يركز المؤلف في هذه الحلقة على تأثير اتفاقيات أوسلو وقيام السلطة الفلسطينية على جيل الانتفاضة من حيث فقدان الشباب لمواقعهم القيادية التي كانوا يشغلونها باعتبارهم نشطاء يساهمون في صنع التاريخ.ويؤكد كذلك على ان فترة ما بعد أوسلو أدت إلى تفتيت ذلك الجيل وتمزيقه من الداخل مما أدى إلى تحول عمليات التصوير الذاتي إلى ذكريات عن اندلاع الانتفاضة والى بروز تقويمات لعملية السلام وأداء السلطة الفلسطينية.

يشير المؤلف أيضا إلى الأسباب التي أدت إلى إنهاء الانتفاضة الأولى مركزا على الدور الذي لعبته الأموال القادمة من الخارج في شق وحدة الصف الفلسطيني وعلى دور قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في الانتقال من الفعل المقاوم إلى العمل السياسي السلمي الذي يستهدف بناء الدولة الفلسطينية كما جاء في خطاب الرئيس الراحل ياسر عرفات لدى عودته إلى غزة في عام 1994.

في الزيارات الكثيرة التي قام بها جون كولينز لبعض المخيمات والمقابلات التي أجراها مع بعض العائلات الفلسطينية كان مرافقه شابا فلسطينيا اسمه اشرف يدرس علم الاجتماع في الجامعة وأثناء إجراء المؤلف لعملية البحث الميداني لاحظ ان رغبته في استكشاف الأعماق الشخصية لذاكرة الأشخاص الذين أجرى معهم مقابلاته كانت تتصادم مع توقعاتهم ويعتقد كولينز ان هذه التوقعات تعود إلى افتراض هؤلاء الأشخاص ان اهتمامه يتركز على اكتشاف «الحقائق».

وقد أبدى مرافقه اشرف استيائه من اقتصار كولينز في بحثه على سماع حكايات مر عليها وقت طويل وفي ظروف متغيرة خاصة بعد قيام السلطة الوطنية الفلسطينية وأبدى المرافق رغبة في إغلاق الأبواب على الماضي قائلا له: «فكر في المستقبل واترك التاريخ فالماضي قد ذهب» ويشير المؤلف إلى ان ذلك الشاب كان يصر على ان التيار الرئيسي في القيادة الفلسطينية مسؤول عن «إجهاض» الانتفاضة.

وأخذ يذكر الباحث بأن شباب الانتفاضة أصبحوا الآن اكبر سنا ويسلم الكاتب بأن السنوات التي تفصل بين الأحداث وبين حكايتها تحمل معنى جيليا مهما ذلك لان أبناء «جيل الانتفاضة» عبروا خلال تلك السنوات من مرحلة إلى أخرى من مراحل الحياة، فبالنسبة إلى من هم في العمر الذي يفترض ان يحصلوا فيه على شهادة المرحلة الثانوية أو أولئك الذين حصلوا بالفعل عليها تحمل تلك السنوات عددا من الهموم الأساسية مثل الحاجة المتزايدة إلى تدبير المال لأنفسهم أو للمساعدة في دعم أسرهم الكبيرة وفرصة الاستمرار في التعلم في الجامعة أو الالتحاق بالمدارس المهنية أو إمكانية العمل لدى السلطة الفلسطينية.

وذلك يعتمد على الميول السياسية للفرد أو مواجهة أعباء الزواج اذا لاحت الفرصة له.

صنع التاريخ

يزيد على هذه الظروف والهموم كلها ان حرب الخليج ونهاية الانتفاضة وعملية أوسلو للسلام وقيام السلطة الفلسطينية كل ذلك ساهم في الإقصاء التدريجي لهؤلاء الشباب من المواقع التي شغلوها يوما ما كنشطاء قادرين على صنع التاريخ. ويلخص الكاتب الموقف بأن رواة الأحداث أنفسهم تغيروا كما تغير العالم أيضاً من حولهم ولذلك يتصدى جون كولينز في الفصل السادس من كتابه لفحص ما يحدث للذاكرة عندما تنحسر التعبئة الشعبية.

