يشعر كل عربي بالرضا عندما يقرأ مقالاً أو يجد كتاباً أو يسمع مؤلفاً أو سياسياً أو صاحب رأي ينصف الشعب الفلسطيني ويتعاطف مع ما يعانيه في نضاله من أجل حرية وطنه واستقلاله. ومن أهم ما أصدرته دور النشر من كتب في هذا السياق هذا الكتاب الذي نستعرض جوانب منه ونناقشها هنا، وهو صادر عن مطابع جامعة نيويورك.
مؤلف الكتاب هو جون كولينز، الأستاذ المساعد في مركز الدراسات الدولية. بجامعة سانت يورنس الأميركية ويعتبر المنصفون الذين قرؤوا الكتاب أنه عمل شريف وأمين يستعرض تاريخ الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 ضد الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة من خلال ذكريات أولئك الذين اشتركوا فيها ومارسوا أنشطتها. وكان المؤلف قد قام بعدة زيارات إلى فلسطين حيث عايش الفلسطينيين في حياتهم اليومية مع التركيز على المخيمات وإجراء العديد من المقابلات مع أبناء جيل الانتفاضة. يلمس مؤلف الكتاب ـ من خلال معايشة للواقع الفلسطيني ـ كيف يعيش أبناء الضفة الغربية وغزة حالة طوارئ، ومن هنا يجيء العنوان الفرعي للكتاب ليصور تلك الحالة، إذ يقول هذا العنوان: «جيل الانتفاضة وحالة الطوارئ الفلسطينية». ولما كان الكتاب يحتوي ـ بحكم موضوعه ـ على عدد ضخم من العبارات والأسماء العربية للأشخاص والأماكن،
عمد المؤلف إلى وضع ثبت من صفحتين في نهاية مؤلفه يرصد فيهما تلك الأسماء العربية مكتوبة بالحروف القديمة المائلة مع ترجمتها إلى اللغة الانجليزية. وغني عن البيان أن هدفه من ذلك هو القارئ غير العربي في المقام الأول. وعندما يعود كولينز إلى ذكرياته الخاصة تجد أن علاقته بفلسطين بدأت وهو طالب بالسنة الثانية في الجامعة عندما اندلعت الانتفاضة الفلسطينية، وكان اهتمامه بمنطقة الشرق الأوسط آنذاك ضئيلاً جداً ونابعاً في أغلبه من الصور التي التقطها والداه بعد عودتهما من رحلة نظمتها الكنيسة إلى «الأرض المقدسة» هكذا يذكر كولينز فلسطين بين قوسين. ويقول في تقديمه للكتاب إن شأنه كان شأن مراقبين كثيرين غيره بمن فيهم رفيقه في المسكن اللبناني الفلسطيني الأصل، والعديد من أصدقائه اليهود الذين كانوا ينزعون إلى انتقاد الاحتلال الإسرائيلي، إذ لم يستطع هو أيضاً أن يتجاهل المشاهد التلفزيونية للصبية الفلسطينيين الصغار والحجارة في أيديهم وهم يواجهون الجنود الإسرائيليين في شوارع الضفة الغربية وغزة وعندئذ أدرك أن رماة الحجارة يدحضون الإصرار الصهيوني على وصف إسرائيل بأنها دولة صغيرة ناشئة يحيط بها أعداء أقوياء. ويقول المؤلف إن صور التلفزيون كانت حافلة بمشاهد العنف ومفزعة أحياناً، ومضللة في رأيه من حيث أنها كانت تخفي جوانب كثيرة من عملية التنظيم الشعبي، والقهر الإسرائيلي المنتظم، ومن هنا أصبح جون كولينز الشاب يرسم للانتفاضة صورة «رومانسية» تشده إلى ناشطي الانتفاضة الصغار.
