تتحدث هذه الحلقة عن بدايات الاستيطان في الضفة الغربية وهضبة الجولان بُعيد حرب يونيو 1967، وكيف نجحت إسرائيل بخداع الولايات المتحدة من خلال الادعاء بأن المستوطنات الأولى ما هي إلا نقاط عسكرية وليست استيطاناً مدنياً.

ولكن هذه الخدعة سرعان ما انكشفت، حيث اتضحت حقيقة الحركة الاستيطانية المنظمة التي تستهدف تغيير الواقع على الأرض تحقيقاً للأهداف الصهيونية المبيتة.

وعلى الرغم من الإدانة الأميركية المبكرة لبناء المستوطنات، التي أصبحت فيما بعد عقبة حقيقية على طريق تحقيق السلام، إلا أن حركة الاستيطان استمرت بقوة طوال السنوات الماضية، وتحولت إلى كابوس ينغص حياة الفلسطينيين ويقضي على الأمل بتحقيق أية تسوية سلمية.

يقول المؤلف إن معظم المستوطنين اليهود يقيمون في المئة وتسعين مستوطنة المصرّح بها والتي تم بناؤها فوق أراضٍ تمت مصادرتها من ملاك عرب أفراد أو مما يُطلق عليه أرض عامة (أي أرض غير مملوكة لأحد)، رغم أنه من الصعوبة بمكان التمييز بين الأرض الخاصة والأرض العامة في منطقة لا تتوافر بها سجلات رسمية عن ملكية الأرض، وعادة ما تقوم ملكية الأرض على أساس الأعراف والتقاليد القديمة الخاصة بوضع اليد. وبعد حرب 1967 قامت الحكومة العسكرية الإسرائيلية بتفسير الوضع القانوني للأراضي بطريقة تخدم مصالحها.

وقامت بالاستيلاء على مناطق شاسعة تحت ذريعة «الأسباب الأمنية» لتصبح هذه المناطق في نهاية المطاف مستوطنات مدنية إسرائيلية. وعادة ما يفسر الغزاة القوانين بما يخدم مصالحهم، كما كان الحال في أميركا حيث يقول ستيوارت بانر، وهو بروفيسور في جامعة أوكلا إن الهنود فقدوا الكثير من أراضيهم نظراً للتناقض المستمر بين القانون وتطبيقه.

ويضيف المؤلف قائلاً إن المستوطنات الإسرائيلية «المرخصة» الجديدة تشتمل على كل وسائل الحياة العصرية المريحة من فيلات على أحدث طراز ومراكز تسوق ذات تصميمات حديثة تحيط بها الحدائق، بينما تنتشر برك السباحة الخاصة التي تطل على القرى الفلسطينية، حيث لا تزال الصهاريج تجلب لها المياه مرتين في الأسبوع.

وبمرور السنين أصبح واضحاً للزائر أن سكان معظم هذه المستوطنات يشعرون بالاقتناع بأنهم وأحفادهم سوف يبقون بها إلى الأبد. أما في المستوطنات النائية التي من المقرر الآن تفكيكها، وفي المستوطنات «غير المرخصة» فإن أحاديث المستوطنين تكون أكثر مرارة حيث يقول بعضهم: «لقد ألقى بنا النازيون في هذه الأماكن البعيدة، لكنهم لن يستطيعوا اقتلاعنا منها».

وعن أوضاع الضفة الغربية، يقول المؤلف إن معظم مناطقها لا تزال مناطق حرب. فالوجود العسكري الإسرائيلي ملحوظ في كل مكان مع وجود العديد من نقاط التفتيش والأبراج ذات الجدران المضادة للرصاص والتي تطل على القرى الفلسطينية الرئيسية. ولهذه الأبراج فتحات للمراقبة أو لإطلاق النار، وفي أعلاها العديد من الهوائيات الطويلة، وترفرف فوقها أعلام إسرائيلية كبيرة مرفوعة فوق صواري طويلة. وتقبع أمام هذه الأبراج سيارات مصفحة على أهبة الاستعداد لأي تدخل سريع. كما يوجد خلف الجدار الكبير العديد من الجدران الجديدة الأقل ارتفاعاً والتي قام الجيش ببنائها وتمتد بمحاذاة الطرق المحلية، ويمكن استخدامها لإغلاق أي طرق هروب سهلة لسيارات مقاومين محتملين.

