يتحدث المؤلف في هذه الحلقة عن الإشكالية التي خلقتها اتفاقيات أوسلو لجيل الانتفاضة، فقد أوجدت نوعاً من التمزق الداخلي بين من يرون أن السلام يمكن أن يكون سلاحاً بيد الفلسطينيين ومن يعتبرون أن تلك الاتفاقيات، بما أفرزته من قيام السلطة الفلسطينية ومحاولات دمج المقاومين في أجهزتها الأمنية، لم تؤد إلى شيء ملموس على الأرض سوى تخليص إسرائيل من مسؤولياتها كقوة احتلال عن أي شيء ترتكبه بحق الشعب الفلسطيني وتحميل أجهزة الأمن الفلسطينية مسؤولية حماية أمن إسرائيل.
وهذه المهمة التي أوكلتها إسرائيل للسلطة الفلسطينية أضرت بمكانة الأخيرة لدى شعبها وأدت إلى بروز حركة شعبية رافضة لممارسات أجهزة السلطة الأمنية وبخاصة بعد أحداث عام 1996 والتي تضمنت اعتقال المعارضين وزجهم في السجون دون محاكمات وانتهاك حقوقهم.
تكتسب شهادات شباب الانتفاضة الأولى، التي حصل عليها مؤلف الكتاب في مقابلاته معهم، معاني إضافية في ضوء ما تلى تلك الانتفاضة من أحداث من بينها عودة ظهور أرييل شارون، والانتفاضة الثانية، والحصار الذي فرض على الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وحرب أميركا الثانية ضد العراق.
ويذكر جون كولينز أنه لم تبد في الأفق إشارة لقيام انتفاضة شاملة أخرى في الوقت الذي كان يجري فيه مقابلاته، وعندما نظر الفلسطينيون إلى الوراء، أي إلى الانتفاضة الأولى، كانوا يواجهون نفس المأزق الذي يواجهه معظم الحركات الاجتماعية وهو الانفصام الحاد بين الأهداف المعلنة في البداية والنتائج التي أنجزت.
وقد أجمع الفلسطينيون في الضفة وغزة، في مقابلاتهم مع المؤلف، على فهمهم وتشاركهم جميعاً في الأهداف التي كانت مرجوة من الانتفاضة الأولى، وعندما سألهم كولينز عن معالم تلك الأهداف كانت إجاباتهم كما يلي:
ـ التحرير الكامل لكل فلسطين لا مجرد الضفة الغربية وقطاع غزة.
ـ التعبير عن رفض الاحتلال، وعن مشاعر الغضب مما حدث في غزة، ونيل دولتنا المستقلة.
ـ كان الهدف تحرير أرضنا مثل أي شعب يعيش تحت الاحتلال. وكلاجئين يحدونا الأمل في العودة.
ـ كان الهدف الأساسي التخلص من الاحتلال ونيل دولة مستقلة. ولم تكن هناك أهداف أخرى.
ـ كان الهدف هو تحرير فلسطين.
ـ ا لهدف الرئيسي هو انسحاب الاحتلال.
ـ الهدف هو التحرير والنصر، كل فلسطين، بما في ذلك المسجد الأقصى، ورفع العلم فوق المسجد.
ـ الحصول على الحرية أولاً ثم إقامة دولة عاصمتها القدس، وحق السفر والحياة الطبيعية.
ـ بالطبع كان الهدف هو الحرية والعدالة والكرامة مثل أي حرب تحرير، وكل هذه الأهداف فقدناها في ظل الاحتلال، ولكن الهدف الأساسي كان الحرية.
فشل الأمة
لا غرابة أن تتوازى تلك الإجابات مع الأهداف التي أعلنتها القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة نيابة عن الحركة، وهي نفس الأهداف التي أخذ القادة الفلسطينيون يكررون ذكرها منذ ذلك الحين.
ومع ذلك لم تكن النتائج السياسية محل نزاع بين أولئك الذين التقى بهم المؤلف، وهي «عملية السلام»، والموافقة على منح «حكم ذاتي محدود» للفلسطينيين، وإقامة السلطة الفلسطينية. وقد أجمع أصحاب المقابلات على أمر واحد هو أنهم جميعاً واجهوا ما يمكن أن يرقى إلى مستوى القصور السياسي، أي فشل الأمة في إنجاز الأهداف الأصلية التي حركت الانتفاضة.
