يشير المؤلف في هذه الحلقة إلى أن الغرض الأساسي الذي أرادته إسرائيل من وراء الاستيطان هو تغيير الواقع على الأرض بهدف تحقيق مكاسب لدى تحديد الوضع النهائي للأراضي الفلسطينية المحتلة في أية مفاوضات سلام محتملة بين إسرائيل والفلسطينيين.
غير أن غورنبرغ يرى أن مشروع الاستيطان لم يحقق في النهاية توقعات المناصرين له رغم مرور قرابة أربعة عقود على انطلاقته ورغم وصول عدد المستوطنين اليهود في الضفة الغربية إلى 250 ألف بالإضافة إلى 180 ألفا آخرين يقيمون في القدس الشرقية. هذا ناهيك عن وجود 160 ألف مستوطن في هضبة الجولان السورية المحتلة.
المعضلة الرئيسية التي تواجه إسرائيل فيما يتعلق بالاستيطان هي أنه أوجد وضعاً أشبه بوضع البوسنة من حيث التداخل العرقي على الأراضي المحتلة ولم يحقق التفوق العددي لليهود على الفلسطينيين الذين يتكاثرون بوتيرة سريعة تقلق الساسة الإسرائيليين.
يقول المؤلف إنه بمرور السنين تزايد عدد المستوطنات الإسرائيلية في قطاع غزة والضفة الغربية. ويشتق الوضع القانوني لهذه المستوطنات من وضع الأراضي التي تم احتلالها خلال أعمال حربية. وعندما أقام المستوطنون في قطاع غزة والضفة كانوا يدركون إدراكا تاما بأنهم يقيمون فوق أرض احتلتها إسرائيل خلال أعمال حربية.
ووفقاً لهذا المنظور القانوني، طرحت حكومة إسرائيل رؤيتها أمام المحكمة العليا الإسرائيلية في ربيع 2005، وراحت تدافع عن موقفها بتفكيك جميع المستوطنات الإسرائيلية في قطاع غزة وأربع مستوطنات في شمال الضفة الغربية.
وقال محامو الدولة إن المستوطنين الذين لجأوا إلى المحكمة للاعتراض على شرعية ذلك القرار يدركون إدراكا تاماً منذ البداية ان الحكومة والكنيست لديها السلطة لإخلاء المستوطنات المذكورة أو إنهاء احتلال الأراضي.
وأشاروا إلى أن الدولة عندما قامت بحكم الضفة الغربية وقطاع غزة لمدة 38 عاماً، فقد كانت طبيعة هذا الحكم مؤقتة. وقد أبقت إسرائيل على سلطاتها على هذه الأراضي بشكل مؤقت إلى حين ان يتم حل وضع الأراضي إما من خلال اتفاق دبلوماسي أو أي أن تختار إسرائيل من جانب واحد الانسحاب من هذه الأراضي.
وقالت الحكومة إن توطين الإسرائيليين فوق أرض محتلة كان أمراً مسموحاً به، لأن المستوطنات لا تعني الإقامة الدائمة وانها معرضة دائما للتفكيك في أي لحظة. وهذا الموقف الحكومي يمثل تكراراً لموقف مماثل اتخذته الدولة أمام المحكمة في عام 1978.
تغيير الواقع السياسي
ومع ذلك، فإن الغرض من الاستيطان منذ الأيام الأولى من شهر يوليو 1967 عندما ترجل أول مستوطن إسرائيلي من سيارة جيب في المرتفعات السورية، كان لخلق حقائق من شأنها ان تحدد الوضع النهائي للأرض، وتغيير الواقع السياسي قبل أن تبدأ المفاوضات بشأنها.
ويقول المؤلف إنه بحلول صيف 2005، أي بعد نحو أربعة عقود على بدء المشروع الاستيطاني، أصبحت هذه الحقائق تشتمل على نحو 250 ألف إسرائيلي يقيمون في 125 مستوطنة معترف بها رسمياً في الضفة الغربية. وهناك 180 ألفا آخرون يقيمون في المناطق التي تم ضمها من القدس الشرقية، وهي ارض تعتبرها إسرائيل جزءاً من الدولة،
بينما تعتبرها دول أخرى أراضي تحت الاحتلال. وفي مرتفعات الجولان، التي ضمتها إسرائيل في عام 1981، يقيم 160 ألف إسرائيلي في 32 مستوطنة. وحتى أغسطس 2005 أمام تسعة آلاف مستوطن إسرائيلي بقطاع غزة في 21 مستوطنة.
