يؤكد المؤلف في هذه الحلقة على حقيقة أن الانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت في عام 1987 لم تكن هي الأولى، بل سبقتها انتفاضات عدة تعود بداياتها إلى عهد الانتداب البريطاني في أوائل القرن العشرين عندما لمس الشباب الفلسطيني مدى الدعم الذي تقدمه بريطانيا للمشروع الصهيوني، فثاروا في وجه القوات البريطانية لتبدأ ملحمة المقاومة التي ما زالت فصولها تتوالى حتى يومنا هذا.

ويشير المؤلف كذلك إلى أن جيل الشباب الفلسطيني لعب وما زال يلعب الدور المحوري في الإبقاء على شعلة المقاومة متقدة رغم كل النكسات والإحباطات التي مرت بها القضية الفلسطينية، ولكن الأمر الذي شدّه إلى هذه القضية هو أطفال الحجارة الذين تجاوزوا كل المفاهيم التقليدية حول الطفولة وتخطوا حاجز الخوف من الجيش الإسرائيلي الذي ربما لازم جيل آبائهم لأسباب موضوعية وذاتية عدة.

يؤكد جون كولينز مؤلف الكتاب الذي نستعرضه أن الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي اندلعت عام 1987 لم تكن الأولى كما وُصفت، بل سبقتها انتفاضات أخرى للشبان الفلسطينيين أيضاً منذ مطلع القرن العشرين، ويرى المؤلف كذلك أن هناك دلائل تؤكد أن الشباب الفلسطيني كان يذهب أحياناً في نشاطه إلى أبعد مما يجد من تشجيع من جيل الآباء.

ويستشهد في ذلك بما جاء في كتاب «السياسة العربية في فلسطين من 1917 إلى 1939» للباحثة آن ليش. وقد جاء في هذا الكتاب أن السلسلة الكبرى من المظاهرات التي اندلعت في يافا عام 1933 فجَّرها ناشطون من الشباب الذين كانوا يعتقدون أن كبار السن من السياسيين يسعون دائماً إلى الحصول على تصريح بتنظيم مظاهرة بدلاً من تأكيد حقهم في إعلان احتجاجهم.

وأصر هؤلاء الشبان على مواجهة دعم بريطانيا للمشروع الصهيوني بعمل جماهيري حاسم. وعندما حاول الجنود البريطانيون منع المظاهرات في يافا قذفهم المتظاهرون بالحجارة، ورد الجنود بإطلاق الرصاص الحي عليهم مما أدى إلى مقتل خمسة عشر فلسطينياً.

وانتشرت أنباء المظاهرات والعنف في المدن الأخرى في الأيام التالية فاندلع المزيد منها.وتزعم الباحثة آن ليش أن حكومة الانتداب استطاعت في النهاية قمع المظاهرات بمعاونة «كبار السن في المدن» الذين منعوا انتشارها إلى رام الله وعكا.

أما جون كولينز فيعود إلى زمن أحدث إذ يرى أن الكثيرين من قيادات حركة التحرير الوطني الفلسطيني ما بعد عام 1967 ـ ومن بينهم ياسر عرفات وجورج حبش وصلاح خلف ـ كانوا قد بدأوا نشاطهم السياسي كطلاب ناشطين في الخمسينات من القرن الماضي، مرتكزين على المد القومي العربي الذي ساد المنطقة خلال ذلك العقد من الزمان.

وفي البداية كانوا يوقعون نشراتهم التعبوية بعبارات مثل: «جيل الإصلاح» و«شباب الثأر»، وذلك قبل التشكيل الرسمي لحركة فتح في عام 1959، وينتمي هؤلاء القادة إلى جيل النكبة، وأخذوا على عاتقهم مهمة تعبئة جيل جديد (جيل الثورة) حتى قبل انطلاقة الحركة،

فأقاموا معسكرات لتدريب الفدائيين من الشباب الذين أصبحوا يعرفون باسم «الأشبال» بالنسبة للفتيان، وباسم «الزهرات» بالنسبة للفتيات.كانت المشكلة بالنسبة للمنظمات الفدائية تتمثل في كيفية دمج طاقات الجيل الصاعد في الأنشطة اللازمة لتوسيع نطاق النضال الوطني.

