يتناول المؤلف في هذه الحلقة مدى تأثير المناظر التي نقلتها وسائل الإعلام للأطفال الصغار وهم يواجهون جنود الاحتلال الإسرائيلي بالحجارة، حيث يقول إنها هزّت ضمائر الكثير ممن شاهدوها في شتى أرجاء المعمورة.

ويتطرق إلى نقطة مهمة وهي أن الجنود الإسرائيليين أنفسهم باتوا يشعرون بعقدة الذنب والخزي والعار لأنهم يواجهون أطفالاً ونساءً وشيوخاً بدل أن يواجهوا عساكر كما جرى تدريبهم. وهنا ينقلنا المؤلف إلى نقطة أخرى أساسية في الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي وهي المسألة الديموغرافية،

حيث يعبِّر الساسة الإسرائيليون دائماً عن خوفهم من التفوق الديموغرافي للفلسطينيين الذين يزيد معدل الإنجاب عندهم كثيراً عن نظيره لدى اليهود الإسرائيليين، وهو ما حدا ببعضهم إلى ابتداع فكرة الترحيل أو «الترانسفير» للتخلص من هذه القنبلة الموقوتة، حسب تعبيرهم.

رغم ان جهاز الدعاية الصهيونية احتاط كثيرا من ذكر كلمة «طفل» او «اطفال» في حديثه عن اطفال الانتفاضة الفلسطينية الاولى وركز كثيرا على الايحاء بأن الشباب الفلسطيني المشارك فيها هم من الرجال الناضجين الا ان مشاهد اولئك الصغار على شبكات التلفزيون العالمية

وهم يواجهون الدبابات والمصفحات الاسرائيلية بأذرعهم الغضة القابضة على حجر هزت ضمائر الكثيرين في انحاء العالم بمن فيهم من يصفهم مؤلف الكتاب بأنهم ليبراليون مؤيدون لاسرائيل تقليديا وعلى الدوام. ولم يقتصر الامر على الشعوب الاخرى فحسب اذ يلقي كتاب الاستاذ الاكاديمي جون كولينز الضوء على انعكاسات الانتفاضة

واثارها على الجنود الاسرائيليين انفسهم الذين استدعتهم الحكومة الاسرائيلية لتنفيذ سياسة قهر الانتفاضة في الضفة الغربية وقطاع غزة ويرى جون كولينز ان الاحساس بالذنب كان اكثر ضغطا على هؤلاء الجنود وكان ذا طابع شخصي الى حد كبير ويستشهد في ذلك بقول جندي اسرائيلي في الثامنة عشرة من عمره لإحدى الناشطات الاميركيات في الحركة النسائية اثناء زيارة لها لمخيم الدهيشة

اذ افضى لها ذلك الشاب بأنهم «ارتكبوا اعمالا بشعة» كذلك نشرت صحيفة ميامي هيرالد رسما كاريكاتوريا لجندي اسرائيلي يجلس متهالكا على مقعده ويداه تغطيان عينيه لإخفاء شعوره بالعار بينما يسألة ولده الصغير قائلا: ماذا فعلت في المناطق المحتلة يا ابي؟

ويرى المؤرخ اليساندرو بورتيللي ان سؤال الطفل عما فعله الاب او الجد «في الحرب» هو نموذج واحد من تلك الأسئلة الاصلية التي تنفذ الى قلب الهوية الشخصية والجمعية وخاصة بالنسبة لاطفال نشأوا في ظل عسكرة واسعة للنظرة التاريخية وفي هذه الحالة

فان خجل الاب - الجندي الاسرائيلي - من الاجابة على سؤال ابنه يعكس بشكل فعال مصدر شعوره بالذنب لان مواجهة اطفال في الشوارع هي جوهر ما قيل او لا يقال من احاديث العديد من الجنود الاسرائيليين عن ممارساتهم اثناء الانتفاضة.