جلسات الحوار
سارع المؤلف إلى تشكيل جماعة كرست نفسها لتنظيم جلسات حوار حول «إسرائيل ـ فلسطين» الأمر الذي أثار غضباً شديداً في جامعة يسود فيها تأييد قوي لإسرائيل، والطريف أن جون كولينز يصف الموقف آنذاك بقوله إن نشاطه هذا أصاب الناس بالحيرة في أمره لأنه لم يكن يهودياً ولا عربياً، وكان اهتمامه نابعاً من انتمائه إلى أسرة ملتزمة بالعدالة الاجتماعية، لا من موقف شخصي من الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.
ومع ذلك كان مؤيدو إسرائيل يكرهونه أكثر مما يكرهون أيا من أصدقائه الفلسطينيين الثلاثة في الجامعة، وكان كلما قرأ المزيد عن تاريخ الصهيونية والاحتلال الإسرائيلي ازداد شعوره بالثقة في قيامه بدوره المتحدي، وأخذ ينظم الاجتماعات ويشترك في المناقشات، ويكتب المقالات. ومع ذلك فهو يقول «.
ولكن كان هناك أناس في مثل عمري يتحدثون إلى العالم بلغة أكثر مباشرة وبطريقة جسدية أكثر خطورة.. هؤلاء الناس هم أطفال الحجارة الذين استولوا على اهتمامي» (وهنا يضع تسمية الأطفال تلك بنفس النطق العربي). وما لبث أن امتد اهتمامه إلى دراسة تحليلية لكل ما كتب عن حركات التحرر الوطني والصراع بوجه عام، والانتفاضة الفلسطينية بوجه خاص،
وبعد نحو تسع سنوات من الانتفاضة الأولى عام 1987، بدأ في إعداد رسالة الدكتوراه. وفي عام 1996 قام بزيارته الثالثة وهي الأطول لفلسطين. ويصف كولينز زياراته بقوله: «أثناء قيامي بإجراء المقابلات وانغماسي في حياة المجتمع الفلسطيني، ومشاركتهم احتساء الشاي في أمسيات الشتاء الرطب،
واحتمال أيام منع التجول والعنف، وتبادل أحاديث السياسة مع سائقي التاكسي وفي المقاهي، والتمتع بالسير في شوارع رام الله أثناء احتفالها بليالي شهر رمضان... في أثناء ذلك كله بدأت أشعر برابطة عميقة تشدني إلى الشباب الذين كانوا قد جذبوا انتباهي في البداية عام 1987.
وعندما كنت أستمع إلى رواياتهم ظللت منجذباً مرة أخرى إلى استرجاع ما قيل عن القومية، ورحت أتساءل: هل أريد حقاً إجراء دراسة أخرى تتأرجح ببساطة بين القطبين التوأمين: البطولة والتضحية؟!. وقد رفض كولينز ذلك الأسلوب النمطي، وتطلع إلى منهج يحفل بمعانٍ أفضل من مجرد الشعارات السياسية. وقاده تطلعه إلى اعتناق ما أسماه بمنهج «الذاكرة الشعبية» الذي يؤكد على ضرورة فهم الحكايات الفردية ومغزاها الاجتماعي.
بؤساء الأرض
وأثناء انجازه لكتابه كان الفلسطينيون والإسرائيليون أسرى تلك العملية، التي أسماها الكاتب فرانتز فانون في رؤيته للكفاح ضد الاستعمار الاستيطاني في الجزائر بعملية «الرعب والرعب المضاد، والعنف والعنف المضاد» وكان جون كولينز يستشهد في هذا بكتاب ذلك الكاتب بعنوان «بؤساء الأرض» عام 1963 ولعل عنوان كتاب فالون يستدعي إلى الذهن العربي على الفور عنوان رواية عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين: «المعذبون في الأرض»،
وهنا يقول مؤلف الكتاب: «وعندما تابع رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون سياسته الاستيطانية الوحشية تحت غطاء حرب جورج دبليو بوش على الإرهاب، ظل العذاب الإنساني في تزايد لا مثيل له، وتحمل الفلسطينيون مستويات من العنف والقهر لم يعرفوها حتى في ذروة الانتفاضة.