ولا يمكن للأرقام وحدها أن تعبر عن مدى التغيير الذي طرأ على أوضاع الأرض المحتلة. فإلى الشرق من القدس، ترتفع بنايات معالجه أوديم وتمتد من المخدرات الجبلية وإلى أسفل حتى البحر الميت. أما المستوطنة التي سعى إسرائيل جاليلي لإقامتها بزعم أنها مجرد «معسكر عمل»
نمت لتتحول إلى مجتمع يضم 31 ألف شخص لتصبح أكبر تجمع إسرائيلي في الضفة الغربية (باستبعاد القدس الشرقية). وإلى الشمال من القدس، تم بناء طريق سريع لخدمة المستوطنات يمتد بعيداً عن رام الله والمدن والقرى الفلسطينية الأخرى.
وعلى الطريق إلى افرات التي تضم ألفي شخص يمر الطريق من مستوطنة إلى أخرى وكلها تطل على البلدات والقرى الفلسطينية وفوق التلال الأخرى تمتد «النقاط المتقدمة» وهي احدث موجة من الاستيطان وهي عبارة عن بيوت متنقلة لم تحصل على موافقة رسمية لكنها أقيمت بمساعدة من وكالات حكومية فوق أرضها يمتلكها أشخاص فلسطينيون في اغلب الأحوال.
يقول المؤلف ان جهود الاستيطان تعكس استثمارا هائلا من جانب مؤسسات التمويل الرسمية رغم أن أحداً لا يعرف على وجه التحديد حجم الاستثمار الحكومي بما في ذلك أعضاء الحكومة من الوزراء وأعضاء الكنيست ولا تشتمل الميزانية الإسرائيلية على أي بند بعنوان «المستوطنات»
ومع ذلك تؤكد القروض المدعومة للمستوطنين بصورة غير واضحة في ميزانية الإسكان كما تشتمل ميزانية التعليم بطريقة خفية على إنفاق إضافي لمدارس المستوطنات بينما تتضمن ميزانية الدفاع بطريقة ملتوية تكاليف حراس المستوطنات.
وعندما سئل أحد المتحدثين باسم وزارة المالية عن تكاليف النشاط الاستيطاني في عام 2003 قال «ليس لدينا أي معلومات تجعلنا نقدم أي تقديرات. وفي الواقع فان المستوطنات أصبحت تشكل جزءاً لا يتجزأ من الهيكل القانوني والحكومي لإسرائيل رغم أنها تقع خارج حدودها المعترف بها دولياً،
كما ان معظمها يقيم خارج ما تعتبره إسرائيل نفسها حدودها والمشكلة التي أثارها موشى دايان في عام 1968 وهي وضع الإسرائيليين الذين يقيمون في الأرض المحتلة قد تم حلها بتشريعات وقوانين ولوائح وأوامر من الحكومة العسكرية تمنح المستوطنين وضع المقيمين الإسرائيليين،
كما تم إنشاء حكومات بلدية ومجالس إقليمية لإدارة هذه المستوطنات، وفي الوقت نفسه فان المجتمعات الفلسطينية المجاورة تظل تحت حكم القانون العسكري أو اعتبارا من التسعينات تحت حكم مزيج معقد من الإدارة العسكرية الإسرائيلية وإدارة السلطة الفلسطينية.
ووفقا لهذا النظام القانوني الثنائي تملك إسرائيل ما وصفه ليفي اشكول ذات مرة بالمهر أي الأرض ـ دون ان تتورط في زواج يتم من خلال دمج أولئك الذين يقيمون فوق هذه الأرض في المجتمع الإسرائيلي. ويرى المؤلف ان مشروع الاستيطان لم يحقق في النهاية توقعات المناصرين له
ففي الضفة الغربية باستبعاد القدس الشرقية يظل الإسرائيليون يمثلون أقلية صغيرة وحتى في مرتفعات الجولان فان الدروز الذين يمثلون السكان السوريين الوحيدين الذين بقوا خلال الغزو الإسرائيلي يفوقون عدد المستوطنين الإسرائيليين وفي القدس الشرقية أيضاً يتجاوز العرب عدد اليهود في الأراضي التي تم ضمها في عام 1967.