وفي الفصل الأخير من الكتاب يتناول جون كولينز «حالة الطوارئ الدائمة» التي يعانيها ويعيشها الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة. ويبدأ ذلك الفصل بحكاية فلسطيني في الثالثة والثلاثين من عمره تحدث إلى مراسل من صحيفة «تورونتو ستار» في مخيم بلاطة.
وكان الرجل يطلق على نفسه اسماً حركياً هو «أبو وليد»، وذكر أنه واحد من قادة كتائب شهداء الأقصى التي شكلها ناشطو حركة فتح عند منتصف الانتفاضة الثانية. وقال: إن «إسرائيل في نظره هي الطفل المدلل ولن تعطينا شيئاً»، وقطع على نفسه عهداً بأنه وزملاءه سوف يستمرون في شن الهجمات على إسرائيل ما دامت مستمرة في قهر الشعب الفلسطيني.
وعندما أخذ يتحدث عن القيادة الفلسطينية بدا عليه الاستخفاف من وقت لآخر، ولكن لم يكن خافياً على المراسل إصراره على نيل الاستقلال لبلاده. ويقتبس جون كولينز السطور التالية من حديث «أبو وليد»:
«لقد عرضوا علينا مبالغ كبيرة لضمنا إلى البنية التحتية للسلطة الفلسطينية، أرادوا أن نبيعهم طاعتنا.
وكان ذلك إهانة، فنحن لا نريد أموالهم. نحن أناس فقدنا جميع أصدقائنا وقادتنا وأقاربنا.. مات البعض... وسجن آخرون... ولسنا في موقف يسمح لنا بإحراج عرفات. وإذا اتصل بنا سوف نبدي له أقصى احترامنا، ولكن حتى هو لا سيطرة له على الميدان. ونحن لا نعمل «بالريموت كونترول» لصالح أي شخص».
ويذكر جون كولينز أن «أبو وليد» من أبناء «جيل الانتفاضة» الذين ولدوا في السنوات الأولى للاحتلال الإسرائيلي، وقد شاهد قادة إسرائيليين وفلسطينيين يحاولون ـ على قدم المساواة ـ فرض «النظام» على مخيم بلاطة، في الوقت الذي يتحدثون فيه عن «السلام». ومع ذلك فإن كلماته تنبئ عن ثقة في أنه هو ـ لا هم ـ الذي سوف يقرر مستقبل فلسطين.
وفي تلك الأثناء جاء سكان بلاطة بالمئات ليشاهدوا معرضاً خاصاً بشهداء الانتفاضة الأخيرة، وهم يفعلون ذلك بعد أن تأكدوا من أن خروجهم سيكون آمناً، لأن المخيم يظل هدفاً دائماً لغزو القوات الإسرائيلية، ولكن يظل هؤلاء الجنود أيضاً موضع انتقادات متزايدة من ناشطي التضامن الدولي مع الفلسطينيين، والذي يضم جانب كبير منهم شباباً في سن المراهقة، وأوائل العشرينات من العمر، مثل راشيل كوري التي دهسها بولدوزر إسرائيلي حتى الموت، بينما لزم قادتها في واشنطن الصمت إزاء هذه الجريمة. وقد بعث واحد من هؤلاء الناشطين ـ وهو جون هيني ـ رسالة يقول فيها:
«شارفت الساعة على الواحدة والنصف بعد منتصف الليل وأنا جالس على إحدى الكراسي البلاستيكية على سطح البيت الذي أنام فيه. أشعر بالفزع، وأفرط في التدخين رغم أني لست مدخّناً، وأصيخ السمع منتظراً ومعداً نفسي لما يمكن أن يحدث في أية لحظة. الجيش منتشر في المخيم حيث يوجد البيت الذي أقيم فيه، ويتجه أربعون من الجنود المشاة عبر الأزقة الضيّقة.
ومن بين الأسابيع السبعة التي قضيتها في المخيم كانت هناك ليلتان قام فيهما الجيش الإسرائيلي بالفعل بعملية حربية. وفي إحدى الليلتين دخل الجنود المخيم لاعتقال شخص مطلوب وهو شاب في الثانية والعشرين من عمره، يعمل سائق سيارة نقل خضروات. وعندما وصلوا في النهاية إلى بيته في الثالثة بعد منتصف الليل اكتشفوا أنه ليس فيه، ولكنهم ظلوا في البيت لمدة ساعتين استجوبوا فيها العائلة وأرهبوها، واعتدوا بالضرب على شاب آخر إلى أن انتابته نوبة مرضية.