وعندما بدأ شارون هجوماً واسع النطاق على التجمعات الفلسطينية، في بدايات عام 2002 كانت مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية وغزة الهدف الأساسي، وكان ذلك الهجوم أضخم عملية عسكرية إسرائيلية منذ غزو لبنان عام 1982 الذي قاده شارون بصفته وزيراً للدفاع آنذاك.
وذات صباح من الأيام الأولى في شهر فبراير عام 2002 لم يكن أمراً مفاجئاً لي ان أسمع من خلال جهاز الراديو أنباء اقتحام القوات الإسرائيلية لمخيم بلاطة حيث كنت قد كرست الجزء الأكبر من أبحاثي الخاصة بكتابي هناك في ذلك المخيم وكان من باب العبارات والاستعارات المعتادة لتهوين الأمر،
والتي نقلتها التقارير الإخبارية ذلك اليوم عن الإسرائيليين تصريح نقلته وكالة أسوشيتدبرس لضابط إسرائيلي يقول فيه ان «الغزو هو جزء من عملية جارية للقضاء على الخلايا الإرهابية»، وفي الوقت نفسه قال المتحدث باسم شارون لوكالة الأنباء الفرنسية ان القوات الإسرائيلية «كانت تلتقط الإرهابيين كما يلتقط الشعر بالملقط».
العملية شمبانيا
يعلق صاحب الكتاب على ذلك بقوله ان من المفارقات أنه كان في مساء اليوم السابق يشاهد مع مجموعة من تلاميذه الفيلم الأسطوري للمخرج جيلو بونتيكورفو «معركة الجزائر» وعندما سمع الأنباء الواردة من مخيم بلاطة بدا الأمر وكأن شارون احتل مكان الكولونيل الفرنسي ماتيو الذي قاد المظليين الفرنسيين إلى الجزائر في محاولة يائسة أخيرة لقهر حركة مقاومة اختبأ قادتها في المدينة القديمة،
وفي ذلك الفيلم كان ماتيو يسمي مهمته باسم «العملية شمبانيا» وبعد أربعة عقود من الزمان كان نظراؤه الإسرائيليون يحتلون بيوتا تطل على مخيم بلاطة ويطلقون على عمليتهم اسم «عملية الرحلة الملونة» وحاصرت دباباتهم المخيم عندما عجزت عن اقتحام الشوارع الضيقة في وجه التحدي الذي أبداه سكانها.
ويتساءل جون كولينز: أليست هذه المدرعات بطيئة الحركة هي النظير الإسرائيلي للدبابات الفرنسية التي تعثرت في طريقها حول ناصية الطريق في نهاية فيلم بونتيكورفو والتي تعتبر حركتها المتعثرة مؤشراً على أفول القوة الفرنسية بمنطق التاريخ؟
أم ان جنود شارون سيرتكبون في بلاطة ما ارتكبه حلفاؤه اللبنانيون في مخيمي صبرا وشاتيلا؟! وبينما تواترت الأنباء المتسربة من المخيم آنذاك تأكد لدى جون كولينز ما كان قد عرفه من قبل فلقد كان عدد كبير من الذين يقاومون الإسرائيليين هم من أبناء المخيم الذي التقى بهم وأجرى معهم مقابلات من أجل كتابه، فضلاً عن أنهم من «جيل الانتفاضة الذين أصبحوا الآن في أواخر العشرينات وبداية الثلاثينات من العمر.