وعندما طلب من الرئيس الراحل ياسر عرفات، في عام 1969 في إحدى المقابلات، أن يعلق على جهود منظمة فتح في مجال التعليم والخدمات الاجتماعية الأخرى، أجاب بقوله: «نحن نعرف أن كفاحنا طويل الأجل، ونحن نعد أنفسنا وفقاً لذلك». وكان بذلك يشير إلى إدراكه أن الحركة في حاجة إلى التكاثر، وإلى أن التعليم وتسييس المجتمع هما من العناصر الأساسية في تلك العملية.

أطفال الحجارة

يبدي الكاتب اهتماماً كبيراً في تقصي ما أسماه «الذاكرة الشعبية» مستشهداً في ذلك بالمفكر الفلسطيني الكبير الدكتور إدوارد سعيد الذي كتب مقالاً عام 1984 يقول فيه إن الحقائق لا تتحدث عن نفسها ولكنها تتطلب رواية مقبولة اجتماعياً لكي تستوعبها وتواصل سردها وتطرحها للتداول.

وقد اختار جون كولينز أن يركز أبحاثه لرسالة الدكتوراه على مخيم بلاطة باعتباره واحداً من أكبر المخيمات الفلسطينية في الضفة الغربية. وهناك أجرى العديد من المقابلات مع عدد ممن كانوا عام 1987 يسمون «أطفال الحجارة» الذين شاركوا في الانتفاضة آنذاك ولكنهم أصبحوا الآن رجالاً في ريعان شبابهم.

وقد استمع منهم إلى عدد كبير من الحكايات والروايات عن تلك الفترة وما تلاها. وفي الفصل الثاني من الكتاب يختار المؤلف عنواناً دالاً هو: «غزة.. يحكمها طفل»، وفيه يرى أن الأدبيات القائمة في البحوث التي تناولت الانتفاضة كانت تميل إلى الاهتمام إما بالجماعات الاجتماعية (مثل الشباب، والآباء، والصحافيين)

أو بأشكال الاستطراد اللغوي (مثل التقارير الإخبارية، والمنشورات، والأشعار، والكتيبات) ويعتبر ذلك الوحدة الأساسية في نظر الباحثين، الأمر الذي أدى إلى ما أسماه الكاتبان كوهين أكيبا وغادي وولفسفيلد «تأطير الانتفاضة» وذلك في كتابهما الذي يحمل نفس العنوان.

ورغم أن هذا الأسلوب قد يكون أكثر فائدة من الدعاية المباشرة «البروباغندا» إلا أن التركيز على الأطر يحمل معه عدداً من الأمور التي تحد من عملية البحث لارتباط تلك الأطر بجماعات معينة ولاشيء غيرها، ذلك لأن كل طرف اقترب من الانتفاضة أوجد مجموعته الخاصة به من الصور والأطر.

وقد وجد جون كولينز ـ أثناء إعداده لكتابه ـ ان من المفيد ان يركز على ما يسمي «أساليب الخطاب» ومن خلال تلك الأساليب سيناقش المؤلف ستة من المعاني التي تناولت البطولة، والتضحية، والشعور بالذنب والعار، والقوة الكامنة، وحسن السير والسلوك، والتفويض بالسلطة.

غير أنه يحذر من تقليص واحد من تلك الأنماط بحيث يقتصر على رواية واحدة أو موقف فردي بعينه، ومثال ذلك أن «الشعور بالعار» لم يلحق ببعض الجنود الإسرائيليين في الأراضي المحتلة وحدهم، بل شعر به أيضا بعض الآباء الفلسطينيين الذين أنغمس أطفالهم في أنشطة الانتفاضة المحفوفة بالخطر،

ولعل المؤلف يشير هنا إلى شعور بعض كبار السن بالخجل من اشتراك أطفالهم في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي بينما لم تسمح لهم شيخوختهم بذلك. ويحتوي كل أسلوب في تلك الأنماط على إشارات ضمنية إلى مصطلح «الجيل».

