يستمد هذا الكتاب أهميته من ارتباط طروحاته بالتحولات السياسية الكبرى التي تشهدها المنطقة من ناحية، ومن نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة من ناحية أخرى، حيث فقد مشروع الاستيطان والتوسع فيه تأييد أغلب الناخبين الإسرائيليين، بل إن إيهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي كشف عن خطط للتخلي من جانب واحد عن المزيد من المستوطنات في الضفة الغربية.
وصرح بأنه سيوقف عقود التوظيفات المالية لإكمال البنى التحتية لهذه المستوطنات، ولا تعكس هذه التصريحات التغيرات لدى أولمرت وحده، بل تعكس التطورات آراء معظم الإسرائيليين أيضاً، حيث أظهرت استطلاعات الرأي أن الناخبين الإسرائيليين يدعمون الأحزاب التي لديها الاستعداد للتخلي عن المستوطنات.
مؤلف هذا الكتاب هو غيرشوم غورنبرغ الصحافي الإسرائيلي، أميركي الأصل، الذي قدم من قبل كتابه «التشدد والعمل من أجل جيل الهيكل» كما شارك في تأليف كتاب عن حياة إسحاق رابين، وعمل لسنوات عديدة كاتب عمود بصحيفة «جروزاليم ريبورت»، كما كتب أيضاً العديد من المقالات في «نيويورك تايمز ماغازين»، وصحيفة «واشنطن بوست»، بالإضافة إلى صحيفتي «هآرتس» و«معاريف» الإسرائيليتين.
ويقع هذا الكتاب والذي أصدرته أخيراً دار «تايم بوكس» الأميركية للنشر في 454 صفحة من القطع المتوسط.
بداية دراما سياسية
يشير المؤلف إلى أنه بعد أن هزمت القوات الإسرائيلية جيوش مصر وسوريا والأردن في يونيو 1967، بدا أن إسرائيل وصلت إلى قمة النجاح، ولكن بدلاً من أن تكون هناك نهاية سعيدة، برهنت الحرب على أنها مجرد بداية لدراما سياسية غاية في التعقيد لتطفو على السطح قضية محورية يلخصها سؤال محدد: هل يتعين على اليهود بناء مستوطنات في الأراضي التي تم الاستيلاء عليها خلال تلك الحرب؟
يروي غيرشوم غورنبرغ تفاصيل الولادة الغريبة لحركة الاستيطان، التي كانت من بنات أفكار النزعة الاشتراكية، كما يتبناها حزب العمل والتطرف الديني، ويقول إنها قصة درامية يتورط فيها قادة إسرائيل ـ موشي ديان، غولدا مائير، ليفي اشكول، إيغال آلون.
كما يوضح المؤلف أن إدارات جونسون ونيكسون وفورد أغمضت عينيها تماماً عما يدور من تطورات في الأراضي المحتلة، وذلك في الوقت الذي كانت متورطة حتى الآذان في مستنقع فيتنام والصراع العالمي مع الاتحاد السوفييتي.
ويفتح غورنبرغ في كتابه المهم نافذة على التاريخ السري للمستوطنات، ويروي قصة أول مستوطن إسرائيلي في الأراضي المحتلة، وصل بعد خمسة أسابيع فقط من انتهاء حرب يونيو، كما يكشف النقاب عن رأي المستشار القانوني لوزارة الخارجية الإسرائيلية في ذلك الوقت عندما قال إن الاستيطان في الضفة الغربية سيمثل انتهاكاً لاتفاقية جنيف الرابعة.
كما يكشف المؤلف النقاب عن المطالب الأميركية بأن توقف إسرائيل التغطية الصحافية لعمليات إقامة المستوطنات الجديدة، كما يشير إلى التأييد غير المتوقع لقرار الأمم المتحدة في عام 1957 بأن الصهيونية هي حركة عنصرية على زيادة نشاط الاستيطان في الضفة الغربية.
وتعتمد الخلاصات التي توصل إليها غورنبرغ في كتابه الجديد على ملفات أرشيفية تم الإفراج عنها مؤخراً، وعلى مقابلات عديدة مع مسؤولين ومستوطنين ليلقي ضوءًا جديداً ومغايراً لقضية لا تزال تهيمن على تطورات الأحداث بالشرق الأوسط.
ويقول الكاتب الإسرائيلي المعروف عاموس إلون في تحليل مطول للكتاب نشرته مؤخراً دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس» الأميركية المرموقة إنه بعد أسابيع من المفاوضات الصعبة مع الأحزاب الصغيرة نجح إيهود أولمرت زعيم حزم كاديما الجديد في تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة. ورغم غياب إرييل شارون، الذي دخل آنذاك الشهر الرابع من الغيبوبة، عن الساحة السياسية خاصة خلال الحملة الانتخابية، فقد تعهد الصقور والحمائم على السواء على مواصلة نهجه مهما كان هذا النهج.
