عندما أطلق رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت قواته البحرية والجوية في لبنان، متهماً تلك الأمة الصغيرة بأنها تقوم «بأعمال حرب»، انهار آخر عمود في سياسة بوش في الشرق الأوسط. في البداية جاء الاستسلام فيما يتعلق بمبدأ بوش،

فيما تحدت بيونغ يانغ وطهران رأي بوش القائل: لن يتم السماح لأسوأ الأنظمة في العالم باقتناء أسوأ أسلحة العالم. ثم جاء تعليق حملة نشر الديمقراطية فيما استغل المتشددون الانتخابات الحرة لتتقدم إلى النفوذ والمناصب في مصر، لبنان، غزة، الضفة الغربية، العراق وإيران.

والآن كشفت عربدة إسرائيل ضد لبنان الأعزل- عمليات القصف التي شملت ممرات الإقلاع والهبوط في المطار، مخازن الوقود، مؤسسات الطاقة، محطات الغاز، المنارات، الجسور، الطرق، وقوافل اللاجئين- عن حماقة بتفويض السياسة الأميركية في المنطقة إلى تل أبيب وبالتالي جعل إسرائيل القائمة على أمر سمعتنا ومصالحنا في الشرق الأوسط.

إن لبنان الذي تدمره إسرائيل - بمباركة من بوش - له حكومة مؤيدة لأميركا تعد حتى الآن مثالاً واضحاً لحملته الديمقراطية. غير أن بوش- عندما سئل في سانت بطرسبرغ عما إذا كان سيهيب بإسرائيل أن تكبح جماح ضرباتها الجوية، بدا أقرب إلى أن يكون شرطيا مدنيا عدوانيا من بروكلين هايتس منه إلى زعيم العالم الحر.

إن ما تخطط له إسرائيل تم وصفه من قبل رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الجنرال دان حالوتس عندما هدد بكل وقاحة «بإعادة عقارب الساعة في لبنان 20 عاما». وقد انتهز أولمرت فرصة اختطاف حزب الله لجنديين إسرائيليين لإطلاق القوات في هجوم مخطط له مسبقاً لجعل الشعب اللبناني يعاني الأمرين إلى أن تنزع الحكومة اللبنانية السلاح من حزب الله، وهي مهمة عجز الجيش الإسرائيلي عن انجازها على امتداد ثمانية عشر عاماً من الاحتلال.

وتفعل إسرائيل الشيء ذاته بالفلسطينيين لمعاقبة أبناء هذا الشعب للجريمة النكراء التي ارتكبوها باختيارهم حماس لتولي السلطة، وقد فرض أولمرت حصاراً اقتصادياً على غزة والضفة الغربية واحتفظ بعائدات الضرائب والجمارك التي تبلغ قيمتها 50 مليون دولار شهرياً.

ومن ثم وجهت إسرائيل تعليماتها إلى الولايات المتحدة بإنهاء المساعدات التي كانت تقدمها للسلطة الفلسطينية، على الرغم من أن بوش دعا بنفسه إلى الانتخابات ومشاركة حماس فيها. وما كان لرئيسنا سوى الإذعان التام.

والنتيجة المتوقعة لكل ذلك هي أن فتح وحماس بدأتا اشتباكاً، وشرع مقاتلو حماس بإطلاق صواريخ القسام على سياج يمتد من غزة إلى إسرائيل. بعدها شقت حماس طريقها إلى إسرائيل، قتلت جنديين، وقبضت على آخر، وعادت به إلى غزة، وطالبت بتبادل للأسرى.

وكان رد إسرائيل أن اختطفت نصف أعضاء مجلس الوزراء والبرلمان الفلسطينيين ونسفت محطة الطاقة الأميركية المؤمن عليها والتي تقدر بخمسين مليون دولار. ما أدى إلى قطع الكهرباء عن نصف مليون فلسطيني، وتلف موادهم الغذائية، وتعذر تنقية مياه الشرب، وأدى إلى أن يتصبب أهاليهم عرقاً من حر الصيف في صحراء غزة. وقُتلت عائلة تتكون من سبعة أفراد وألقي بجثثهم على أحد الشواطئ ما حدا بالجيش الإسرائيلي إلى تفسير الحادثة بإقناعنا بأنها قذيفة مدفعية أطلقت بطريق الخطأ.

فلنقل إن لدى إسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها، وحق شن هجوم معاكس ضد حزب الله وحماس، وحق إزالة القواعد التي كانت صورايخ الكاتيوشا أو القسام تطلق منها، وحق احتلال أرض يتعرض شعبها للهجمات. ولكن ما تفعله إسرائيل هو فرض المعاناة المتعمدة على المدنيين،

وعقوبات جماعية على الأبرياء، لإجبارهم على القيام بأمر هم عاجزون عن القيام به، وهو نزع السلاح من المقاتلين من بينهم. ومثل هذه السياسة تنتهك القانون الدولي ولا تتفق وقيمنا ولا حتى مصالحنا. وهذا مخالف لكل ما هو أميركي ومسيحي. ولكن أين هم المسيحيون؟ ولماذا قام البابا بينيديكت عملياً بمفرده من ضمن القادة المسيحيين بإلقاء خطاب ضد الممارسات الوحشية التي يتعرض لها المسيحيون والمسلمون اللبنانيون؟

عندما قامت القاعدة بالقبض على جنديين أميركيين وقتلهما بصورة وحشية في العراق، لم يقم الجنود الأميركيون بتدمير محطات الطاقة عبر المثلث السني. لماذا إذن لا يلتزم بوش الصمت فقط وإنما يؤيد علانيةً من قام به الإسرائيليون؟

يهاجم الديمقراطيون بوش بسبب الجرائم التي لم يكن هو المتسبب بها، بما في ذلك الجرائم التي ارتكبت في الحديثة وأبو غريب؟ لماذا هم أيضاً صامتون فيما إسرائيل تتبع عن عمد سياسة فرض العقوبات الجماعية على الأبرياء؟

كان هدف بريطانيا الدبلوماسي في الحربين العالميتين استدراج أبناء العمومة السذج بالحرب. وتبدو إسرائيل ووكلاؤها المرتزقة في أميركا عازمين على توسيع نطاق حرب العراق إلى سوريا وإيران وجعل أميركا تخوض غمار القتال والتخلص من جميع أعداء إسرائيل.

وكون تل أبيب تناور محاولة الإيقاع بنا لخوض غمار حروبها هو أمر يمكن فهمه. أما وجود أميركيين يجهلون هذا أو هم ضالعون فيه فهو أمر يدعو للاستنكار. وبالفعل، فإن بوش يتحدث عن أن سوريا وراء قيام حزب الله بالقبض على الجنديين الإسرائيليين. ولكن أين الدليل على ذلك؟

من الذي يهمس في أذن بوش؟ إنهم هم ذاتهم من أخبروه أن العراق كان على بعد شهور من إنتاج قنبلة ذرية وأن الغزو سيكون في غاية السهولة وأنه قد يكون تشرشل وأن القوات الأميركية قد يتم الترحيب بها بالورود والحلوى، أن الديمقراطية ستنتشر في المنطقة وأن الفلسطينيين والإسرائيليين سيجتمعون عندئذ ويحققون السلام؟

ما هو إذن الثمن الذي ينبغي على أميركا دفعه لتعليم هذا الرجل؟

ترجمة: كوثر علي

عن «أنتي وور»