لقد فعلوا كل ذلك بعد أن ظهر أنهم دخلوا ثلاثة بيوت أخرى، وكانوا يعترفون في كل مرة أنهم كانوا مخطئين. ورغم وصولهم إلى البيت الخطأ لم يكن إرهابهم أقل من المرات الأخرى، فعند المنزل الثاني وبدلاً من أن يطرقوا على بابه ببنادقهم طراز إم 16 وضعوا المتفجرات عنده وفجروها ودمروا الباب والحوائط الداخلية وحوائط البيت المقابل، وأطاح الانفجار أيضاً بشباك في البيت وقع على الأم التي كانت نائمة في الداخل، وتناثرت قطع الزجاج عليها.
وعند البيت الثالث اكتشفوا مرة أخرى خطأهم ومع ذلك أخذوا رب البيت وصوبوا البنادق عليه واستخدموه درعاً بشرياً ليدخلوا البيت، حيث يعيش الشاب المطلوب.
هذه رواية شاهد عيان أجنبي توضح الموقف في مخيم بلاطة الفلسطيني. ويستشهد جون كولينز بما قاله شاهد آخر اسمه ديفيد بايرن إذ يتساءل: «كيف جئنا إلى هنا؟» ®.
في الحقيقة أخذنا نتساءل ـ بعد كل ما مر بنا منذ ديسمبر 1987 ـ هل ذهبنا إلى مكان آخر؟ بعد المعارك الصغيرة والكبيرة، وحالات الموت التي لا تحصى، وبهجة الحكم الذاتي المزيفة؟ والمصافحات بالأيدي التي لا حصر لها، و «خطط السلام» وحروب الولايات المتحدة الأميركية وإذا كنا على علم بأي شيء فهو أن الإجابة وثيقة الصلة بمصير «جيل الانتفاضة» لأنه هو الذي يفهم جيداً، مثل أي شخص آخر أن «السلام» يمكن أن يكون سلاحاً وأن «حالة الطوارئ» في فلسطين يمكن أن تكون دائمة».
وتحت عنوان: «أوسلو والسلطة الفلسطينية، وجيل الانتفاضة» يقول مؤلف الكتاب إن بذور «أبي وليد» تكمن بالطبع في الأحداث بالذات التي تشكل موضوع الذكريات التي يتم استكشافها في هذا الكتاب. وتكمن تلك البذور في الأساس في تاريخ حركة (هي الصهيونية) يقود مسار قذيفتها التاريخية من عنصرية وكولونيالية القرن التاسع عشر الدول الأوروبية، إلى محاولة كاملة الأبعاد لما أسماها باروخ كيمر لينغ، أستاذ علم الاجتماع بالجامعة العبرية، «الإبادة السياسية للشعب الفلسطيني» ويقصد بها إفناءهم ككيان سياسي واجتماعي.
وعلى كل حال فإن المعنى المباشر بدرجة أكبر هو أن البذور تكمن أيضا في اتفاقيات أوسلو وفي إنشاء السلطة الفلسطينية، وفي رأي جون كولينز أن وعد أوسلو بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وتمهيد الطريق لاستقلال فلسطيني حقيقي، هو مجرد خرافة كما قال منتقدوها منذ البداية، والواقع أنه في تلك الاتفاقيات وضعت القيادة الفلسطينية توقيعاتها على إجراءات رسخت رسميا كثيراً من العناصر الأساسية للنظام الكولونيالي، وبهذا المعنى فإن من الخطأ المقارنة ـ التي شاعت ـ بين إسرائيل / فلسطين وجنوب إفريقيا التي كانت تمر في مرحلة انتقالها في تسعينات القرن العشرين، فعلى الأرض بدت فلسطين ـ ما بعد أوسلو أقرب إلى جنوب إفريقيا الخمسينات بعد دمج نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد)، أكثر من تشابهها مع جنوب إفريقيا في عام 1994.
ويذكر الكاتب جراهام يوشر صاحب كتاب (فلسطين في الأزمة والنضال من أجل السلام والاستقلال السياسي) أن تشكيل قوات الأمن الفلسطينية لم يكن تنازلا إسرائيلياً، للسلطة الفلسطينية، بل هو الوجه العملياتي لالتزام السلطة الرئيسي لإسرائيل وفقاً لشروط أوسلو، وهو : القيام بمهام «الأمن الداخلي» ضمن الأراضي الخاضعة للحكم الذاتي الفلسطيني، وفي ذلك الوقت رأى كثير من الفلسطينيين في تشكيل تلك القوات ـ التي أصبح لها 12 فرعاً بنهاية عام 1996 ـ مصدراً للافتخار ورمزا للسيادة الوطنية المعلقة.