ويضيف إن شارون كان رجلاً متهوراً ومثيراً للكثير من الجدل، ولم يكن أبداً رجل سلام، كما وصفه الرئيس الأميركي بوش ذات مرة، لكنه كان دوماً يغرد بمفرده خارج السرب.
ففي عصر تراجع الاستعمار التقليدي وانتهائه مع مطلع الستينات من القرن العشرين، أبدى شارون حماساً شديداً لتدشين «مشروع استيطاني» كبير في الأراضي المحتلة، وهو المشروع الذي يوصف الآن بأنه الخطأ التاريخي الكبير لعام 1967. ولاتزال الأراضي المحتلة تمثل «قيحاً» بالحياة الإسرائيلية، كما لو كانت مرضاً خبيثاً.
ويواصل عاموس إلون مناقشته لكتاب غورنبرغ قائلاً ان المستوطنات في الأراضي المحتلة حوَّلت إسرائيل إلى إمبراطورية صغيرة وضيعة مخالفة للخطوط الآمنة التي سار عليها المستوطنون الأوائل الذين حرصوا على تطوير المجتمعات التي احتلوها وسمحوا بوجود طبقة محلية من النخبة وبحدوث تزاوج بين الجانبين وشيدوا الجامعات وقاموا بتطوير البنى التحتية. إلا أن إسرائيل لم تقم إلا بالنذر القليل من ذلك.
ففي عام 2001 لم تكن هناك إشارة مرور واحدة في الأراضي المحتلة التي تحولت إلى مجرد سوق للعمالة الرخيصة. ويرى البعض ان مشروع الاستيطان يظل العقبة الكؤود الرئيسية أمام تحقيق تسوية تاريخية لإنهاء حرب المئة عام بين حركتين قوميتين على قطعة واحدة من الأرض.
في عيني أشكول
يوضح غورنبرغ أنه بعد حرب 1967 حلق رئيس الوزراء الإسرائيلي ليفي أشكول على متن طائرة مروحية فوق أراضي الضفة الغربية. وعندما كان ينظر إلى الأراضي التي احتلت في الحرب قال: المهر جميل، لكن ماذا سنفعل بالعروس؟ والمهر كان الأرض الرائعة والغنية اما العروس فكان الشعب الفلسطيني الذي كان تعداده في الضفة الغربية يبلع نحو مليون نسمة.
وقد لازمت هذه الازدواجية المتناقضة إسرائيل منذ ذلك الحين. فهذا التوتر بين الجغرافيا والديموغرافيا كان ملازماً للمسار السياسي الإسرائيلي طوال العقود الأربعة الماضية.
وفي هذا الصدد فإن الأطروحة التي يدافع عنها غورنبرغ في كتابه هي أطروحة بسيطة، مفادها ان سياسة إسرائيل الاستيطانية في أعقاب حرب 1967 لم تكن نتاج استراتيجية تم التخطيط لها أو التفكير بشأنها، بل إن اسرائيل لم تكن في الواقع على استعداد للتعامل مع الأراضي التي احتلتها.
ومثل أية حكومة أخرى تعيش في أزمات، فإن أشكول ورؤساء الوزراء اللاحقين كانوا يلعبون بالوقت ويصدرون القرارات الصعبة. ومع وجود جماعة صغيرة ولكنها مؤثرة هي جماعة غوش أيمونيم، فقد تم ارغام الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على البدء في استيطان الأراضي المحتلة، مما أوجد وضعاً معقداً في الضفة الغربية ورثته الحكومات المتعاقبة وصولاً إلى حكومة أولمرت الجديدة.
ويشير المؤلف إلى أنه في الثالث عشر من يونيو 1967 كانت جماعة صغيرة من الإسرائيليين تتجول في منطقة تقع إلى الجنوب من القدس. كانت الأراضي الواقعة في الضفة الغربية من نهر الأردن قد تم الاستيلاء عليها حديثاً من قبل الجيش الإسرائيلي، كما تم الاستيلاء على القدس الشرقية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان.
كانت الجماعة تبحث عن مجموعة من القرى اليهودية المعروفة باسم «غوش صهيون» كان العرب قد دمروها خلال حرب عام 1948.