وتخلي الطريق للمفاوضات السياسية وبناء الدولة وعندما تفسح تضامنات الأجيال الطريق للضغوط الاقتصادية والاجتماعية في مرحلة النضوج، ويؤكد المؤلف على ان فترة ما بعد أوسلو شهدت تصاعدا في تفتيت جيل الانتفاضة من زاويتين: الأولى شعور الأفراد المتزايد بأنهم متناقضون «أو حتى متصارعون مع المسائل السياسية الوطنية، ومن زاوية ثانية تمزيق الجيل كله من داخله وضد نفسه.

ويرى المؤلف أن آثار التمزق المحكية هي أكثر الأمور دلالة عندما تتحول محاولات التصوير الذاتية إلى ذكريات عن انفجار الانتفاضة، وإلى ربط تقويمات الوقائع، وإعادة تقويم الانتفاضة باعتبارهما كلا لا يتجزأ، والتحول كذلك إلى عمليات تقويم «عملية السلام» وأداء السلطة الفلسطينية.

وقد أظهرت صدامات سبتمبر 1996 في الضفة الغربية وغزة إحدى الطرق الأساسية التي بدأها جيل الانتفاضة للتمييز عبر محور واحد مهم بين أولئك الذين يعملون لصالح السلطة الفلسطينية، والذين يتمتعون بحرية أكبر ويستمرون في مزاولة نشاط سياسي مستقل. ويذكر جون كولينز أنه وجد من المفيد في بحثه أن يفكر الشبان الذين أجرى مقابلات معهم على أساس تقسيمهم إلى أربع مجموعات أساسية «أي وحدات الجيل».

كما يسميها وتضم المجموعة الأولى أولئك الذين سماهم «الجنود» الذين ينتمون إلى آلاف الفلسطينيين الذين عينوا في الأفرع المختلفة لجهاز الأمن التابع للسلطة الفلسطينية، وهي تتراوح بين شرطة المرور، وأجهزة الاستخبارات بالغة السرية.

أما المجموعة الثانية فهي تضم الناشطين الذين مازالوا منغمسين في العمل السياسي على أساس منتظم، ولكنه لم ينتسبوا إلى السلطة رسميا. والمجموعة الثالثة هي الطلاب الذين يركزون في المقام الأول على دراستهم، وفي بعض الحالات يفعلون ذلك بعد فترة أو فترات من الاعتقال السياسي. وأخيراً يسمي المؤلف الفئة الأخيرة باسم مجموعة المتفرجين.

ويقصد بهم أولئك الذين اعتزلوا السياسة والتحقوا ببعض الأعمال، أو مازالوا يبحثون عن عمل (ولكن ليس مع السلطة الفلسطينية).

وعندما نتحرك خلف المستوى الفردي، نجد أن سنوات ما بعد الانتفاضة أصبحت نوعاً من قوة الطرد المركزية الاجتماعية ـ التاريخية التي تفكك علاقات الصداقة، والرفقة السياسية، وحتى أكثر علاقات القربى البيولوجية أهمية.

ويرى صاحب الكتاب أن عملية التمزيق أصبحت كاشفة عن الموقف في بدايات عام 1997 بين حياة الشباب الفلسطيني البالغ الحادي والعشرين من العمر فقد حدثت معظم التغييرات الدراماتيكية أولاً بين أولئك الذين أيدوا ـ تاريخيا ـ منظمة فتح، ثم أصبحوا الآن مبعثرين من خلال المجموعات الأربع التي أشار إليها المؤلف في تقسيمه. ويعطي كولينز مثالاً على ذلك شاباً فلسطينياً اسمه سامر كان يعمل في الأمن الوقائي، الذراع المخابراتي للسلطة الفلسطينية، ثم تزوج حديثاً بمعلمة شابة.

ويبدو أنه أصبح يتمتع نسبياً بوضع ناجح ومستقر اقتصاديا بالمقارنة بغيرهم من مجموعته، كذلك أعطي شاب اسمه حاسم فرصة ليكون شرطياً ولكنه تخلى عن منصبه في الشرطة بسبب معاناته من الإحباط السياسي وأصبح متفرجاً ساخطاً.