بوسنة مصطنعة
على صعيد آخر فان المستوطنات لم تحقق التقسيم للأرض المتنازع عليها، فالمجموعتان العرقيتان المتنافستان تعيشان في أماكن متداخلة على نفس الأرض في وضع يماثل البوسنة التي تم خلقها بصورة مصطنعة. فقد أصبحت المشكلات التي أثارها مناهضو ضم الأراضي منذ عام 1967 أكثر حدة حيث تحققت تصورات بنحاس سابير عام 1972
فيما يتعلق بالأوضاع الديموغرافية وحتى بعد الهجرة الضخمة من الاتحاد السوفييتي سابقا في التسعينات، فان السكان العرب في إسرائيل والأراضي المحتلة تزايدوا وحققوا التكافؤ على السكان اليهود وأصبح الضم الرسمي للضفة الغربية يعني وجود دولة ثنائية القومية.
ويقول المؤلف ان الوضع المؤقت المستمر للاحتلال كان له تكاليف باهظة فقد تحولت المعارضة الفلسطينية للاحتلال إلى انتفاضات عنيفة وموجات من الهجمات على الإسرائيليين كما أصبح الدفاع عن المستوطنات عبئاً هائلاً على الجيش الإسرائيلي، كما ان المستوطنات زادت من تعقيدات مهمة رسم خطوط تقسيم جديدة كجزء من التوصل لحل للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني.
وفي التاريخ الإسرائيلي فإن وصول اليمين إلى السلطة في عام 1977 كان ينظر إليه على انه احدث ثورة في مشروع الاستيطان أو بمعنى آخر احدث تصعيدا للاتجاهات القائمة فالجيب المتضائل بشمال الضفة الغربية الذي لم يتمكن حزب العمل من منع المستوطنين من دخوله أصبح مفتوحا الآن أمامهم.
كما أعلن الليكود ان مرتفعات الجولان هي جزء من إسرائيل وفي الضفة الغربية وقطاع غزة تم إدخال تغييرات على القوانين تضمن للمستوطنين الحصول على مساحات اكبر من الأراضي ووجدت حركة غوش ايمونيم في الحكومة التي يقودها حزب الليكود استعدادا اكبر للتعاون وتعزيز جهودها. أما الراديكاليون الدينيون فقد لجأوا للمواجهة عندما أجبرت سياسات الائتلاف أو الضغوط الدبلوماسية الحكومية على التباطؤ في المساعدة على بناء المستوطنات أو حتى في تفكيك بعضها.
وكان أكثر الخطوات ثورية من جانب حكومة مناحيم بيغين هي قرارها بإخلاء مستوطنات سيناء بمقتضى اتفاقية السلام مع مصر في عام 1979 وقد لعب موشى ديان الذي خرج على حزب العمل ليصبح وزيرا للخارجية في حكومة بيغين دورا رئيسيا في الوصل إلى اتفاق يتضمن ان تنسحب إسرائيل إلى الحدود الدولية وتزيل كل المستوطنات في سيناء ومن بينها مستوطنة ياميت التي كانت بمثابة مشروعه الخاص وبهذا الإخلاء اهتزت بشدة إحدى المحرمات الإسرائيلية.
وكان ايغال الون احد المنتقدين للاتفاق حيث زعم انه كان من الممكن إقناع الرئيس أنور السادات بإبرام اتفاقية السلام مع الإبقاء على الجزء الشمالي الشرقي من سيناء في يد إسرائيل وقد توفي ألون متأثراً بأزمة قلبية في فبراير 1980
وهو في خضم معركته ليحل مكانه شيمون بيريز في زعامة حزب العمل وبالتالي لم يشهد الرجل الذي اعتقد ان بإمكانه إعادة رسم الحدود، عملية إخلاء المستوطنات. كما لم يشهد ديان الذي توفي في أكتوبر 1981 قيام الجيش الإسرائيلي بتفكيك مستوطنة ياميت وعودة بدو سيناء إلى أراضيهم.
كارثة سياسية
وبالنسبة للعلمانيين من المؤمنين اليهود بكامل الأرض، فإن الانسحاب من سيناء كان كارثة سياسية. وبالنسبة لكتلة المتدينين، فإن الانسحاب كان يمثل لهم قضية لا يمكن التفكير فيها لاهوتياً. وفي الوقت الذي قبل فيه مستوطنو سيناء التعويضات السخية ورحلوا بسلام،
فقد احتل الآلاف من معارضي الانسحاب، ومعظمهم من حركة غوش إيمونيم، المستوطنة، ووعدهم الحاخامات بتدخل إلهي. وفي النهاية وبعد ثلاثة أيام من المواجهات اضطرت القوات الإسرائيلية في أبريل 1982 إلى مواجهة المحتجين وإخراجهم فرداً فرداً من داخل المنازل.
