامعة النجاح شنتها قوات الأمن الفلسطيني. ويرى عصام ان تلك المشاكل كانت طابع فترة ما بعد أوسلو و«الحكم الذاتي المحدود».

وعندما سأل جون كولينز ام غسان عن رأيها في «السلطة» وجد انها في الوقت الذي تعترف فيه بأن قادتها قد خلّصوا مخيم بلاطة من الاحتلال تقنياً، الا انها تشير الى ان الدبابات الاسرائيلية مازالت على مقربة من مدخل المخيم، وان الجيش الاسرائيلي يستطيع بسهولة دخوله في أي وقت.

ويعلق كولينز على رأيها هذا بقوله ان نبوءتها اثبتت صحتها بالفعل في السنوات التالية. وانتهت ام غسان الى القول ان السلطة الفلسطينية تتمتع بسيطرة ضئيلة على الموقف، وأرجعت سبب ذلك حسب قولها الى: «انهم قد وقعوا الاوراق بالفعل» (تقصد ما يسمى باتفاقيات السلام).

وبالنسبة للمستقبل تشابه موقف الاثنين: الأم والابن، فقالت ام غسان انها لا متفائلة ولا متشائمة، بينما استعار عصام تعبير الروائي الفلسطيني اميل حبيبي ليقول انه «متشائل»!!.

عرض ومناقشة: صلاح عويس