وكان هو وسامر صديقين حميمين اشتركا معا في نشاط سياسي لمدة طويلة، ولكن تفرقت بهما السبل التي اختاراها وتحولت العلاقة بينهما من وقت لآخر، إلى نصف حديث تسوده النكات، ونصف حديث في مناقشة جادة ـ ويذكر مؤلف الكتاب شابا آخر اسمه إياد كان يعمل مسؤولا تنظيمياً في منظمة فتح تحت ما يمكن ان يطلق عليه (مظلة السلطة الفلسطينية، الأيديولوجية).

أما الشاب الرابع فاسمه خالد الذي أصبح يقضي أيامه في دكان العائلة وهو يشعر بالتعاسة ويتحدث بمرارة عن سنوات انتمائه لفتح والقضية الوطنية، وكيف أنها لم توفر له المنافع المادية الخاصة بالسلطة الفلسطينية.

تراجع دور النساء

على العكس من أنصار فتح يرى جون كولينز أن الأشخاص المتعاطفين مع المعارضة السياسية ـ سواء كانت حماس أو الفئات اليسارية ـ مثل شابين هما عصام وحسان، يعود بهم الانتقال من دور «الناشط» في الماضي إلى دور «الطالب» أو «المتفرج» في الحاضر، إلى السخط على نتائج الانتفاضة، وعجز اليسار عن اتخاذ موقف تحد جاد لهيمنة فتح على السياسة الوطنية العلمانية، ومن خلال جدول عن «وحدات الجيل» التي أشار إليها المؤلف، واستخدم أربع سيدات في جدولة، يخرج بنتيجة مؤداها أن هناك تراجعا متدرجا للنساء من حلبة السياسة.

وقد بدأت عملية التراجع خلال المراحل الأخيرة للانتفاضة واستمرت حتى قيام السلطة الفلسطينية، ولم تكن أي من النساء الأربع مسؤولة تنظيمية، أثناء الانتفاضة، ولكنهن شاركن جميعا في أنواع مختلفة من العمل الجمعي يتراوح بين الرعاية الطبية، والمظاهرات، وعمليات الاستطلاع في الشوارع.

وقامت كل واحدة منهن ببذل جهود حذرة ولكن عنيدة للاشتراك في الانتفاضة كلما سمحت الظروف بذلك، وفي مثل هذه القصص تبرز الانتفاضة كلحظة تاريخية نادرة تقدم نافذة للعمل السياسي الذي كان نادراً خلال الفترات السابقة، ويعتبر المؤلف أن مواقف هؤلاء النسوة الأربع في فترة ما بعد الانتفاضة مؤشراً على أن مرور تلك اللحظة أجبر العديد من الشابات على منح طاقاتهن لأشياء أخرى، مثال ذلك أن «جميلة» أخذت تتعامل مع آثار ما بعد الانتفاضة بالعمل في مركز بلاطة للمعاقين، والتحقت «انتصار» بالجامعة لدراسة التجارة، أما «ليلى» فتعمل مصففة شعر.

وفي كثير من المقابلات الأولى التي أجراها جون كولينز كانت عادته ان يسأل الشباب عما إذا كانوا يتذكرون حياتهم قبل الانتفاضة وخاصة بالنسبة للوضع الاقتصادي لعائلاتهم وللمخيم ككل.

وقد تذكر أفراد المجموعة الأحدث سناً القليل، أما الباقون فقد اتفقت آراؤهم بشكل عام على أن الموقف كان جيداً نسبياً آنذاك وأن كثيراً من الناس فُي المخيم كان بمقدورهم العمل في إسرائيل ـ غير أن ذلك لم يكن استجابة للسؤال في حد ذاته، ولكن للمضمون الكامن فيه وهو أن الحرمان الاقتصادي قد يكون دافعا للعمل السياسي، ولكن بعضهم على الأقل لم يوافق على ذلك، ففي أول مقابلة يجريها المؤلف مع الشاب الفلسطيني حاتم مثلا قال له إن الوضع الاقتصادي في زمن الانتفاضة كان جيداً.

ولذا فإن الانتفاضة لم تحدث بسبب الصعوبات الاقتصادية أو شيء من هذا القبيل، بل كانت نتيجة الظلم. فهي لم تنطلق من الجانب الاقتصادي أو الظروف الحياتية، بل على العكس من ذلك.. جاءت من الجانب النفسي.