ويذكر مؤلف الكتاب ان احد الامثلة البارزة يتمثل في المذكرات اليومية للجندي الاسرائيلي جوناثان كستنباوم التي نشرت تحت عنوان «يوميات جندي» وكان قد خدم في كتيبة جنود الاحتياط في الجيش الاسرائيلي التي كلفت بفرض حظر تجول صارم طوال اربع وعشرين ساعة يوميا على قرية قباطية شمال الضفة الغربية في شهر اغسطس 1988.

ويسجل كستنباوم في يومياته تعليمات قائد الكتيبة الذي قال لجنوده ان مهمتهم هي اخضاع قباطية لحظر التجول حتى «تنكسر» ارادة الناس فيها وكتب ذلك الجندي مذكراته عن مهمة وحدته اليومية التي استمرت ثلاثة اسابيع في القرية وقامت صحيفة جيروزاليم بوست الاسرائيلية بنشر مقتطفات منها في الشهر التالي في طبعتها الدولية يوم 24 سبتمبر 1988.

يوميات جندي

ونحن نرى ـ كما يرى المؤلف ـ ان هذه اليوميات كاشفة بشكل واضح للجرائم التي ارتكبتها قوات الاحتلال الاسرائيلي ولذلك نوافق المؤلف على اهتمامه بنشر جانب كبير من المقتطفات التي استقاها من الصحيفة ونستعرض نحن ايضا جانبا مهما منها على الوجه التالي:

8 اغسطس: وصلنا الى قاعدة التدريب ونحن نضحك ونشعر بالتوتر وكانت احدى الاشارات الى ما سوف يحدث لوحة تنبئ عما هو متوقع منا اذ تتحدث عن «تعليمهم الا يرفعوا رؤسهم».

12 اغسطس: دوريات مؤلمة ساعة بعد ساعة.. موقف فاحش اقوم فيه بمطاردة في طريق فرعي لطفل في التاسعة من عمره اكتشف كسرة خبر مرمية.

13 اغسطس: الوهم الاكبر الذي تحررت منه يتمثل في الضباط واعتقد انهم كانوا يتمتعون بالمهمة بالفعل: بالسلطة والسيطرة واذلال الناس قبل كل شيء احد الضباط الشبان وقف والبريق في عينيه وقد احضر طفلين في التاسعة من العمر قيدهما في المقعد الخلفي وغطاء سيارته الجيب.

17 اغسطس: لقد تعرضنا لجميع الوان المواقف التي اجد انها غير محتملة على الاطلاق.. تحت الانظار القاسية للجنود والمسلحين تقوم عدة نساء مسنات واطفال في الخامسة من عمرهم بازالة القمامة المتعفنة. ليست تلك واحدة من اعظم اللحظات الميمونة لجيش الدفاع الاسرائيلي - هناك اثنان من الجنوب احدهما يشعر بالعار من موقع خدمته العسكرية ومما يفعله

ويقول: «حظر التجول كله سخيف ومؤلم جدا وعندما يرمقني طفل في الثالثة من عمره بنظرات الكراهية اشعر بالخزي مما افعله اما الجندي الثاني فهو يشعر بأن الدوريات التي يقوم بها تشعره بالعار، كما أن مظاهر الألم والفقر والمهانة تصيبه بالجنون.

18 أغسطس: سيناريو آخر من الجانب الآخر الجحيم... أثناء دوريتنا في الحقول اكتشفنا صبياً خارجاً من البستان. وقام جنديان بمطاردته، وعندئذ رفع الصبي ذراعيه قائلاً: لا تطلقوا الرصاص. وكانت ملامحه توضح أن عمره تسع سنوات... نفس القصة.. قال الصبي: أنا جائع وقد جئت لأجمع بعض التفاح»®. يوم آخر من مطاردة عجائز النسوة والأطفال... مواقف منحطة ولا ضرورة لها تذلهم وتشعرنا بحقارتنا. إنهم ينظرون إلينا بمزيج من الكراهية والازدراء والشموخ.

21 أغسطس: مع رفع منع التجول استؤنفت مظاهر ضئيلة لحياة القرية، ولكن كانت الكراهية المكبوتة تبدو بوضوح في عيون الأطفال.