ومن هنا يتساءل كولينز: أين هي الحدود الصحيحة بين فئات الأجيال: «الطفولة، والشباب، والرجولة» والتي ينبغي استخدامها بشكل عام أو في السياق غير العادي لصراع سياسي مثل الانتفاضة. ويستشهد المؤلف عندئذ بالباحث الفولكلوري شريف كنعاني في حديثه عن اشتراك الشباب في الانتفاضة في بحث له في صحيفة الأبحاث الفولكلورية،

إذ يجد ان المشكلة الرئيسية هي ان الشباب من الذكور «كانوا منغمسين بوضوح في أنشطة الانتفاضة ولم يرتبط ذلك بأية مجموعة تقليدية بالنسبة للعمر أو الطبقة الاجتماعية، بل كانت هناك فئتان: الأولاد والشباب، وكان الشعراء مثلا مغرمين بالحديث عن جميع الشبان الفلسطينيين سواء كانوا في الخامسة أو الخامسة عشرة من عمرهم والإشارة إليهم بكلمة «أطفال»

وكذلك فعل الباحثون الذين كتبوا بالانجليزية نفس الشيء مستبعدين فئة »الشباب» من الصورة، ووسعوا بذلك الصفوف المعروفة «بالأطفال» ومن جهة أخرى وجد كثير من الرجال الشبان أن إطلاق كلمة «أطفال» أو «أولاد» أمر مهين بالنسبة لهم، وفضلوا استخدام كلمة «شباب» بدلا من ذلك، ولكن بعضهم كان يميل إلى الابتسام عندما يسمع كلمة «شباب» وهي تطلق على مجرد أطفال صغار مما أدى إلى ابتكار عبارة مخففة هي «شباب صغار».

شاب في العاشرة

يذكر كولينز ان من المفارقات ان إسرائيل حاولت تخفيف الاستنكار العالمي لعمليات القمع العنيفة للشباب دون تمييز، وأظهرت حرصها على كسر الحدود المميزة بين الأجيال فلم تستخدم أبدا كلمة «طفل» في بياناتها العسكرية.

وفي نشرة «نيويور بوك ريفيو» للكتب في 31 مارس 1988 قال أنطوان شماس في تعليق له على الانتفاضة: «وهكذا أصبحت البيانات العسكرية الإسرائيلية تشير إلى الطفل ذي السنوات العشر، الذي تقتله القوات الإسرائيلية، على أنه «شاب في العاشرة من العمر»!!

وعندما يتناول الكاتب معنى البطولة يذكر أن الشاعر السوري الكبير نزار قباني قام بعد مرور أقل من أسبوعين من بدء الانتفاضة بنشر قصائده الثلاث المعروفة باسم «ثلاثية أطفال الحجارة» التي يصور فيها رماة الحجارة من الشباب الفلسطينيين بأنهم أبطال أكبر من الحياة نفسها، وأنهم ـ بذراع واحدة ـ ينقذون الحركة الوطنية ـ وربما العالم العربي كله- من حالة الجمود. ويقتبس مؤلف الكتاب بوجه خاص ابياتا من احدى هذه القصائد مترجمة الى الانجليزية وهي تلك التي تقول في نسختها العربية الاصلية:

آه.. يا جيل الخيانات

ويا جيل العمولات

ويا جيل النفايات

سوف يجتاحك - مهما ابطأ التاريخ.

اطفال الحجارة

ويعقب كولينز على ذلك بقوله «بالنسبة لنزاد قباني كان معنى نشاط الشباب تاريخيا انه يجتاح نظاما قديما ليساعد على قيام نظام جديد. وقد نبع موقفهم المميز من اصرارهم على القيام بالاعمال التي كان اباؤهم اما غير راغبين فيها او غير قادرين عليها.

ولسنا ندري ان كان مؤلف الكتاب قد قرأ ايضا المدخل النثري الذي كتبه الشاعر في صدر الكتيب الذي حمل الثلاثية وخاصة تلك الفقرة التي يقول فيها «اهم ما في اطفال الحجارة.. انهم حملوا الينا المطر.. بعد عصور من العطش وحملوا الينا الشمس.. بعد عصور من الظلام وحملوا الينا الامل.. بعد عصور من الاحباط والانكسار.