ويعلق جون كولينز على ذلك بقوله إن تأكيدات حاتم تتفق مع ما قاله له كثيرون من سكان مخيم بلاطة الذين أخبروه أن المخيم شهد ظروفاً اقتصادية سيئة «بعد» بدء الانتفاضة لا «قبلها». وفي مثل هذه الأحاديث يبين له ان القدرة الجمعية على المساهمة في أنشطة المقاومة تصبح أعظم بطولة، لأن الكفاح استمر رغم المصاعب الاقتصادية القاسية التي نتجت عن فترات حظر التجول الطويلة والحصار الإسرائيلي لسوق العمل، وفي كثير من المقابلات وجد جون كولينز أن الشباب استخدموا في أحاديثهم لغة تخالف مناقشة دور «المال في الانتفاضة».

وهنا يكتبها المؤلف «مصاري» حسب النطق الشعبي، بل إنهم كانوا يبادرون بالهجوم على الأسئلة التي تطرح حول المسائل الاقتصادية، مؤكدين أن النقود لم تكن عاملا محفزاً للنضال «مثال غيابها» وبدلا من ذلك كانوا يتحدثون عنها كعامل كفرقة معادٍ لوحدة الناس.

دور المنظمة

يقول مؤلف الكتاب: وهنا يبرز دور قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، من منفاها في تونس عند بداية الانتفاضة، ليصبح مصدر جدل كبيراً في الأحاديث، إذ يصر سامر على اقتناعه بأن التوتر بين «الداخل» و«الخارج» كان في أدنى مستوياته أثناء الانتفاضة، وبأن منظمة التحرير الفلسطينية، لعبت دوراً إيجابياً في الحركة من خلال قدرتها على تقديم أنواع مختلفة من الدعم، بما فيها من دعم مالي، إلى أولئك الذين كانوا يناضلون في الداخل.

ومن هذه الزاوية كان سامر ضمن أقلية صغيرة بالمقارنة بآخرين يؤيدون السلطة الفلسطينية، إذ يعتبر نبيل ـ أحد الجنود في المجموعة ـ أن المساهمة المالية للمنظمة كانت أحد العناصر التي أدت، في الواقع إلى «نهاية الانتفاضة». وقال إن المنظمة، تدخلت في الانتفاضة بعد نحو ستة أشهر وكان ذلك أكبر أخطاء الانتفاضة، ولكنه عاد فأقر بأن الأموال التي أرسلتها المنظمة ساعدت في دعم الانتفاضة وأسر الشهداء، وذلك عندما حاصره جون كولينز بأسئلته في هذا الصدد.

ثم أضاف قوله: «... ولكن مشاعر الولد الذي يواجه الدورية الإسرائيلية أو الجندي الإسرائيلي كانت مشاعر وطنية.. مشاعر إنسان ناشط متحمس، ولم يكن يفعل ذلك من أجل المال.. في ذلك الوقت كنا ثلاثة إخوة.. الأخ الذي استشهد وهو في الحادية عشرة، وكان في التاسعة عندما بدأت الانتفاضة، والأخ الأكبر وكان عمره ثلاثة عشر عاماً. في ذلك الوقت كانت انتفاضة حقيقية لا انتفاضة من أجل الأموال». ويكمن «خطأ» منظمة التحرير الفلسطينية.

عندئذ في محاولاتها إعادة صياغة ـ أو إحراز نفوذ على ـ حركة تولدت محلياً وامتدت جذورها بروح «نقية وغير فاسدة» إلى قلب الشعور الوطني. ويتناول المؤلف حديثاً آخر أجراه مع «حسين» الطالب الفلسطيني والمؤيد لحركة فتح، وهو يردد قراءة نبيل للموقف ولكنه يختلف معه قليلاً إذ يبرئ منظمة التحرير الفلسطينية من مسؤولية التأثير السلبي المباشر للمال على الانتفاضة. ويقتطف المؤلف من شهادته الفقرات التالية:

كولينز: ما رأيك بالضبط في ماهية دور منظمة التحرير الفلسطيني من الخارج بالنسبة للانتفاضة؟

حسين: الدعم.

كولينز: أي نوع من الدعم؟

حسين: الدعم المالي، الدعم لعائلات الشهداء، وللناس الخاضعين لحظر التجول، كل أنواع الدعم. لقد شجعت المنظمة استمرار الانتفاضة... وأدى هذا إلى اغتيال أبو جهاد.

