ستتفاوض إسرائيل في نهاية المطاف مع أعدائها، ولكن القضية الوحيدة التي تطفو على السطح هي عدد المدنيين من كل الأطراف الذين يجب أن يلقوا حتفهم قبل إجراء هذه المفاوضات.

وقد وجهت إدارة بوش، إسرائيل والدول العربية التي تنسق مع الولايات المتحدة اللوم إلى إيران وسوريا لقيامهما بإشعال فتيل أسوأ معركة على الإطلاق.

وزعمت هذه الأطراف أن إيران وحليفتها سوريا جعلتا حزب الله يقوم باختطاف جنديين إسرائيليين في المنطقة الحدودية المتنازع عليها. وهي تقول إن طهران كانت تسعى إلى تحويل الانتباه عن المساعي المتزايدة لتقليص برنامجها النووي. وهذا التصور ينطوي على بعض المزايا، ولكنه ليس القصة بأسرها.

في عام 1975، وطئت قدماي أرض بيروت في اليوم الأول من الحرب الأهلية التي دامت 15 عاماً. و رافقتُ الجيش الإسرائيلي عندما غزا لبنان عام 1982 وكنت في النبطية عندما أطلقت المدرعات الإسرائيلية النيران على موكب ديني شيعي.

وقد أججت هذه الحادثة الشهيرة مشاعر شيعة لبنان ضد الإسرائيليين وأفضت إلى ولادة حزب الله. وقامت إيران وسوريا بتدريب وتسليح مقاتلي حزب الله المعروفين بصلابتهم وأخيراً إخراج قوات الاحتلال الإسرائيلي من لبنان عام 2000، ليصبح الحزب أول قوة عسكرية عربية تهزم إسرائيل على الإطلاق، محطماً بذلك أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر. وتعهدت إسرائيل بالانتقام من حزب الله.

إن قلة من الأميركيين هي التي تعرف أن أسامة بن لادن أشار إلى هجمات الحادي عشر من سبتمبر باعتبارها انتقاماً من عمليات القصف التي قامت بها إسرائيل عام 1982 ومحاصرة بيروت التي أوقعت ما يزيد عن 18000 قتيل لبناني وفلسطيني، وحولت المدينة إلى حطام.

وحسب خبرتي فإن حزب الله ليس مجرد أداة تستخدمها سوريا وإيران، وإنما حركة مستقلة التفكير تعد القوة السائدة سياسياً وعسكرياً في لبنان. وعلى الرغم من أنه يتلقى دعماً من طهران ودمشق إلا أنه يسعى إلى تحقيق مصالحه المحلية، التي تتعارض مع حلفائه أحياناً.

ومن قبيل المفارقة، أن حماس في فلسطين وهي حكومة منتخبة ديمقراطياً تحارب في الوقت الراهن الدولة التي تزعم أنها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط وهي إسرائيل. وحزب الله له أعضاء منتخبون في البرلمان اللبناني، وله وزراء في حكومته الحالية.

لماذا قام حزب الله باختطاف الجنديين الإسرائيليين ونصب كمينا لمنقذيهم، وهو يعرف تمام المعرفة عادة إسرائيل التي كثيراً ما ترد على مثل هذه الهجمات بعقوبات جماعية قاسية؟

أوضح الشيخ حسن نصر الله زعيم حزب الله أن الهجمات التي قام بها كانت لدعم الفلسطينيين الذي يخوضون غمار القتال في غزة، الذين دمرتهم الهجمات الإسرائيلية الجوية، البرية والبحرية وذلك عقب قيام المسلحين هناك باختطاف جندي إسرائيلي. وقد كان هجوم حزب الله يهدف أيضاً إلى إطلاق سراح المئات من مؤيديه والأسرى الفلسطينيين البالغ عددهم 10000 أسير تحتجزهم إسرائيل.

وحتى الآن، يعد حزب الله القوة العربية الوحيدة التي تحركت لمساعدة الفلسطينيين الذين يخوضون معركتهم. وقد كان الثمن باهظاً وهو تدمير إسرائيل الأجزاء الرئيسية من البنية التحتية للبنان والمئات من الضحايا من المدنيين.

غير أن حزب الله يواصل إطلاق الصواريخ على شمال إسرائيل، وهي بادرة من شأنها أن تزيد من حنق الإسرائيليين فقط. وقام الفلسطينيون بالأمر ذاته، أي إطلاق الصورايخ محلية الصنع على إسرائيل الذي أفضى إلى انتقام ساحق. فلم تحقق أي من هذه الهجمات الطفيفة أي أهداف عسكرية أو سياسية ذات معنى. وإنما أعطت إسرائيل مبرراً لأن تصب جام غضبها على لبنان.

كما أن كل الأطراف المعنية تتحمل مسؤولية هذه الفوضى المخيفة، الفلسطينيون وحزب الله لقيامهم بإثارة حفيظة إسرائيل، وإسرائيل لمواصلتها العمليات القمعية الوحشية ضد الفلسطينيين واغتيالها زعمائهم. ولكن إدارة بوش تتحمل معظم اللوم، حيث غذت سياساتها المضللة بصورة فاجعة في الشرق الأوسط هذه الأزمة.

ويقع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في قلب مشكلات الشرق الأوسط، وهو المولد الأساسي للعنف المناهض للغرب والذي يطلق عليه «الإرهاب». والحقيقة المرة هي أنه ما من أمة بإمكانها احتواء سلام الشرق الأوسط باستثناء الولايات المتحدة.

لكن إدارة بوش تسيطر عليها إلى حد الاستحواذ خسارتها للحربين في العراق وأفغانستان بحيث أنها لم تبد اهتماماً بما يجري في شرقي المتوسط. إن سياسة أميركا حيال الشرق الأوسط يهيمن عليها يحكمها المحافظون الجدد والمتشددون البروتستانتيون المنحازون إلى اليمين الإسرائيلي التوسعي، وهم يتركون من يمكن أن يكونوا صانعين للسلام مستقبلاً في إسرائيل والعالم العربي للاكتراث بهم.

ضوء أخضر:

أعطى البيت الأبيض إسرائيل ضوءاً أخضر صريحاً لمواصلة دك أراضي لبنان. وفي عام 1982 أعطت إدارة ريغان إسرائيل كذلك ضوءاً أخضر للقيام بغزو لبنان. والنتيجة كانت 15 عاماً من الفوضى، قصف السفارة الأميركية في بيروت وحزب الله.

ترجمة: كوثر علي

عن« أنفورميشن كليرنغ هاوس»

إريك مارغوليس