اهم ما فيهم انهم خرجوا على «سلطتنا الابوية» وفروا من «بيت الطاعة» وخالفوا اوامرنا ووصاياتنا وقرروا ان يحكوا جلدهم بأظافرهم.. اهم ما فيهم انهم لا يشبهوننا ولا نشبههم ـ وهذا من حسن حظهم ـ وقرروا ان يقاتلوا على طريقتهم.. ويعيشوا على طريقتهم.. ويموتوا على طريقتهم..

من هم اطفال الحجازة؟

ماذا فعلوا بلغتنا، بكلامنا، بتعابيرنا، بمفرداتنا، بشعرنا وبنثرنا، بذاكرتنا البلاغية، بخطابنا الشعري اليومي والمألوف؟اهم ما في اطفال الحجارة انهم قاموا بانقلاب في ذاكرتنا الشعرية واللغوية والقومية والثقافية واحدثوا «خضة» في دورتنا الدموية.

تحطيم حاجز الخوف

في ابريل 1988 قال المحامي الفلسطيني جوناثان خطاب في محاضرة له في واشنطن ان الاطفال في الضفة الغربية وغزة «امتلكوا روحا جديدة وحطموا حاجز الخوف بينهم وبين الجنود الاسرائيليين مما اسفر عن نتيجة حولت الاسترتيجيات القديمة المرتبطة ببعض الفلسطينيين «الاكثر واقعية» الى شيء عتيق عفى عليه الزمن.

ويحدد المحامي الفلسطيني الاصل العمل الثوري الحقيقي على النحو التالي: ليس العمل الثوري الحقيقي هو رفع البندقية او الاتسام بالعنف ولكنه رفض قبول معطيات الحكمة التقليدية والحدود التي يشعر الجميع بوجوب العمل من خلالها ويبدو ان الشباب وحدهم هم القادرون على اطلاق هذا النوع من الحركة.

ويبدو أن صاحب الكتاب حريص جداً على تفسير اهتمامه الكبير بجمع معلوماته من خلال انتزاع ما يستطيع من الذكريات من الكبار والشباب أثناء المقابلات التي أجراها معهم، ونجده يقول مثلاً إن كتابه يدور أيضاً حول ما يسميه «ذكريات الإمكان» أي ذكريات زمن بدا فيه أن نافذة فتحت لفرصة التحرير الفلسطيني أكثر من أي وقت مضى.

وبالنسبة لأعضاء جيل الانتفاضة كانت حقيقة أن النافذة بدت أقل انفتاحاً في السنوات التالية، سبباً في إنعاش قوة تلك الذكريات، ولذلك فهم «مسكونون بالذكريات» بكل معنى الكلمة لأن استمرار الاحتلال الاسرائيلي عامل تذكير دائم بما عانوه وبما استطاعوا ـ أو لم يستطيعوا ـ إنجازه في شبابهم.

ونظرة عن قرب على حكاياتهم الشخصية وعلاقتهم بحقائق الحاضر على أرض الواقع، تفتح نافذة فريدة على التشابك الديناميكي النشط بين القوى التاريخية والأيديولوجية، وهذا هو لُبّ الكفاح الفلسطيني، ثم يأخذ المؤلف في سرد ما يصفه بأنه «واحدة من أهم اللحظات أثناء وجوده في مخيم بلاطة»، عندما ذهب مع شخص اسمه عبدالجبار لكي يجري مقابلة مع شاب فلسطيني اسمه أيمن يبلغ من العمر ثمانية عشر عاماً.

وعندما بدأ الحديث بينهما دخل والده أبونمر إلى غرفة الجلوس لكي يحيي جون كولينز الذي سأله إذا كان يسمح له بإجراء مقابلة بعد ذلك، فوافق، ولكن بدا عليه الإحباط عندما أخبره كولينز بموضوع بحثه الذي يجريه، وقال أبونمر في خجل إنه قد لا يساهم إلا بالقليل، لأن الشباب مثل أيمن هم الذين «عملوا» الانتفاضة.