مغزى الأعلام الإسرائيلية

ويقول المؤلف إنه في كل مكان على الطريق بين القدس والخليل، وبين القدس ونابلس، يمكن لأي شخص رؤية أعداد كبيرة من الأعلام الإسرائيلية الضخمة، في محاولة لتأكيد السيادة وسط سكان معادين. ويضيف الكاتب: «لم أر مطلقاً مثل هذا العدد من الأعلام في السنوات الماضية. إنها في كل مكان على الطرقات وفي تقاطع الطرق وحول كل مستوطنة، وفوق كل عمود إنارة، وفوق أسوار الأسلاك الشائكة».

وفي كل مكان تقريباً هناك شبكات طرق منفصلة تماماً، شبكة طرق للإسرائيليين فقط، وأخرى للفلسطينيين، مع وجود أنفاق، وطرق علوية تمكِّن الإسرائيليين من قيادة سياراتهم للوصول إلى القدس أو تل أبيب من دون أن يلتقوا أو تقع حتى أعينهم على فلسطيني واحد.

وتعتبر شبكة الطرق المخصصة للإسرائيليين شبكة جديدة وعصرية كما ان الطرق التي يستخدمها المستوطنون تمتاز بأنها طرق رائعة وعريضة وجيدة الإضاءة أثناء الليل. أما الطرق المخصصة للفلسطينيين فهي عادة ما تكون قديمة ومليئة بالحفر.

كما توجد عليها نقاط تفتيش كل عشرين أو ثلاثين كيلومتراً. وعند ساعات الذروة يمكن أن تتعرض السيارات الفلسطينية، ومن بينها سيارات الإسعاف، للانتظار لساعات عند نقاط التفتيش. وقام الإسرائيليون مؤخراً بإنشاء نقاط تفتيش جديدة مصممة بحيث لا يكون هناك أي اتصال مباشر بين الفلسطينيين والإسرائيليين الذين يفحصون أوراق الفلسطينيين من خلال وجود فتحات في أبواب من الفولاذ مستخدمين ماسحات ضوئية مرتبطة بقوائم «المطلوبين».

ويقول المؤلف إنه بالإضافة إلى المستوطنات الـ 190 المرخصة، هناك أكثر من مئة مستوطنة «غير مرخصة» ومع ذلك فإن الحكومة الإسرائيلية تزوّد هذه المستوطنات الأخيرة بكل ما تحتاج إليه من شبكات مياه وخطوط كهرباء وطرق أسفلت للوصول إليها. وتظل كيفية حدوث كل ذلك مسألة يكتنفها الغموض. ولكن لا بد وأن مجموعة من السياسيين والمسؤولين وشركات العقارات والحكام العسكريين المتعاطفين، والعديد منهم مستوطنون يقيمون في مستوطنات قريبة، قدموا يد المساعدة لهذه المستوطنات غير المرخصة. كما تقوم الدولة بدور مساعد أيضاً، حيث تخصص مجموعة من أربعة أو خمسة جنود لحماية كل مستوطنة، سواء كانت مرخصة أو غير مرخصة، وتُحاط كل هذه المستوطنات بثلاثة أسوار عالية من الأسلاك الشائكة مجهزة بأضواء كاشفة قوية وأجهزة إنذار الكترونية. وفضلاً عن ذلك، فإن كل شيء في دائرة يبلغ نصف قطرها 300 أو 400 متر من المستوطنة يُعتبر «منطقة أمنية خاصة» ويتم تحذير الفلسطينيين بعدم الاقتراب منها أو دخولها.

تحرشات متكرِّرة

ثم هناك بعد ذلك المستوطنات الأصغر، أو ما يُطلق عليها تعبير «النقاط المتقدمة» وعادة ما يقيم فيها شباب على درجة كبيرة من العنف ومسلحين تسليحاً كاملاً، يتحرشون في أغلب الأحيان بالمزارعين الفلسطينيين المجاورين لهم بهدف إرغامهم على الابتعاد والرحيل. وفي حالات عدة يتعرض المزارعون للضرب ويتم حرق خيامهم وأكواخهم.

وقال مزارع فلسطيني يقيم في أحد التلال جنوب الخليل للمؤلف إن المستوطنين رشوا سم فئران في حظيرة للأغنام والماعز، كما قاموا بتخريب أرضه بالبلدوزر لإتلاف محصوله من الخضروات والعلف. كما يتعرض الأطفال الذين يتوجهون إلى مدارسهم في قرية مجاورة سيراً على الأقدام إلى مضايقات يومية.

وأكد متطوعون من جماعات حقوق الإنسان من السويد وولاية شيكاغو الأميركية للمؤلف الرواية التي حكاها المزارع. كما قالوا له إنهم يرافقون الأطفال في رحلتهم اليومية إلى مدارسهم.