وكانت الضفة الغربية قد خضعت للسيطرة الأردنية خلال السنوات الـ 19 الممتدة ما بين 1948 ـ 1967، لكن الذين ظلوا على قيد الحياة من سكان «غوش صهيون» السابقين لم يقطعوا الأمل في العودة، وقد سنحت لهم الفرصة مع انتهاء الحرب للعودة وفي نيتهم البقاء. وهي نية شاركهم فيها الإسرائيليون الذين انتقلوا في الوقت نفسه تقريباً إلى المناطق المحتلة حديثاً في مرتفعات الجولان والمدينة القديمة في القدس طاردين منها المئات من العائلات العربية.
واليوم، وبعد أكثر من 40 عاماً من ذلك التاريخ، يعيش نحو 250 ألف إسرائيلي في نحو 125 مستوطنة إسرائيلية معترف بها في الضفة الغربية. وهناك 180 ألفاً غيرهم يعيشون في المناطق التي تم ضمّها من القدس الشرقية، ونحو 16 ألفاً يعيشون في الجولان.
ضغوط المستوطنين
يرى المؤلف أن كتاب «سادة الأرض» من تأليف الصحافية «عكيف الدار» والمؤرخة «أديث زرتال» والذي نُشر باللغة العبرية عام 2005 هو أهم الكتب التي وُضعت عن أولئك المستوطنين وأكثرها شمولية. ويصف ذلك الكتاب الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة بأنه محصلة للضغوط السياسية والانفعالية التي مارسها المستوطنون ببراعة على الحكومة الإسرائيلية التي كانت غير متحمسة لتلك السياسة.
إلا أن غيرشوم غورنبرغ لا يرى في كتابه الذي بين أيدينا الآن، المستوطنات مجرد نتاج للمناورة السياسية، وهو يعتبرها أيضاً تعبيراً عن هوية إسرائيل نفسها. ويقول إن الاستيطان على الأرض كان على الدوام جزءاً جوهرياً من التجربة الصهيونية، لكن الكثير من الإسرائيليين كانوا قد فقدوا ثقتهم بالحلم الصهيوني القديم بحلول عام 1967.
ثم جاء الانتصار الإسرائيلي الساحق في ساحة المعركة ليعكس هذا التوجه، مما شجع الكثير من الإسرائيليين على الانضواء تحت العباءة الصهيونية من جديد وبدء حياة جديدة في الأراضي المحتلة حديثاً.
ويقول المؤلف إنه على الرغم من أن حرب يونيو 1967 انتهت باحتلال غزة والجولان والضفة الغربية، فإن الاستحواذ على الضفة الغربية لم يكن من بين أولويات إسرائيل عند بدء الحرب، إذ إن معظم الإسرائيليين كانوا سيرضون بالحصول على السلام وحده وفقاً لخط الهدنة في عام 1949. إلا أن عدداً آخر من الإسرائيليين لم يكف أبداً عن مواصلة الحلم بإسرائيل الكبرى.
وكان البعض يبرر رغبته في الحصول على المزيد من الأرض بأسباب استراتيجية، في حين كان البعض الآخر مدفوعاً بالمشاعر الدينية والقومية، وعلى الرغم من أن هذين الفريقين ظلا خارج نطاق الأغلبية السائدة، فإنهما مارسا تأثيراً معنوياً وسياسياً كبيراً خلال السنوات العشرين الأولى من عمر إسرائيل.
وفي رصد تلك القوى يتحدث غورنبرغ عمّن يصفهم بـ «الراديكاليين» داخل حركة حزب العمل الذين عارضوا فكرة التقسيم منذ عشرينات القرن الماضي، واستمروا في معارضتهم لها بعد قيام دولة إسرائيل. كما يشير المؤلف إلى قوة مهمة أخرى هي حزب حيروت اليميني بزعامة مناحيم بيغن الذي فاق جميع الفئات والأحزاب الأخرى في مواصلة الأمل بإقامة إسرائيل الكبرى وإدراجه ضمن الأجندة السياسية الإسرائيلية بعد عام 1949.
وبوصفه عضواً في حكومة الحرب التي تم تشكيلها على عجل في يونيو 1967، لعب بيغن دوراً رئيسياً في التوصل إلى القرار المصيري باحتلال القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة.
تحذيرات ذهبت هدراً
يقول المؤلف إنه قبل نشوب حرب 1967 بستة أشهر فقط، حذر خبراء الاستخبارات الإسرائيلية الحكومة من مغبّة الاستيلاء على الضفة الغربية، لأن ذلك يتطلب من إسرائيل السيطرة على شريحة كبيرة من السكان الفلسطينيين المعادين. إلا أن الحكومة الإسرائيلية تجاهلت تلك النصيحة.