وعندما عاد كولينز لإجراء المقابلة معه استغرق الأب نصف وقتها في الحديث عن تفاصيل هروب عائلته من منزلهم في كفار سابا عام 1948 والظروف القاسية التي عانوها في بلاطة في السنوات التي تلت النكبة، والحاجة الاقتصادية الملحة التي اضطرته لترك المدرسة وهو في الصف السادس، وبدأ سلسلة من الأعمال رخيصة الأجر انتهت به عاملاً في سوق الخضار بمدينة نابلس حتى يوم إجراء المقابلة.

ويقول جون كولينز: لقد أحسست بوجود رابطة متبادلة وثيقة بين مظهر الشعور بالذنب في كلام أبي نمر، وتعرّض الأطفال للتضحية بمن فيهم ابنه، وعندما طلبت منه أن يحدثني عن الأحداث والممارسات التي يتذكرها أكثر من غيرها أثناء الانتفاضة، ذكر على الفور اسم واحد من شهداء الانتفاضة الصغار من أبناء المخيم، وفجأة انفجر في البكاء وغادر الغرفة وقد عجز عن كبح مشاعره الحزينة.

ويذكر المؤلف أن قصة حياة مثل هذا الرجل البسيط هي قصة العمل الشاق والمعاناة، ولم يشر فيها إلى قيامه بأي نوع من أنشطة المقاومة مثل تلك التي يشارك فيها أبنائه يومياً. ويقول كولينز إن قصة هذا الرجل أثّرت فيه إلى حد أنه بدأ يدرك أن الفلسطينيين هم الضحايا الحقيقيون.

ويضيف قوله: «أثناء حديثي مع أبي نمر وجدت نفسي وجهاً لوجه مع ما ذكره الباحث إياد سراج صاحب البحث المسمى (الأطفال الفلسطينيون والعنف)، وكتاب (السلام وأطفال الحجارة)، حيث يطلق على مثل هذا الأب عبارة: (الأب الفلسطيني العاجز القابع في ركن البيت بينما خرجت زوجته وأطفاله لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي».

وفي بداية الانتفاضة خرجت النساء إلى الشوارع لحماية أطفالهن في الأساس والمشاركة في المواجهات مع الجنود الإسرائيليين، وقد شجع ذلك الفتيات الصغيرات أيضاً على الخروج. ويشير كولينز إلى أن سراج قال له في لقاء معه في مايو 1997: «وبعد ذلك بقليل بدأ الرجال يشعرون بالقلق لفقدانهم السيطرة على العائلة وخروج النساء والأولاد والفتيات، وبقائهم هم في الركان مغلوبين على أمرهم.

ويعود جون كولينز إلى أبي نمر ليقول لنا إنه رأى ابنه وهو مصاب بالرصاص في قدمه خلال مصادمات سبتمبر بالقرب من قبر يوسف في نابلس. وقبل ذلك بسنوات ـ وفي ذروة الانتفاضة ـ أصيب ابن صغير آخر له بإصابة خطيرة في رأسه عندما أطلق عليه الجنود الإسرائيليون الرصاص المطاطي أثناء قيامه وزملائه من تلاميذ المدارس الابتدائية بقذف الحجارة على جنود إسرائيليين في مركز مراقبة بالقرب من مدرستهم.

الشعور بالذنب

يخرج المؤلف من ذلك إلى أن الشعور بالذنب لدى كبار السن من الرجال نابع من عاملين هما: أطفال الحجارة، والعنف الإسرائيلي، وأن هذا الشعور هو إحساس داخلي في حوار ذاتي في نفوس هؤلاء الرجال. وقد حاول الإسرائيليون استغلال هذا الشعور ونشره لدى البالغين من الرجال الفلسطينيين سواء عن طريق إلقاء اللوم على الآباء واتهامهم بالفشل في الإشراف على أطفالهم، أو عن طريق تعمّد إذلال الآباء أمام أطفالهم.