كولينز: سمعت من أناس آخرين أن الأموال التي قدمتها المنظمة تسببت في بعض المشاكل هنا، وأن بعض الناس شعروا بالغيرة والغضب بشأن من تسلموا مالاً.. هل كنت تدرك هذا الشيء؟

حسين: هذا صحيح، ولكن ذلك حدث بعد الترحيل.. بعد إبعاد حسام خضر والقادة الآخرين عند بدء الانتفاضة، وبعد ذلك جاء آخرون.. أي قادة آخرين.. وأراد كل واحد منهم شيئاً لنفسه.. بالطبع كانت للاحتلال يد كبيرة في خلق المشكلات بين الناس، وكان جميع الشرفاء في السجن، وهكذا.. كان هناك متعاونون مع الاحتلال، وأشخاص دفع الاحتلال لهم أموالاً، وربما كان هناك أشخاص أقل تمسكاَ بالشرف، وعندما جاء الدعم من الخارج ربما احتفظوا بنصيب منه لأنفسهم.

وكان الرجل الذي حدده حسين بالاسم باعتباره «الرجل الشريف» في تناوله للشؤون المالية، هو حسام خضر الوثيق الارتباط بالشبيبة وهي الحركة الشبابية في فتح، قبل إبعاده من وطنه في يناير 1988.

وبعد عودته أصبح واحدا من ثلاثة من سكان مخيم بلاطة الذين انتخبوا لعضوية أول مجلس تشريعي فلسطيني في بدايات عام 1996. وكان خضر شخصية تتمتع بشعبية كبيرة في المخيم وأصبح ناقدا علينا للسلطة الفلسطينية، ومدافعا عنيدا عن حقوق اللاجئين طوال السنوات التي تلت انتخابه. ونظرا لكفاءته كمسؤول تنظيمي في حركة فتح طوال حياته، كانت علاقة الخصومة بين خضر والسلطة الخاضعة لهيمنة فتح ذات دلالة مهمة وتعبر عن وجود فجوة واسعة متزايدة بين الناشطين الأكثر شبابا الذين «دفعوا الضريبة» في الشوارع وفي زنزانات الاستجواب والتحقيق أثناء الانتفاضة، وبين القيادة الأكبر سنا «في الخارج» التي عادت من المنفى في أعقاب الانتفاضة.

إنهاء الانتفاضة

وفي شهادة حسين ظل هذا الشق السياسي طي الكتمان، وبدلا من توجيه النقد مباشرة إلى القيادة الوطنية ركز على الصفات المثيرة للإعجاب لدى قيادات فتح الشابة التي ذكر أنها كانت «محبوبة» من كل من في المخيم. وظل حسين ملتزما بالغموض بشأن الكشف عن هوية الأشخاص الذين قاموا بعد ذلك بتخريب معونات منظمة التحرير، أو الأشخاص الذين ساهموا في «انحسار» الانتفاضة، واكتفى بالإشارة إليهم بصفات عامة مثل «المتعاونون مع العدو،» و«الوقحون».

وعندما يتناول جون كولينز مصير الانتفاضة يطرح عنوانا يحمل السؤال التالي: «النهايات: هل هي أسباب طبيعية أم اجهاض سياسي؟! ويعود في ذلك إلى شهر يوليو عام 1994 عندما عاد الرئيس الراحل ياسر عرفات إلى غزة. ويرى كولينز أنه بخطبه التي ألقاها عند عودته وضع بصمته الشخصية على إنهاء الانتفاضة عندما حث السكان الفلسطينيين على الانضمام إليه في الانتقال من المقاومة إلى بناء الدولة.

ومن وجهة النظر الوطنية «الرسمية» انتهت الانتفاضة حتى قبل قيام السلطة الفلسطينية، وهكذا يمكن القول ان اتفاقيات أوسلو المختلفة ـ والنصوص التي نصت على إنشاء السلطة الفلسطينية ـ تطلبت وقف الانتفاضة بحيث لا تختلط مع وصول السلطة. ورغم ذلك ليس هناك قرار «رسمي» بإنهائها، وتشير اتفاقيات أوسلو ظاهريا إلى نزاع تاريخي أكبر اعتبرت فيه منظمة التحرير القيادة الوطنية الفلسطينية المعترف بها للشعب الفلسطيني، والطرف الملائم من الجانب الفلسطيني.