وقد أقر إسحق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك في سبتمبر 1993 بأن «السلطة الفلسطينية سوف تكون أفضل منا في مكافحة الشعب لأنها لن تسمح برفع استئنافات إلى المحكمة العليا .. سوف يحكمون بوسائلهم الخاصة». ولم يمض وقت طويل حتى أدرك الفلسطينيون ما كان رابين يعنيه بكلامه هذا، وعندما بدأ جون كولينز في إجراء مقابلاته مع بعض الفلسطينيين في أعقاب صدامات سبتمبر 1996 وجد أن السلطة الفلسطينية تمكنت في بداية الأمر من تحييد، أو حتى دمج، كثير من القوى السياسية التي كانت من بين من كانوا قبلاً من «أطفال الحجارة».
وفي الوقت نفسه كانت بعض محاولات السلطة المبكرة لإظهار مدى سيادتها الإقليمية المحدودة ترتد نيرانها إليها أن كثيراً من الشباب غالباً ما كانوا غير راغبين في تأييد ممارسات تعسفية من السلطة أو من الإسرائيليين أو من الفلسطينيين في غياب حل سياسي عادل.
وقد ساعدت الصراعات بين السلطة الفلسطينية و«جيل الانتفاضة» على حدوث التمزق الجيلي الذي سبق أن ناقشه الكتاب، والذي بدأ يظهر بوضوح في مواقع تحتل مكاناً بارزاً في ذكريات الانتفاضة مثل المدارس والسجون والشوارع.
ومن المؤسف أن يجابهنا الكتاب بحقيقة مؤلمة لا نملك إنكارها نحن العرب، إذ يقول المؤلف: إن الشبان الذين تضامنوا معاً ووقفوا معاً ليواجهوا الجنود، ولكي يتفاوضوا مع مدرسيهم ومديري مدارسهم، ويعبئوا جهودهم ضد سلطات السجون، هؤلاء الشبان وجدوا أنفسهم فجأة يواجهون بعضهم بعضاً كمتظاهرين وشرطي، وموظف وعاطل عن العمل، وسجين ومستجوب.
كذلك تعتبر قوات الأمن مهمة، لا بسبب ما تقوم به فقط، ولكن بسبب معرفة من هم. ورغم عدم وجود معلومات متاحة عن تكوين الأفرع المختلفة، إلا أنه كان واضحاً أن تلك القوات تضمنت أعداداً ضخمة من ناشطي الانتفاضة السابقين الذين كانوا يبحثون عن عمل، بالإضافة إلى مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية الذين جلبوا من الخارج.
وقد انتهزت السلطة الفرصة لاستيعاب والحد من طاقات آلاف الشباب القادر على الحركة، وكان أفضل مثال على ذلك تشكيل قوى الأمن الوقائي من جماعات ناشطي الانتفاضة المناضلين الذين عرفوا باسم «صقور فتح» و«الفهود السود» وقد مُنح هؤلاء الرجال «وضعاً سياسياً واجتماعياً» يتفق مع دورهم السابق كمقاتلين» وهذا الدور السابق هو الذي جعل له قيمة كعاملين في جهاز الاستخبارات لأنهم ـ على الأقل ـ خبروا الشارع وعرفوه، ولكنهم كانوا يدركون أيضاً إمكان تهديدهم للسلطة الفلسطينية.
ومما زاد من تعقيد الصورة أن الشباب من أعضاء تلك القوى كانوا لا يزالون على صلة برفاقهم في العمر خارج السلطة، وبالتالي فإن كثيراً من العمليات الأمنية، اقتضت وضع هاتين القذيفتين المختلفتين جداً والنابعتين من «جيل الانتفاضة» في مواجهة بعضهما مع ما يحمله ذلك من نتائج لا يمكن التنبؤ بها، وقد تحمل أسباب الانفجار.
وهناك مؤشرات إلى أن هذا التوتر تفجر في العلن خلال مصادمات شهر سبتمبر عام 1996 عندما عجزت القيادة عن منع قوى الأمن الوقائي من إقحام نفسها إلى جانب المتظاهرين الفلسطينيين. وكان تفجر العنف قد سبق هذا التاريخ في وقت مكبر من ذلك العام في سلسلة من الأحداث شملت الطلاب والسلطة الفلسطينية. وقوات الأمن الإسرائيلية، وهي حوادث أكدت أهمية المدارس (أو الجامعات في هذه الحالة بالذات) كمواقع لكفاح ما بعد الانتفاضة.