ومع ذلك، ورغم أن هؤلاء الآباء كانوا يشعرون بمزيج مركّب من الفخر والخوف والذنب بالنسبة لنشاط أطفالهم، فإن المراحل الأولى من الانتفاضة خضعت لقدر قليل من التوجيه، وفتحت باب الإشراك تلقائياً للآباء، وخاصة الأمهات، في العمل جنباً إلى جنب مع أطفالهم في الشوارع بدلاً من «الجلوس في ركن البيت». ورغم ذلك لم يخل الأمر من ظهور آثار لذلك الشعور المؤلم بالذنب في ذكريات آباء مثل أبي نمر.

ويلاحظ كولينز أن استخدام الشاعر نزار قباني صيغة المخاطب من ثلاثية أطفال الحجارة بقوله: «آه... يا جيل الخيانات»، هذا الاستخدام هو إدانة لكل حيل الشاعر حتى وإن خفف من هذا الشعور الجمعي بالذنب بالتحوْل إلى لفت انتباه قارئه إلى بطولة رماة الحجارة الصغار.

وعلى المنوال نفسه نجد أن خطاب حقوق الإنسان، الذي يركّز على تضحية الأطفال، قد بني على أساس شعور الكبار بالخزي ولكنه عمل على تذويبه في عملية أكثر نشاطاً لفضح المسؤولية الإسرائيلية عن المعاناة الفلسطينية.

أما بالنسبة للمتعاطفين مع النضال الفلسطيني، فإن كولينز يرى أن شعورهم بالعار والذنب اعتمل ابتداء من خلال نوع من الإحلال الذي يسمح لهذه المشاعر المزعجة بأن تنعكس في ضوء أكثر إيجابية، فبالنسبة لكثير من اليهود الإسرائيليين،

ولمؤيدي إسرائيل الدوليين، المقتنعين بشجب الاحتلال، أدت الانتفاضة بهم إلى نوع من الإحلال أتاح لهم فرصة أخرى لما يشير إليه بعض الإسرائيليين من تعبير ساخر يقول: «أطلق الرصاص وابكِ» وهو قول قريب من العبارة العربية «ضربني وبكى».

وفي رأي المؤلف ان ذلك التعبير الإسرائيلي الساخر هو رد فعل على سياسة القمع العنيف للمقاومة الفلسطينية، حيث تحول الشعور بالخزي في إسرائيل إلى نوع من البحث الأخلاقي عن الذات يركز على فقدان الشعور الوطني بالبراءة، ويدين قيام الجنود الإسرائيليين بإطلاق النار ثم التباكي، مع ما يعكسه ذلك على الضمير الجمعي الإسرائيلي.

وقد التقط المغنّى ومؤلف الأغاني «سي هيمان» هذا المعنى في أغنية له كتبها من وحي الانتفاضة، وقد جاء فيها ما معناه:عالمي لم يعد كما كان... والضوء العظيم قد خبا... الأطفال يلعبون بالرصاص... والبنات يلعبن بعرائس من الصلب. وفي ظل القذارة تبدو الحياة مختلفة..

إطلاق الرصاص.... والبكاء..

إشعال الحرائق... وإطلاق الضحكات...

منذ متى تعلمنا دفن الناس أحياء؟!!

وفي الولايات المتحدة الأميركية، التقط هذا الحديث مراقبون ليبراليون معروفون بتأييدهم التقليدي لإسرائيل، ونشروا فيضاً من المقالات التي لا تأسى على مصير الفلسطينيين الذين تحملوا العبء الأكبر لرد الفعل العسكري الإسرائيلي، ولكنها تتحدث عن أثر تلك السياسة على «تآكل إسرائيل».

وفي يناير 1988 عبّرت صحيفة «نيويورك تايمز» عن رأيها في قمع الانتفاضة بقولها: «إن إسرائيل تخون قيمها... والدولة التي وقعت بالخلاص للمقهورين قد ضلّت طريقها»، وتبقى بعد ذلك مشاعر الخزي والعار لدى الجنود الإسرائيليين أنفسهم.

عرض ومناقشة: صلاح عويس