ومع ذلك فقد كان للانتفاضة قيادتها الخاصة بها التي لا ترتبط بمنظمة التحرير، والتي تشكل كيانا متميزا ضمن دائرة أضيق تضم الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة، إضافة إلى ان الحكومة الإسرائيلية لم تجلس إطلاقاً على مائدة المفاوضات مع قيادة الانتفاضة، وهكذا ترك الميدان مفتوحا لما يسميه المؤلف «المنظمة/ السلطة» التي بدأت العمل من خلال عدد من الشخصيات السياسية البارزة من «المناطق المحتلة» للانضمام إلى عملية التفاوض، التي سوف تعتبر فيها نهاية الانتفاضة أمرا واقعا غير معلن.

وقد أصبح كل هذا مهمة موقف سياسي غير عادي ساد في «إسرائيل/ فلسطين» حيث بدا ان الاتفاقيات السياسية تحتضن كثيرا من مضامين الاستعمار الكولونيالي للمستوطنين بدلا من أن تناقضها.

وقد بدأ سكان مخيم بلاطة يدركون تناقضات فترة ما بعد أوسلو بسبب أنها أصبحت تشكل جانبا واضحا من الحياة اليومية، وقد شاهد سكان نابلس فجأة القوات الإسرائيلية وهي تنسحب في ديسمبر 1995 من المدينة، ثم ما تبع ذلك من دخول قوات الشرطة الفلسطينية، بأزيائها الرسمية وهي تذرع الشوارع المغطاة بالإعلام الوطنية وصور ياسر عرفات. ويقول جون كولينز انه بعد عام واحد فقط، جاء إلى مخيم بلاطة لإجراء مقابلاته.

ومرت أيام كان يرى فيها الدبابات الإسرائيلية وهي تشكل المنظر الدائم هناك منذ سبتمبر 1996، وتتمركز خارج حدود المدينة. وذكر له واحد من شباب الانتفاضة اسمه ماجد، ان الاحتلال يقف على بعد خمسمئة متر. وكان المؤلف والشاب يقفان عند نافذة منزل الأخير في بداية إبريل 1997 ـ وأثناء التصعيد السياسي في 1996 ـ 1997 قال له سكان آخرون إنهم مقتنعون بأن القوات الإسرائيلية سوف يقتحمون منطقة الحكم الذاتي بكامل معداتها ويقومون بغزو المخيم.

ويعود كولينز إلى مسألة «نهاية الانتفاضة» قائلاً إن حالة عدم اليقين التي سادت فتحت الطريق إلى أحاديث كثيرة عن تفسير تلك المسألة. ولم تقتصر تلك الأحاديث على المواطنين الفلسطينيين العاديين بل سادت أيضاً بين قادتهم، ففي 31 أغسطس 1996 قام ياسر عرفات بزيارة مدينة نابلس وبلاطة. وفي إحدى خطبه وجه انتقادات إلى حكومة نتانياهو اليمينية المتشددة، وهدد بإمكان استئناف الانتفاضة. وقال الزعيم الفلسطيني لمستمعيه في مدرسة نابلس: «إن أحد خياراتنا ان نعود إلى الانتفاضة».

وقال في بلاطة: «نحن الذين أطلقوا أطول انتفاضة في القرن العشرين» وأضاف قوله: «أنا لا أملك عصا سحرية ولكن لديّ أطفال الانتفاضة». ويشير تحليل مؤلف الكتاب إلى أن حديث عرفات عن إمكانية «عودة الانتفاضة» يؤكد ضمنا أنها انتهت في الحقيقة أو على الأقل علقت.

وفي الوقت نفسه يلاحظ المؤلف تصوير عرفات الدقيق لوحدة الشعب في قوله: «نحن الذين أطلقوا..»، وتحت قيادته وسيطرته في قوله: «لديّ أطفال الانتفاضة»، ويرى جون كولينز ان الزعيم الفلسطيني يلمحّ بحديثه هذا إلى أن تعليق أو إنهاء الانتفاضة كان أياً نابعاً من قرار القيادة الوطنية لا من عوامل داخلية أو خارجية خارجة عن سيطرته.

عرض ومناقشة: صلاح عويس