التعاون الأمني
لقد تزايد التعاون الأمني بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل تزايداً كبيراً بعد وقوع سلسلة من التفجيرات الانتحارية في أواخر فبراير وأوائل مارس 1996. وفي يوم 28 مارس قامت القوات الإسرائيلية على مدى شهر بسلسلة من الاعتقالات الجماعية في غارات قبل الفجر على ثلاث قرى بالقرب من جامعة بيرزيت أسفرت عن اعتقال 370 فلسطينياً بينهم 280 طالباً.
وفي هذا الوقت اتضح أن السلطة الفلسطينية نفسها كانت تتخذ خطوات لتظهر تعاونها. وقد أسفرت تلك الإجراءات عن اعتقال نحو خمسة عشر طالباً في جامعة بيرزيت خلال شهر مارس. وقامت الشرطة الفلسطينية بالقوة بفض تجمع من خمسمئة شخص أمام سجن نابلس للمطالبة بالإفراج عن مؤيدي حماس المحبوسين. وفي اليوم التالي، وفي استعراض للقوة غير مسبوق، دخل المئات من أفراد قوات الأمن الفلسطينية، بعضهم بملابس مدنية وآخرون في زيهم الرسمي، إلى مبنى جامعة النجاح.
وأثارت ظروف الغارة بعض الجدل، فقد ذكر مصدر أن تقارير الأنباء الأميركية، أدعت أن الشرطة كانت تحاول فض مظاهرة مؤيدة لحماس، بينما قالت جماعة محلية لحقوق الإنسان إن «المظاهرة المزعومة» لم تكن إلا مؤتمراً صحفياً دعا إليه طلاب «من جميع الأطراف السياسية الكبرى» للتعبير عن حزنهم لاستمرار احتجاز عشرات الطلاب في سجون إسرائيل والسلطة الفلسطينية.
وشهد جون كولينز أن العديد من الشباب الذين كانوا في مباني الجامعة ذلك اليوم والذين قابلهم زادوا من تعقيد الأسباب ما بين قائل بوجود احتفال لحماس والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وقائل إن فتح وحماس كانا يعقدان حلقة حوار عام مع حضور عدد من الصحافيين لمناقشة مسألة الديمقراطية والتعاون بين الفصائل المختلقة.
ويضيف المؤلف ملحقا قصيراً في نهاية كتابة تحت عنوان «إطلالة موجزة» على الانتفاضة، ويستهله بقوله إنه رغم استمرار النضال الفلسطيني باعتباره كفاحا ضد الاستيطان، إلا أن اللغة المضللة «لعملية السلام» تعود بجذورها إلى الحقائق المادية والتاريخية للهيمنة الإسرائيلية..
وفي هذا السياق يبدو استيلاء إسرائيل على ما تبقى من أراضي فلسطين التاريخية خلال حرب 1967، لا كإحدى وقائع الحرب ولكن باعتبار هذا الاستيلاء امتداداً لعملية احتلال استعماري استيطاني تحددت أبعاده على أيدي الآباء المؤسسين لإسرائيل حتى قبل قيامها في عام 1948.
وأفضل رمز للسياسة الصهيونية ـ الإسرائيلية في فلسطين يظهر في الخطاب الافتتاحي لرئيس وزرائها ديفيد بن غوريون الذين تضمن قراراً متعمداً بعدم إعلان أية حدود للدولة الجديدة، وإعجابه بفكرة «ترحيل» السكان العرب خارج فلسطين عن طريق الحرب، أو الإرهاب، أو الحوافز الاقتصادية. وقد تمسك خلفاء بن غوريون بشدة بالهدف الأساسي لإسرائيل فيما يخص الفلسطينيين وهو السعي الدؤوب لتحقيق التفوق العسكري والديموغرافي عن طريق عملية استيطان متشابكة، والهجرة، والتوسع الإقليمي، والعمل الأيديولوجي.
وقد استمر المنطق الصهيوني القائل: «هجوم آخر ومساحة أرض أخرى» في دفع عملية الاستيطان في فلسطين وظهرت المقاومة الفلسطينية كعامل تذكير لصناع السياسة الإسرائيلية بأن الأرض المحتلة يقيم عليها أيضا سكان.