وقد ذكرت مجموعة «بيتسيلم» الإسرائيلية لحقوق الإنسان العديد من الحالات المماثلة في تقريرها لعام 2005. وتم إبلاغ الشرطة، إلا أنه لم يتم توجيه أي اتهامات لهؤلاء المستوطنين.

كما انتقد تحقيق رسمي أجرته وزارة العدل الإسرائيلية السلوك العدواني لهؤلاء المستوطنين، وطالب بتفكيك المستوطنات غير المرخصة والنقاط المتقدمة، ولكن لم يتم اتخاذ أي إجراء بهذا الشأن.

تكلفة إخلاء باهظة

يرى المؤلف أن إقناع 70 ألف مستوطن يقيمون في مستوطنات معزولة أو «غير مرخصة» بالانتقال إلى أماكن أخرى سوف يكون أمراً صعباً، إلا أن الكثيرين يرون أنه أمر ممكن. وقد تزيد تكلفة الإخلاء عشر مرات عن تكلفة إجلاء سبعة آلاف مستوطن من غزة أو ما يتراوح بين 15 ـ 20 مليار دولار. ومن المتوقع حدوث تظاهرات عاصفة للمستوطنين، ولكن إذا ما حدث الإخلاء، فإنه سيصبح قابلاً للتطبيق سياسياً ويرجع ذلك إلى الموقف الأخير لشارون الذي أصبح شعاره «هتكانسوت» (التقارب) قبل أن يُصاب بسكتة دماغية، جزءاً من إجماع أكبر من أي وقت مضى منذ عام 1967. وحتى في مستوطنة «بيت ـ آري» على تلال نابلس المطلة على الشريط الساحلي الإسرائيلي الضيق، سوف يتم إخلاؤها، وفقاً لمصادر إسرائيلية أحاطت مؤلف هذا الكتاب علماً بذلك.

وقبل ذلك ظل شارون لسنوات مدافعاً شرساً عن مشروع الاستيطان، واعتاد على مرافقة كبار الشخصيات من الأجانب إلى الضفة الغربية ليشرح لهم أسباب استحالة تخلي إسرائيل عنها. ومن بين هؤلاء كان جورج دبليو بوش، عندما كان لا يزال حاكماً لولاية تكساس، الذي أخذه شارون في جولة بمروحية فوق العديد من المستوطنات واستمع إلى حجج شارون بعدم إمكانية إزالة المستوطنات، وقيل إنه رد على شارون قائلاً: «إنني أتفهم ذلك. إن إزالة هذه المستوطنات سيكون عملاً جنونياً».

ونتيجة لتطور أفكار شارون، والتغير الذي طرأ على سياسته تجاه المستوطنات، تراجع الفكر القديم لليمينيين المتشددين، بل إن الليكود القديم الذي انفصل عن شارون، قبل أسابيع قليلة من إصابته بسكتة دماغية، عانى من ضعف حاد وتراجعت شعبيته في الانتخابات الأخيرة ليصبح مجرد حزب هامشي لديه تسعة نواب فقط في الكنيست.

ويرى المؤلف أن إسرائيل تبدو الآن وقد أصبحت تنتهج أسلوب الوسط، لا يمين ولا يسار. وأصبح من النادر الآن سماع أصوات المؤيدين العلمانيين لإسرائيل الكبرى، بعد أن كانت أصواتهم هي السائدة قبل ذلك.

أما المتظاهرون الذين خرجوا للشوارع احتجاجاً على الجلاء من غزة قبل أشهر عدة، فقد كانوا جميعاً تقريباً من المستوطنين والمتشددين الدينيين.

ويرى عدد من المحللين الإسرائيليين أن قوة الدفع الأيديولوجية لفكرة إسرائيل الكبرى أصبحت تأتي الآن بصورة أساسية من المتشددين الدينيين المقيمين في المستوطنات، رجال مهووسون بمعتقدات دينية تعود إلى العصر البرونزي، وتعني الحدود بين الرؤية الدينية وبين الواقع السياسي بالنسبة لهم حدوداً غير منطقية ولا مقبولة، وهذه الرؤية هي التي جعلتهم يفوزون بتسعة مقاعد فقط. وكل هذه التطورات تعكس تحولاً سياسياً واضحاً. فقد فقدت مشاريع الاستيطان تأييد أغلب الناخبين الذين باتوا يؤيدون الأحزاب التي لديها الاستعداد للتخلي عن المستوطنات.