وأخذ كولينز يبحث عن أسماء الضحايا من القتلى والجرحى، وإذا به يرى أسماء عائلات عرفها أثناء وجوده في مدينة نابلس، وأشارت التقارير الإخبارية إلى اضطرار جنود الغزو الإسرائيليين إلى القيام بما يسمى «البحث من بيت لبيت» بأسلوب مدمر لخوفهم الشديد من التعرض للقتل داخل الأزقة الضيقة،
فكانوا يتبعون أسلوباً أطلقوا عليه عبارة «المشي عبر الحيطان» وهو يعتمد على نسف الحيطان الفاصلة بين كل بيت والبيت المجاور له باستخدام المتفجرات والمناشير الخاصة لقطع حجارة الحيطان مما أدى إلى تدمير نحو خمسمئة مسكن،
وقد انتهت العملية بعد ثلاثة أيام ولكن كولينز يلاحظ ان سكان المخيم كانوا يعرفون جيدا أنها لن تكون الأخيرة خاصة بعد ان تنبأ أحد سكان المخيم بأن الإسرائيليين لن يتركوا المخيم على ما هو عليه بل سوف يرتكبون مذبحة فيه. وبعد ذلك بأقل من شهر شن شارون حربه الشاملة ضد الفلسطينيين في أنحاء الضفة الغربية، وقتل المئات منهم، وقام بتدمير منهجي للبنية التحتية للدولة الفلسطينية الوليدة.
ويقول صاحب الكتاب إنه يروي هذه القصة لا لمجرد أن يبين معنى المكان الذي يمثل وطناً للفلسطينيين الذين قابلهم، ولكن لكي يؤكد على نقطة أكبر بشأن علاقته بقضية فلسطين، فهو قد توصل تدريجياً منذ عام 1987 إلى رؤية الموقف في فلسطين
لا كما تراه وسائل الإعلام الأميركية السائدة في الولايات المتحدة باعتبارها سلسلة من «دورات من العنف» بل أصبح هو يرى أنه «العنف نفسه»، ولذلك فهو يقول إنه ينطلق من أن الفلسطينيين في ظل الهيمنة الإسرائيلية يعيشون حالة طوارئ دائمة.
وقد عانى الباحثون العاملون في فلسطين دائماً مشقة كبيرة في صراعهم مع طبيعة هذه الديمومة، واختاروا في الغالب متابعة عملهم في إطار أكثر تفاؤلاً يتحدث عن بناء الدولة، والتحرر الوطني، و«عملية السلام»، ولكنه يستشهد برأي المفكر الفلسطيني الكبير إدوارد سعيد الذي يرى أن النضال الفلسطيني من أجل التحرر من الهيمنة الإسرائيلية الكولونيالية هو واحد من أعظم القضايا الأخلاقية في عصرنا.
ويقول جون كولينز إنه اختار ـ مثل كثيرين غيره ـ أن يتخذ موقفاً في هذه القضية لإيمانه بأن حالة الطوارئ الدائمة تتطلب التزاماً أخلاقياً بقول الحقيقة في وجه القوة. وفي بعض الأحيان يحمل هذا الالتزام معه الحاجة إلى التوثيق الدقيق للقهر معروفة لعامة الناس.
ويرتكز الجانب الأكبر من الكتاب على ذكريات شباب من جيل الانتفاضة الأولى الذين التقى بهم المؤلف في زياراته المتكررة لفلسطين وخاصة سكان مخيم بلاطة الذي وقع عليه اختياره. وفي بداية الفصل الأول من الكتاب يرى مؤلفه أن الذكرى ليست بالأمر البسيط. والذكريات ـ بحكم كونها جذابة ومحفوفة بالمخاطر في آن واحد ـ يمكن أن تمثل صدمة مروعة أو مكاناً يبرز فيه الماضي في ومضات خاطفة، في لحظة خطر، وسرعان ما تختفي عندما نحاول اقتناصها.
وقد تكون الذكريات أداة في أيدي الأباطرة ورؤساء الجمهوريات والمؤسسات وغيرهم ممن يسعون إلى بسط هيمنتهم عن طريق تثبيت معنى الماضي، ورغم ذلك يمكن أيضاً أن تكون حليفاً استراتيجياً لأولئك الخاضعين للهيمنة، وقد تساعد الذكريات على إنشاء الأمم أو تمزيقها، وقد تكون ملهمة للأغاني والحكايا والانتقام واندلاع الثورة.