26 أغسطس: لمدة أربعة أيام تمركزنا عند حاجز تفتيش على الطريق لكي نلتقط أنفاسنا من ناحية، ولكي نتجنب الاحتكاك «بالمحليين» من ناحية أخرى، وفي الوقت نفسه قتل صبي عمره خمسة عشر عاماً رمياً بالرصاص على يد جندي من وحدتنا في طوباس على بعد خمسة أميال.. فلماذا نستخدم طلقات الرصاص الحية ضد مراهقين يرمون الحجارة؟!

ويلاحظ المؤلف في هذه المقتطفات أن تفاعل جوناثان كستنباوم مراراً مع النساء والرجال المسنين، والأطفال بوجه خاص، هو الذي يثير شعوره بالذنب، وفي حكايات الجنود الإسرائيليين عن الانتفاضة، والدراسات العديدة وتحليلاتها لاستراتيجيات الجنود في التعامل مع «الأزمة الأخلاقية للخدمة العسكرية في «المناطق»

يجد الباحث بانتظام أن مهمة الجيش الإسرائيلي في إخماد الانتفاضة تقاربت مع النوع التقليدي من الحملات العسكرية التي تضخمت في الذاكرة الجمعية لليهود الإسرائيليين. وقد كتب عالم الانثروبولوجيا إيال بن آرى مقالاً في عام 1989 عن خدمته كجندي من الاحتياط في مدينة الخليل،

وقال إن التعليمات الصادرة لهم لم يكن لها أي معيار قياسي للعمل، ولكنها صممت من أجل قهر المظاهرات الكبرى. واتضح لهم قبل توجههم إلى الضفة الغربية، أنهم سيقومون بمهام رجال الشرطة على عكس مهام جنود الجيش.

شعور ثوري

يشير جون كولينز إلى أنه، حتى في الأيام الأولى للانتفاضة، أظهرت المناقشات الإسرائيلية وجود انقسامات بارزة حول ردود فعل الجنود إزاء شعورهم بالذنب. ويورد كولينز مقولة شهيرة لماركس مؤداها أن «الشعور بالعار شعور ثوري». وقد جاءت هذه العبارة في تعليق حاد من أحد اليساريين الإسرائيليين على الأعراض المرضية التي سميت «أطلق النار وابكِ».

وجاء أيضاً في مقال بنشرة «أخبار من الداخل» في عدد 9 فبراير 1988 عبارات معبرة موجهة إلى الجنود: «أيها الجنود... خذوا دموعكم... دموع العار والاشمئزاز... وحولوها إلى أسلحة». ويذكر بن آري أن مؤسسة مسيطرة سياسياً مثل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تستطيع بسهولة تطويق وإضعاف الاحتمالات الراديكالية فيها.

وقد واجه صناع القرار العسكريون جنوداً يتحدثون علنا وبصراحة عن الالتباس الأخلاقي الذي يشعرون به، وعندئذ عمد هؤلاء العسكريون الكبار إلى اتخاذ خطوات ملموسة لقلب الأمور بالنسبة لما اعتبروه تآكلاً خطيراً في معنويات الجنود، ويقول جون كولينز: «كانت السياسة سيئة السمعة التي وضعها إسحق رابين وزير الدفاع آنذاك في يناير 1988، تقضي باستخدام «القوة، والجبروت، والضرب» لقهر الانتفاضة،

وقد حملت طياتها إمكان تحويل شعار «أطلق النار وابكِ» إلى شعار يقول: «اضرب ثم ابكِ»، ولكن تلك السياسة استخدمت أيضاً كفرصة للجنود مقبولة رسمياً لتحويل مشاعرهم السابقة نحو استلاب قوتهم، إلى حملة، عنف غير مقيدة لكسر العظام.

ويصل مؤلف الكتاب إلى نتيجة تقول: «في ظل ردود الفعل السياسية التي يولدها الإحساس بالذنب والعار، قد يكون دقيقاً جداً أن نقول إن ذلك الشعور لا ينطوي فقط على احتمال التحول إلى مشاعر ثورية»، ولكنه قد يتحول أيضاً إلى حافز على ارتكاب مزيد من العنف.