ويقول المؤلف إن جهوداً كهذه كانت توصف في الماضي بأنها ستقود إلى مستنقع من المشكلات، إلا أن الاعتدال حل الآن محل التهور والاندفاع، والحجج والبراهين التي جعلت من المعارضين لهذه الأفكار يبدون كالمنبوذين أصبحت الآن واضحة ويتم التعبير عنها بصوت مرتفع، بعد أن كان يتم التعبير عنها، في بعض الأحيان، همساً. ويرى هؤلاء أنه في حالة الإبقاء على الضفة الغربية، فإن على إسرائيل إما أن تكف عن أن تكون دولة ديمقراطية، أو ألا تبقى دولة يهودية.

خداع النفس

ويقول المؤلف إن القادة الإسرائيليين خدعوا أنفسهم قبل أن يخدعوا مواطنيهم عندما تجاهلوا تحذيرات منذ البداية من خطورة إطلاق مشروع الاستيطان. والمثال على ذلك أنه في بداية شهر سبتمبر 1967، أي بعد ثلاثة أشهر من حرب يونيو، اهتم رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الوقت ليفي أشكول بمنح موافقته الأولى لبناء المستوطنات في الضفة الغربية ومرتفعات الجولان.

وقد سُئل المستشار القانوني لوزارة الخارجية ثيودور ميرون «هل يسمح القانون الدولي بإنشاء مستوطنات في الأراضي المحتلة الجديدة؟» رد ميرون بصورة لا تقبل الالتباس: «إن رأيي بإنشاء مستوطنات سكانية في الأراضي التي تحت الإدارة الإسرائيلية يتناقض تناقضاً بيِّناً مع ما نصّت عليه اتفاقية جنيف الرابعة».

ومن خلال الآراء التفصيلية التي أرفقت بهذه الملاحظة، أوضح ميرون أن هذه الاتفاقية التي كانت إسرائيل أحد الموقعين عليها، تمنع إدارة الاحتلال من تهجير أي جزء من سكانها. كما أبدى ميرون ملاحظاته على الحجة السياسية الإسرائيلية القائلة إن الضفة الغربية لا تنطبق عليها صفة الاحتلال لأن وضعها لم يكن مؤكداً، فحدودها مع إسرائيل كانت أحد خطوط النار، وقد قام الأردن بإلحاقها به بصورة منفردة.

ورفض ميرون هذه الحجة لسببين: أولهما سبب دبلوماسي، فالمجتمع الدولي لن يقبل بهذه الحجة، وسيعتبر الاستيطان بمثابة النية الإسرائيلية لإلحاق الضفة الغربية بها، والثاني سبب قانوني حيث إن إجراءات إسرائيل هذه لا تتماشى مع ادّعائها بأن الضفة الغربية هي ليست منطقة احتلال.. والدليل على ذلك القرار العسكري الإسرائيلي الذي صدر في اليوم الثالث لحرب يونيو والذي يدعو المحاكم العسكرية في الضفة الغربية إلى الالتزام باتفاقية جنيف.

فإذا كانت إسرائيل تتعامل مع الضفة الغربية على أنها منطقة احتلال، تكون إسرائيل قد اعترفت بواقع الحال، وهو أمر له أهمية العملية، فإذا كانت الأرض محتلة، فإن العرب الذين يعيشون فيها ليسوا ملزمين بالاندماج في النظام الإسرائيلي، وذلك على النقيض من العرب في إسرائيل الذين أصبحوا مواطنين.

ويقول المؤلف إن ليفي أشكول وقادة إسرائيليين آخرين أدركوا أن منح الجنسية لسكان الضفة الغربية وقطاع غزة سوف يحول إسرائيل وبإيقاع سريع إلى دولة ثنائية الهوية. وفي الحقيقة فإن مذكرة ميرون كانت تهدف إلى إبلاغ أشكول بأنه لا يستطيع تحقيق كل من النتيجتين، فإن كانت الضفة الغربية لسكانها العرب عندئذٍ لا يسمح القانون الدولي أو العرف الديمقراطي لإسرائيل باستيطان اليهود فيها، ومع ذلك فقد أشارت المذكرة إلى السماح بالاستيطان العسكري الذي يُعتبر مؤقتاً، وليس مدنياً.