الذاكرة الجمعية
بمعنى آخر فإن الذكريات هي عملية نتيجتها ليست مؤكدة ولكنها على الدوام موضع صراع وإبداع بشري. ويعلم الفلسطينيون ذلك جيداً مثل جميع الشعوب الخاضعة للاحتلال الاستيطاني. وهنا يطرح المؤلف عديداً من الأسئلة التي توالت على ذهنه ومنها: كيف إذن سيتذكر الناس الانتفاضة الأولى؟ وأية جوانب منها اختزنتها الذاكرة الجمعية للشعب الفلسطيني، والعسكريين الإسرائيليين ووسائل الإعلام العالمي؟
وما هي جوانبها التي ينشط واحد أو أكثر من الخصوم في إخمادها؟ وأية أجزاء من ذكراها ظلت مغمورة في الذاكرة الفردية ولا تعود إلى الظهور إلا عند اللحظات الأخيرة من أزمة ما أو في لحظات التأمل؟ وكيف ستتعرض حكايات الانتفاضة العديدة للتحريف أو الجدل أو حشدها للتعبئة الاستراتيجية؟
ويستطرد كولينز قائلاً إن تلك هي الأسئلة التي تشغل بال الدارسين للذاكرة الاجتماعية، وهي نفس أنواع الأسئلة التي قادته إلى مخيم بلاطة، واختياره موقعاً لاستكشاف ما يحدث عندما تمر فترة مثل الانتفاضة الأولى عبر عالم الذكرى.
ومع تركيز المؤلف على جيل الانتفاضة تقفز إلى ذهنه مجموعة من الأسئلة التي تمتد جذورها إلى تجربة النشاط السياسي والعنف السياسي والتي بدا معظمها دون إجابة. وهو يضرب مثلاً على ذلك شاباً فلسطينياً اسمه حاتم ولد وكبر في مخيم بلاطة، وكان في الثالثة عشرة من عمره عندما بدأت الانتفاضة.
ويتساءل كولينز بقوله: ترى ماذا كان شعوره عندما اندفع إلى الشوارع ليواجه جنود الاحتلال الاسرائيلي؟ هل تصرف وهو يعي أنه يمثل شعبه؟ وهل كان يشارك العديد من عجائز المخيم تشاؤمهم السياسي؟ هل كان يعتريه الخوف؟ وهل رأى نفسه واحدا من خاسري التاريخ؟
ام انه كلاجيء كان مستعدا للانتقام للعذاب الذي حل بعائلته؟ أو انه تصرف وكأنه ببساطة واحد من الأولاد؟ ام انه ـ من وجهة نظر راديكالية ـ كان يمارس امرا اكثر اتصالا بالطوباوية امرا لا يمكن احتواؤه في لحظة المواجهة في حدود ما هو وطني فحسب؟
وبعد ذلك يطرح المؤلف سلسلة اخرى من الاسئلة من بينها: من هم بالضبط ابناء جيل الانتفاضة؟ انهم في كل مكان وفي اللامكان فهم من ناحية ملء العين ويطلون علينا بانتظام عبر نشرات الاخبار المسائية وعلى الصفحات الاولى لصحف العالم وعلى اغلفة كتب الانتفاضة والحجارة في ايديهم وهم يرسمون بأصابعهم علامة النصر في مواجهة الدبابات والقوات الاسرائيلية ومن ناحية اخرى يدهشنا ان تغيب اصواتهم عن هذه المواقع العلنية لتحل محلها عبارات رجال السياسة والدارسين والنقاد.