بعد ذلك ينتقل بنا مؤلف الكتاب فجأة إلى الاستشهاد بقصيدة الشاعر الفلسطيني محمود درويش «بطاقة هوية»، ويقول إنها توافقت تقريباً مع بزوغ منظمة التحرير الفلسطينية، في منتصف الستينات. ويختار كولينز من تلك القصيدة قول الشاعر (في النسخة العربية، كما ننقلها نحن):

أبي... من أسرة المحراث

لا من سادةٍ نُجُبِ

وجَدّي كان فلاحاً

بلا حَسَبٍ... ولا نسبِ!

وبيتي كوخُ ناطورٍ

من الأعواد والقصبِ

فهل ترضيك منزلتي؟

أنا اسم بلا لَقَبِ!

ويشعر جون كولينز أن هذه الأبيات تتحدث عن تواضع المنزلة، ولكنها في الوقت نفسه تمتزج بمعاني التحدي في أبيات أخرى يقول فيها الشاعر في نهاية قصيدته:

سَجِّل.. برأس الصفحة الأولى

أنا لا أكره الانس

ولا أسطو على أحدِ

ولكني... إذا ما جُعْتُ

آكل لحم مغتصبي

حذار... حذار... من جوعي

ومن غضبي!

وبهذا المزيج يرى صاحب الكتاب أن القصيدة تعتبر بياناً افتتاحياً مكتملاً لحركة تحاول التحدث باسم مجتمع شتات جديد من اللاجئين، والفلاحين الذين سلبت منهم أراضيهم، والطلاب الغاضبين. وهنا يعود المؤلف إلى الاستشهاد بالأبيات التي يفتتح بها محمود درويش قصيدته، وهي تلك التي تقول:

سَجِّل!

أنا عربي

ورقم بطاقتي خمسون ألفْ

وأطفالي ثمانيةٌ

وتاسعُهم... سيأتي بعد صيفْ

فهل تغضب؟

ولكننا نرى أنه كان من الأفضل للباحث أن يكمل اقتباسه بالأبيات التالية التي تؤكد رؤيته لمزيج مشاعر المهانة والغضب والتحدي التي تعتمل في نفوس أبناء النكبة القادمة، وفيها يقول الشاعر الكبير:

سجِّل!

أنا عربي

وأعمل مع رفاق الكدح في محجرْ

وأطفالي ثمانيةٌ

أَسُلُّ لهم رغيف الخبزِ،

والأثوابَ والدفترْ

من الصخرِ...

ولا أتوسّل الصدقاتِ من بابكْ

ولا أصغرْ

أمام بلاط أعتابكْ

فهل تغضب؟

ويلمس المؤلف أن تلك القصيدة معروفة جيداً لدى الفلسطينيين الذين يرددونها لأنها تؤكد صدق قضيتهم، وهي أيضاً مثال رائع على كيفية تحوّل إنجاب الأطفال إلى أداة من أدوات الكفاح الفكري، كما في حديث الشاعر عن الطفل الثامن من ثم حديثه بطريقة أكثر تحدياً عن ولادة الطفل التاسع في الصيف المقبل.

ويؤكد كولينز أن «هذه الأقوال تشكّل أسلحة قادرة على بث الذعر في نفوس العدو الذي هو في هذه الحالة دولة إسرائيل، لا من الناحية الديموغرافية فحسب، بل كذلك من ناحية معاني الإمكانات السياسية التي تثيرها في العقول».

وبعد أن يتحدث الكتاب عن الذعر الذي ينتاب حكام إسرائيل من التفوّق الديموغرافي الفلسطيني، يشير إلى أن إسرائيل تتحدث عن هذه المسألة حديثاً دفاعياً في الوقت الذي يتسم فيه لدى الفلسطينيين بالتحدي سواء كان هذا الحديث جاداً جداً أو مازحاً أحياناً.