بعد ذلك خطط ناشطون بارزون من حركة غوش إيمونيم لوقف عمليات الإخلاء من خلال اللجوء لوسائل أكثر تطرفاً، ومنها نسف قبة الصخرة في قلب القدس. وكان يهودا اتزيون، مؤسس مستوطنة عوفرا، هو زعيم المؤامرة. وكان يعتقد أن الانسحاب هو علامة على أن الله يعاقب إسرائيل من جديد لعدم اتباعها الطريق الصحيح. إلا أن إصابة خبير القنابل بالمجموعة بالتهاب كبدي أدت إلى إحباط الخطة.
وفي عام 1984 ألقت السلطات الإسرائيلية القبض على أعضاء بمجموعة سرية للمستوطنين قامت بتنفيذ هجمات إرهابية ضد فلسطينيين بالضفة الغربية، واكتشف جهاز «الشين بيت» خلال التحقيقات أن أفراد هذه المجموعة التقوا من أجل تنفيذ خطة نسف قبة الصخرة والقيام بسلسلة من أعمال التخريب.
كان ذلك بمثابة جرس إنذار بما يمكن أن يحدث من تصرفات خارج إطار القانون. ومع ذلك فقد كانت الأحكام الصادرة ضد هؤلاء مخففة، ما يعني تعزيزاً لثقافة عدم الشرعية. وانقسمت حركة غوش ايمونيم بين مؤيدين ومعارضين لهذه المجموعة السرية، ولكن عندما غادر بعضهم السجن، حصلوا على مناصب قيادية بين المستوطنين الذين سرعان ما وسعوا نفوذهم بالضفة الغربية.
حل أرييل شارون، الذي كان وزيراً للزراعة، محل إسرائيل جاليلي رئيساً للجنة الاستيطان. وبالعمل مع غوش ايمونيم طبق شارون على الضفة الغربية نفس المنطق الذي اعتمده بخطته في قطاع غزة، وهي الخطة التي تجعل للمستوطنات اليد العليا على الأرض، وتقوم على بناء مستوطنات تفصل بين المدن الفلسطينية وتقسم الأرض المحتلة بحيث تمنع قيام دولة فلسطينية.
ثم يقترح شارون في نهاية المطاف منح حكم ذاتي محدود للفلسطينيين في «جيوب» متروكة بين أصابع مستوطناته. وكان الأسلوب الذي انتهجه شارون فيما يتعلق بالاستيطان، يمثل نسخة متطرفة من أسلوب ألون، وهو الاحتفاظ بأرض يعتبرها أساسية لأمن إسرائيل، لكنه يفتقر لاستنتاج ألون بأن حكماً ذاتياً فلسطينياً تحت سيطرة إسرائيلية دائمة سوف ينظر إليه دولياً على انه استعمار.
ولم يقف مسؤولو الليكود حجر عثرة في طريق التزامات حزب العمل القديمة بإنشاء قرى تقوم على أساس الاشتراكية، وصدقوا على فكرة «المستوطنات التعاونية» وهي عبارة عن جيوب إسرائيلية صغيرة ومغلقة يهيمن عليها القوميون الدينيون من حركة غوش إيمونيم والتي سرعان ما انتشرت بامتداد جبال الضفة الغربية.
وبالقرب من الخط الأخضر، نمت مستوطنات كبيرة في غضون فترة زمنية قصيرة. وهذه المستوطنات استقطب مستوطنين علمانيين معظمهم من غير المهتمين بالشؤون السياسية. وساهم دعم أسعار المنازل وسهولة المواصلات إلى القدس أو تل أبيب في جذب المزيد من هؤلاء المستوطنين.
كما أبدى الليكود اهتماماً بقطاع غزة، حيث أقام حزب العمل خمس مستوطنات ـ ثلاث في الركن الجنوبي من القطاع، في منطقة أطلق عليها اسم «قطف بلوك». ومع فقدان مستوطنة «رافيا بلين» طورت الحكومة هذه المنطقة لتكون بمثابة منطقة عازلة بين مصر والمدن والمخيمات الفلسطينية في القطاع. وبحلول عام 1987 أصبح 2500 مستوطن يسيطرون على 28% من أرض قطاع غزة.
وفي الوقت ذاته اضطلع خريجو معهد «بيسدير يشيفوت» ومتعلمون آخرون يعتنقون مبادئ حركة غوش ايمونيم بدور مهيمن على النظام الدراسي الديني الذي تديره الدولة. واستوعب جيل جديد من الإسرائيليين المتدينين القيمة الكبيرة للأرض بكاملها واعتبروها حقيقة لا تقبل الجدل. واجتذب العامل العرقي، وكذلك الدعم الحكومي، الشباب المتدينين إلى المستوطنات التي تحولت إلى أماكن تضم متشددين دينيين بأفكارهم وملابسهم وتصرفاتهم.