ويحاول جون كولينز في تناوله لجيل الانتفاضة ان يستكشف كلمة «الجيل» من خلال مزيج من التطبيق الاثنوغرافي والبحث العلمي والتحليل السردي والتمحيص الايديولوجي فهو يستخدم مصطلح «الجيل» بطريقتين ترتبطان ببعضهما ارتباطا وثيقا فمن وجه النظر السوسيولوجية البحتة نجده يشير بالكلمة الى جماعات في المجتمع على اساس اعمار افرادها
وهي تلك التي حددت بشكل نمطي في مزيج من المصطلحات البيولوجية والتاريخية.. ومثل هذه التعريفات امر شائع في فلسطين اذ نجد ان «جيل الانتفاضة» كان مسبوقا بـ «جيل الثورة» الذي نشأ في ظل الثورة الفلسطينية في أواخر ستينات القرن العشرين ومن قبله «جيل النكبة» الذي تعرض للتشريد عام 1948.
ويستشهد مؤلف الكتاب ببعض مقالات الاديب الفلسطيني غسان كنفاني التي تناول فيها الاختلافات بين الاجيال واثر السلطة الابوية في المجتمعات العربية ويصل المؤلف الى ان من الخطأ ان نفترض ان الانتفاضة الفلسطينية تمثل المدخل الاول للشباب الفلسطيني الى واجهة حياة شعبهم السياسية بل على العكس
فان «قراءة جيلية» للحركة الوطنية الفلسطينية تكشف وجود وتيرة متكررة يظهر فيها جيل صاعد يتصدى لمخاطر عديدة على المستوى السياسي الكبير: الاستعمار الاستيطاني، والحرب، والشتات ويتحدى بانتظام التسلسل الهرمي السياسي والاوضاع التقليدية القائمة ويندفع الى استكشاف استراتيجيات بديلة للمقاومة ويجسد ايضا امكانيات جديدة بالنسبة للهوية السياسية.
واذا عدنا الى الوراء حتى السنوات القليلة التي تلت عام 1910 عندما كان مستقبل فلسطين في مهب الريح نجد ان مجموعة من الناشطين الشبان هي التي سعت الى التمسك باستراتيجية سياسية راديكادية من خلال سوريا الكبرى كبديل للنزعة الفلسطينية لدى الجيل الاقدم المحافظ.
وبعد ذلك اثناء الانتداب البريطاني على فلسطين «1920 - 1948» لعب الشبان في فلسطين من جديد دورا حاسما في دفع الامور نحو تكتيكات راديكالية للنضال الوطني الصاعد ويقول جون كولينز في كتابه «وفي المدارس، والروابط الثقافية المستقلة وفرق الكشافة والميليشيات المسلحة والجماعات غير الرسمية المشاركة في الاضرابات والمظاهرات في كل هذا على السواء كان «الدماء الشابة» لتلك الفترة من الزمن تمثل تهديدا لا للمشروع الصهيوني وحده
بل كذلك للهياكل الايديولوجية والمادية للحكم البريطاني وكانت العلاقة بين هؤلاء الناشطين الشبان وكبار السن علاقة مركبة شملت كل الوان الطيف من انسجام المصالح حتى المواجهة المفتوحة ثم يستشهد مؤلف الكتاب بجانب من مقابلة اجراها في مايو 1997 مع ابراهيم ابولغد عالم السياسة الفلسطيني الذي نشأ في مدينة يافا في ظل الانتداب البريطاني، والذي روى ذكرياته عن نشاطاته السياسية المبكرة فقال: «انهمكنا في قذف الحجارة،
وكنا دائماً ننظر جانبا لنرى ما إذا كان آباؤنا لا يوافقوننا على ذلك، وقد تلقينا تشجيعا على الاشتراك في المظاهرات، ولكن لم تكن هناك مخاطرة بحياتنا. والآن أصبح الخطر قائماً في الانتفاضة، وقد تعرضنا للسجن على يد الشرطة والجيش البريطانيين، وكنت في الحادية عشرة من عمري عندما تعرضت للسجن على ما أذكر، وقد ضربوني ثم أخذوني إلى مركز للشرطة، وكانت عصي الخيزران في أيديهم واعتاد الجنود أن ينهالوا بها على ظهورنا
عرض ومناقشة: صلاح عويس