وهنا يروي المؤلف نكتة سمعها أثناء لقاءاته مع بعض الفلسطينيين تقول إنه في يوم من الأيام كانت المدينة «غزة» خاضعة لحظر التجوّل. وشعرت امرأة حامل بآلام الوضع فأخذها الجنود إلى مستشفى عسكري. وقد تبيّن أنها حامل في توأم. وعندما برزت رأس الولد الأول نظر حوله فرأى الكل يرتدي ملابس عسكرية، فعاد إلى أخيه صائحا: أحمد.. أحمد.. نحن محاصرون.. أحضر مزيدا من الحجارة!!

وفي تحليله لهذه الحكاية الطريفة يقول جون كولينز: ان صورة هذين الطفلين الوليدين المستعدين للانضمام إلى أطفال الحجارة، ترتكز على فكرة خوف الجنود الإسرائيليين من مجرد الأطفال. وقد أتيحت للفلسطينيين اثناء الانتفاضة فرصة سانحة أكثر جدية ولقيت انتشارا واسعا، وهي حالات الأطفال الذين ماتوا اختناقا بالغاز المسيل للدموع،

مما اثار سخطا عاما واسع النطاق، وكذلك الحال بالنسبة للاحصائيات عن حالات الاجهاض التي أعلنت جنبا إلى جنب مع حالات الوفاة بسبب القصف وإطلاق الرصاص والاعتداء بالضرب وغير ذلك من أساليب العنف، الأمر الذي أصبح يوحي للناس بأن إسرائيل تريد ان تصل إلى الأرحام لتمنع انجاب مزيد من المواطنين الفلسطينيين!!

ولا يثير الدهشة وجود صلة بين المواطنة وإنجاب الأطفال، إذ تمتد هذه المسألة عبر تاريخ طويل في الفكر الصهيوني والإسرائيلي، وفي السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، وقد أثار بن غوريون ـ أول رئيس وزراء لإسرائيل ـ هذه المسألة بتأكيده على الحاجة الملحة إلى وجود غالبية يهودية في فلسطين. ومنذ ذلك الوقت أصبح هدف التفوق الديموغرافي موضع اجماع عام في إسرائيل.

وقد تردد في كتاب لـ «نيرايوفال ـ دافيس» صدر عام 1989 ان «يهود اسرائيل في سباق ديموغرافي مع الفلسطينيين. وقد دفع ذلك حكومات اسرائيلية عديدة إلى محاولة زيادة معدلات الانجاب بتقديم جوائز مالية رمزية لمن أطلق عليهم اسم «الأمهات البطلات» وهن ممن أنجبن عشرة أطفال أو أكثر في السنوات الأولى من خمسينيات القرن الماضي.

ومن بين تلك الجوائز توفير مساكن رخيصة للعائلات الكبيرة من «صندوق تشجيع الانجاب» الذي بدأ عمله عام 1968، وكذلك منح اعانات اضافية بناء على قانون صدر عام 1983 اسمه «قانون العائلات المباركة بالأطفال».

سياسة الترانسفير

وقد أدى طرح المسألة الديموغرافية في اسرائيل إلى تركيز الانتباه على الأطفال الفلسطينيين باعتبارهم رموزا لعوامل تذكير اسرائيل بتدنيها في مجال الانجاب. وقد أدلى الأكاديمي الاسرائيلي أرنون سفير برأيه فقال بالنص: «إن السيادة على أرض اسرائيل لن تتحقق بالبنادق والقنابل اليدوية، ولكنها تتحقق بدلا من ذلك في مجالين هما: غرف النوم والجامعات

ولن يمر زمن طويل حتى يتفوق علينا الفلسطينيون» وأعلن أرنون سفير رأيه هذا عام 1986 عندما كان الكنيست الإسرائيلي يناقش اقتراحا يقضي باعلان عام 1987 «عام حمل الأطفال» وأصبح هناك موضوع دائم مطروح في أحاديث ساسة الجناح اليميني الذين يحذرون من اختلال معدلات الانجاب المقارنة، ومن ثم طرح هؤلاء الساسة موضوع ترحيل الفلسطينيين المسمى «الترانسفير».