إلغاء الهوية
يرى جون كولينز أن هذا التاريخ الصهيوني ـ الإسرائيلي الكولونيالي الاستيطاني يوفر أيضا السياق الذي يتم من خلاله رؤية «عملية السلام» في السنوات الأخيرة. فبينما رفض الفلسطينيون ترحيلهم خارج وطنهم استمرت إسرائيل في بناء المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وشق طرق التفافية جديدة تخدم المستوطنات وتزيد من عزل التجمعات السكانية الفلسطينية عن بعضها، وبهذا قضت إسرائيل على إمكان إجراء تقسيم حقيقي، أي تقسيم البلاد إلى دولتين كاملتي السيادة، بواسطة إعادة فلسطين إلى الوضع الذي كانت عليه في ظل الانتداب البريطاني «1920 ـ 1948» كوحدة إقليمية واحدة. وقد أدركت القيادة الإسرائيلية أن ذلك قد يتطلب في النهاية منح جميع الفلسطينيين حقوقاً سياسية كاملة باعتبارهم إسرائيليين، مما يلغي هويتها كدولة يهودية، أو نقلهم بالطرق والقتل الجماعي.
وتعاملت تلك القيادة مع هذه الورطة بتسريع عملية منح «الحكم الذاتي» وربما «مظاهر شكلية لدولة» في مرحلة معينة في مناطق فلسطينية منتقاة على امل ان تتقبل القيادة الفلسطينية مثل هذه الترتيبات باعتبارها «الوضع النهائي» للضفة الغربية وقطاع غزة ولذلك ليس من المدهش ان يبدأ الفلسطينيون في الحديث عن موقفهم بالنسبة لجنوب افريقيا او احوال المواطنين الاميركيين الاصليين او ان يعتبروا المراكز السكانية المعزولة شبيهة «بالبانتوستان» او «المعازل» او يعودوا الى الحديث عن دولة ثنائية كحل وحيد متاح ولكنه كان مرفوضا من القيادتين الفلسطينية والاسرائيلية.
وبعد ان يستعرض ملحق الكتاب الاسباب المعروفة لتفجر الانتفاضة الاولى يشير الى ان رد فعل الحكومة الاسرائيلية كان متوقعا وظهر في خليط من السياسات التي استخدمت من قبل لقهر الحركات المعادية للاستعمار الاستيطاني وحركات المدافعين عن حقوق الانسان في بلاد مثل الجزائر تحت الاحتلال الفرنسي وجنوب افريقيا في ظل الأبارتايد والولايات المتحدة الاميركية اثناء احتجاجات المناهضين للحرب ودعاة حقوق الانسان في ستينات وسبعينات القرن الماضي وقد قوبلت المظاهرات بالرصاص والاعتداء بالضرب والغازات المسيلة للدموع وطائرات الهليكوبتر.
وحتى بمنصات اطلاق الصواريخ المحمولة على عربات نقل والمصممة لقهر قدرة الفلسطينيين على قذف قوات الجيش الاسرائيلي بالحجارة وازدادت قسوة سياسة مواجهة الانتفاضة فلجأ الجيش بانتظام الى استخدام العقوبات الجماعية والاعتقالات بالجملة وفرض حظر التجول المستمر اربعا وعشرين ساعة وتدمير المنازل واغلاق المدارس بهدف انزال العقوبات بمجتمعات بأكملها وقد شهدت الشهور الستة الاولى للانتفاضة مقتل 300 فلسطيني تقريبا وجرح الالاف منهم واعتقال اكثر من ثمانمئة وقد مر الاف الفلسطينيين عبر نظام العقوبات الاسرائيلية كمعتقلين سياسيين.
سواء وجهت اليهم اتهامات ام لم توجه واخضعوا لتعذيب تراوح بين الاذلال الشخصي وعمليات التعذيب وكان منظمو الانتفاضة بالذات هدفا للاعتقالات والترحيل والاغتيالات على يد فرق سرية إسرائيلية تنكر أفرادها في زي عربي.
وعلى نطاق اقليمي اوسع لم يمض وقت طويل حتى ظهرت الآثار السياسية للانتفاضة ففي يوليو 1988 اعلن الملك حسين عاهل الأردن الذي حكمت بلاده الضفة الغربية من 1948 حتى بداية الاحتلال الإسرائيلي عام 1967 عن فك الارتباط بين بلاده والضفة الغربية وساعد قرار الملك على تخفيف حدة التنافس بين الاردن ومنظمة التحرير الفلسطينية على تمثيل الفلسطينيين وافسح الطريق لبدء هجوم المنظمة الدبلوماسي.
عرض ومناقشة: صلاح عويس