وقد استغل أشكول هذه الملاحظة، حيث أبلغ بعد أسبوع من تسلّمه المذكرة مجلس الوزراء بأن مستوطنة «كفار عتسيون» سيُعاد بناؤها في جانب أحد فروع الجيش المسمى «ناحال» الذي أقام نقاطاً أمامية شبه عسكرية. وبنهاية سبتمبر وصل المستوطنون إلى «كفار عتسيون» وكانوا يوصفون في الظاهر بأنهم من الناحال، وفي الواقع كانوا من المدنيين. وبذلك استخدم أشكول الحيلة والخديعة لتفسير مذكرة ميرون. إلا أن ذلك عكس مدى الثقة الخاطئة بإمكانية تجنب الإشكالات الدبلوماسية القانونية والعرقية لقضية المستوطنات.

وبعد ذلك، وبعد مرور وقت ليس بالطويل، تم إنشاء مستوطنات على أراضٍ احتلت بعد عام 1967، ومرة أخرى عاد القانونيون الإسرائيليون ومناصروهم إلى التحذير من عواقب ذلك. وبمرور السنين أصبح هناك نحو ربع مليون إسرائيلي يقيمون في الضفة الغربية.

ويقول المؤلف إنه مع سماح السلطات الإسرائيلية باستمرار الاستيطان، بدا واضحاً التناقض بين إبقاء الفلسطينيين تحت الاحتلال العسكري، وتمتع المستوطنين بحقوق المواطنة الإسرائيلية حتى لمجموعات يمين الوسط. ومن هنا سيبدأ التحوُّل في السياسة الإسرائيلية.

المستوطنات والموقف الأميركي

ويعود الكاتب بنا إلى سبتمبر 1967 عندما سمعت الولايات المتحدة عن موافقة إسرائيل على بناء أول مستوطنة في الضفة الغربية. حينئذٍ انتقد المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية مثل تلك الخطوة وقال إنها تتعارض مع جهود التفاوض بشأن مستقبل الأراضي. وباللغة الدبلوماسية، كان ذلك يعني توبيخاً قاسياً. ورداً على ذلك زعمت إسرائيل أن المكان هو مجرد نقطة مراقبة عسكرية مؤقتة.

وفي الربيع التالي، ومع انكشاف هذه المزاعم، طلبت وزارة الخارجية الأميركية من سفارتها في تل أبيب تذكير المسؤولين الإسرائيليين بأن واشنطن «تعارض معارضة دائمة بناء أية مستوطنات» وبأن هذه المستوطنات، من وجهة النظر الأميركية، تمثل انتهاكاً للقانون الدولي. وتم إرسال رسالة بهذا الخصوص بالبريد وليس بالبرق، كما لو أنها رسالة عادية وغير عاجلة. وفي وقت وصول الرسالة، كان المستوطنون قد انتقلوا بالفعل داخل مدينة الخليل بالضفة الغربية.

ويطرح المؤلف السؤال التالي: لماذا لم تواصل واشنطن قوة الدفع تجاه هذه القضية؟ أحد الأسباب، على حد قول مسؤول أميركي فيما بعد، هو أن الولايات المتحدة كانت تواجه مشكلات أخرى على الجانب الآخر من الكرة الأرضية. وتكمن هذه المشكلات في المستنقع الفيتنامي الذي أحدث ورطة عسكرية راحت تستنزف طاقة الإدارة الأميركية تجاه أية قضايا أخرى تتعلق بالشؤون الخارجية.

وكان هناك سبب آخر ـ خاصة خلال أعوام نيسكون ـ كيسنجر ـ وهو أن واشنطن صنفت الصراع الإسرائيلي ـ العربي على أنه يأتي ضمن إطار الحرب الباردة.

وبعد سنوات لاحقة، وبعد انتهاء الحرب الباردة، تصدى جورج بوش الأب للقضية، حيث ربط ضمانات القروض لإسرائيل بتجميد الاستيطان. ونظراً لأن بوش تناول القضية بطريقة خرقاء، فإن هذا التصدي أضرّ به داخلياً. وبعد ذلك جاء بيل كلينتون الذي اقتنع بترك القضية تتقدم في عملية أوسلو، من خلال التركيز من جديد على المفاوضات، إلا أنه خلال فترة رئاسته وصل عدد المستوطنين إلى الضعف تقريباً.

ومع وصول جورج بوش الابن إلى السلطة، عادت قضية المستوطنات إلى نقطة البداية مرة أخرى، حيث سرعان ما تورط بوش في الحرب على الإرهاب التي حلّت محل الحرب الباردة كمفهوم تنظيمي يعفي الإدارة الأميركية من التصدي لقضايا الشؤون الخارجية الملحة، ثم تورط بعد ذلك في المستنقع العراقي الذي يستنزف الطاقات الأميركية.

عرض ومناقشة: فكري بكر