تغير تكتيكي
واستقال بيغين في عام 1983، وخلفه اسحق شامير كزعيم لحزب الليكود وكرئيس للوزراء. وفي الانتخابات التي جرت في العام التالي، دخل شامير في مواجهة مع شيمون بيريز الذي غير من جلده وأصبح أحد الحمائم.
ويقول أحد الخبراء في شؤون حزب العمل، إن التغيير كان تكتيكياً في البداية. فبوصفه زعيماً للمعارضة، يصبح بإمكان بيريز رسم هوية سياسية مميزة بأن يكون على يسار الليكود. وبمرور الوقت تحول هذا التكتيك إلى مبدأ.
ويقول المؤلف إنه عندما اقتربت إسرائيل من انتخابات 1984 كانت تعاني من معدلات تضخم عالية وكانت غارقة حتى أذنيها عسكرياً في المستنقع اللبناني. ومع ذلك كانت نتيجة الانتخابات غير حاسمة مما أجبر العمل والليكود على المشاركة في السلطة.
وتبادل بيريز وشامير رئاسة الوزراء، وأصبح اسحق رابين وزيراً للدفاع. وأدى هذا الوضع الجديد إلى إبطاء عملية إقامة مستوطنات جديدة، لكنه لم يوقف نمو المستوطنات القائمة. وارتفع عدد الإسرائيليين الذين يقيمون في مستوطنات الضفة الغربية، باستثناء القدس الشرقية التي تم ضمها، بمعدل 80% على مدار السنوات الأربع التالية.
وبحلول عام 1988، ساهم ما يمكن وصفه بمشروع ضم بالحركة البطيئة في إشعال الانتفاضة الفلسطينية الأولى في الضفة الغربية وقطاع غزة. ومع انهيار نظام تقاسم السلطة في عام 1990 وعودة حزب العمل إلى المعارضة، بدأ إسحاق رابين العودة إلى زعامة حزبه،
وفي فبراير 1992 هزم بيريز في أول انتخابات كبرى لحزب العمل. وبينما راحت حكومة شامير تروِّج لبيع منازل بأسعار التكلفة في مستوطنات الضفة الغربية، دخل رابين الحملة الانتخابية على رئاسة الوزراء بوعد أن يخفض الإنفاق على المستوطنات.
وفي يونيو من العام نفسه، أصبح رابين في نهاية المطاف رئيساً منتخباً للوزراء. وأراد رابين أن يصحح أخطاء فترته الأولى من الحكم وذلك من خلال تشديد قبضته على أعمال الحكومة. كما منح عدوّه القديم شيمون بيرز وزارة الخارجية بدلاً من الدفاع، وسعى لتقليص سلطاته.
ودخل في صفقة سلام مع الفلسطينيين، تعني بصورة حتمية التخلي عن أراضي الضفة الغربية. ومع ذلك ظل موالياً لأسلوب آلون وهو التمييز بين «المستوطنات الأمنية» و«المستوطنات السياسية». وكان النوع الأول من المستوطنات مناسباً لخريطة العمل القديمة وبالتالي كانت مقبولة، بينما كان النوع الأخير غير ضروري.
ويستطرد الكاتب قائلاً إن الإعلان في سبتمبر 1993 عن اتفاقية أوسلو التي تم التفاوض عليها في إطار من السرية، بدا أنه يعني أن الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني اقترب من الحل، وأن الأرض المتنازَع عليها سوف يتم تقسيمها من خلال اتفاق متبادل.
واعترفت إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية ببعضهما البعض. وقضت الاتفاقية بأن يحصل الفلسطينيون على الحكم الذاتي في غزة وأريحا أولاً، ثم في مناطق أكبر من الضفة الغربية، وذلك خلال فترة انتقالية تستمر خمس سنوات يعقبها إبرام اتفاق سلام نهائي.
ومع ذلك، وكما يقول غورنبيرغ مؤلف كتابنا، فإن اتفاق أوسلو اشتمل على الكثير من جوانب القصور على عكس ما بدا. فقد ترك الاتفاق كل القضايا الرئيسية عالقة، ومن بينها مستقبل القدس والأماكن المقدسة بها، قضية اللاجئين الفلسطينيين، المستوطنات، الحدود، وتم ترحيل كل هذه القضايا إلى مفاوضات الوضع النهائي.