ويصف جون كولينز هذه الكلمة بأنها «كلمة عنصرية مخففة لعملية طرد اجبارية للفلسطينيين من وطنهم». وقد اتبعت اسرائيل في هذا المجال سياسة مزدوجة تتضمن أكبر نظام لعيادات التخصيب في العالم، واتباع سياسة محافظة ضد تحديد النسل في العائلات اليهودية، والاندفاع في توفير موانع الحمل وخدمات الاجهاض للفلسطينيات المقيمات في اسرائيل

وهو ما يعتبره كولينز نمطاً آخر من «الترانسفير» يتماشى مع الممارسات الإسرائيلية في المجالين السياسي والعسكري. ويشير المؤلف إلى انه يمكن معرفة السبب في أن الانتفاضة لم تضف فحسب إلى الضرورة الماسة للجدال الدائر في اسرائيل حول مستقبل ما يسمى «المناطق»، ولكنها أيضا تسببت في تكثيف الجهود الخاصة بزيادة الإنجاب بين الإسرائيليين.

وبعد أيام قليلة من إعلان المجلس الوطني الفلسطيني قيام الدولة الفلسطينية المستقلة في نوفمبر 1988، نشر في صحيفة «نيويورك تايمز» إعلان على صفحة كاملة لشركة طيران العال استخدمت فيه صورة امرأة يهودية في ذروة حالة الحمل للترويج لتخفيضات تجريها الشركة للعائلات كبيرة العدد،

وكان النص المرافق لها يقول: «مع أسعارنا العائلية الجديدة للسفر إلى إسرائيل يتمتع طفلك الأول بتخفيض قدره 25%، والثاني 50%، والثالث 50%، والرابع 50%، والخامس 50% والسادس 50%، وبالطبع يتمتع بعض الأطفال بالسفر مجاناً».

كذلك أدت الانتفاضة إلى تشكيل حزب سياسي يميني جديد هو «حزب موليدت» الذي كرس نشاطه لترحيل الفلسطينيين من وطنهم، وفي كلمة له إلى مؤيدي الحزب قال رئيسه رحبعام زئيفي : «كل مستوطنة عربية أصبحت قرية، وكل قرية أصبحت بلدة صغيرة، وكل بلدة صغيرة أصبحت مدينة. وخلال اثنتي عشرة سنة ـ كما يقول الأخصائيون ـ سوف تتساوى الأعداد.

وفي دولة ديمقراطية، يتمتع فيها كل فرد بحق التصويت، سوف يشكل العرب الأغلبية، وفي ثلاثة عشر عاماً سيصبح رئيس الوزراء ووزير الدفاع ورئيس الأركان من العرب». وقد ساهم كثير من المعتدلين الإسرائيليين أيضاً في تشجيع الإنجاب باعتباره عاملاً للسيطرة السياسية.

وفي كتاب له كان له تأثيره عام 1988 قال يهوشوفات هاركابي ـ وهو واحد من الصقور السابقين ورئيس الاستخبارات العسكرية في إسرائيل ـ إن حزب الليكود الحاكم آنذاك وحلفاءه التقليديين من الأحزاب لا تنادي بالطرد ولا بالانسحاب، ولكن بنوع من الضم الزاحف من خلال المستوطنات اليهودية في «الأقاليم».

واتهم هذه الأحزاب بأنها «مذنبة على أعلى درجة من عدم الإحساس بالمسؤولية» لتجاهلها المشكلة التي يسببها ارتفاع معدل المواليد الفلسطينيين. وأضاف هاركابي بقوله: «. ولو اختفى العرب من الضفة الغربية بطريقة ما، لاستطاعت إسرائيل ضمها وهي مرتاحة البال، ولكن السكان العرب لن يختفوا فحسب بل سوف تتنامى أعدادهم أيضاً».

عرض ومناقشة: صلاح عويس