ويرى المؤلف أن تطورات الأمور لم تكن تستدعي احتلال الضفة الغربية خاصة بعد أن تأكدت إسرائيل من إبطال مفعول الخطر العسكري الأكبر الذي كان يتهدد إسرائيل والمتمثل في مصر بعد أن أجهز سلاح الجو الإسرائيلي على جميع الطائرات الحربية المصرية تقريباً، حتى قبل أن يتسنى لتلك الطائرات الإقلاع من مدارجها.
ورغم أن الجيش الأردني استفز إسرائيل بتجاهله تحذيراتها من القيام بقصف القطاعات الإسرائيلية من مدينة القدس، إلا أن رد الهجمات الأردنية ما كان يستدعي أبداً احتلال الضفة الغربية.
ويرى المؤلف أن الاستيلاء على الأرض كان عملاً غير عقلاني، ويتعارض مع المصلحة الوطنية الإسرائيلية، ويقول في هذا الصدد إن حالة النشوة التي استبدت بأعضاء حكومة الحرب الإسرائيلية في أعقاب الانتصار العسكري السريع على الجبهة المصرية، أدت إلى تناسيهم للمنطق والاستراتيجية.
ولم يكلف أحد من الوزراء الإسرائيليين نفسه بالسؤال عما إذا كان الاستيلاء على الضفة الغربية والمدينة القديمة في القدس يخدم حقاً مصلحة إسرائيل. ولكن يبدو أن النصر قد ساق إسرائيل بكاملها إلى حالة جنونية، وراح الكثير من الإسرائيليين يتصرفون كما لو أنهم قد أنقذوا بمعجزة من الإبادة وأنهم قد وصلوا إلى عصر الخلاص، بل إن البعض ومن بينهم شلومو غورين كبير حاخامات الجيش الإسرائيلي طالب بنسف المسجد الأقصى وقبة الصخرة.
فيما طالب ديفيد بن غوريون أول رئيس وزراء في إسرائيل بتدمير جدران المدينة القديمة في القدس، بينما بحث رئيس الوزراء في ذلك الوقت ليفي أشكول بجدية في ترحيل مئات الآلاف من الفلسطينيين من المناطق المحتلة إلى العراق.
وبعد الحرب انقسمت الحكومة الإسرائيلية على نفسها حول كيفية التصرف في الأراضي، حيث وقف «الحمائم» الذين يفضلون إعادة معظم الأراضي ومقايضتها بالسلام من جانب بزعامة وزير المالية بنحاس شامير، في حين وقف «الصقور» على الجانب الآخر ومن بينهم بيغن وايغال آلون وديان وكانوا يرغبون في الاحتفاظ بمعظم الأراضي.
دعم متواصل للاستيطان
يقول غورنبرغ إن مشروع الاستيطان لقي دعماً من الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة سواء التي تمثل اليسار أو اليمين، رغم أنه كانت هناك اعتراضات في أوقات مختلفة من جانب أقلية بمجلس الوزراء وحفنة من المعارضين لسياسات الحكومة يتركز معظمهم بين الأكاديميين والصحافيين.
وكان مشروع الاستيطان يهدف في الأساس إلى إرخاء إسرائيل بحدود آمنة كما كان يدعو قرار مجلس الأمن رقم 242 الذي صدر بعد حرب 1967. إلا أن هذا المشروع لم يتوقف وأخذ في الامتداد والتوسع عاماً بعد عام. وكان أول المروجين لهذا المشروع عدد من القيادات العلمانية على رأسهم شيمون بيريز وموشي ديان وايغال آلون. وقد أطلق على المستوطنات في بداية الأمر وصفاً متواضعاً حيث كانت تسمى نقاطاً أمامية.
وعندما سأل أحد الزائرين لإسرائيل ليفي أشكول رئيس الوزراء في ذلك الوقت عما إذا كان يشعر بالقلق من إمكانية حدوث «تمرد» من جانب العرب، رد أشكول قائلاً «بإمكاننا خنق أي إرهاب في الأراضي المحتلة».
وبعد أشكول، مضى رؤساء وزارات اخرون من بينهم غولدا مائير واسحاق رابين قدما في مشروع الاستيطان ولكن لم يكن هناك مسؤول تحمس باندفاع وتهور لمفهوم الاستيطان مثل ارييل شارون الذي تولى وزارة الاسكان ثم وزارة البنية التحتية «مثل الطرق» ثم الدفاع واخيرا رئاسة الوزراء..
ورغم ان شارون قد زعم انه كان يحتفظ دوما في غرفة نومه بكتاب «حرب مريرة من اجل السلام» الذي يتناول الحرب الجزائرية فإنه لابد وانه لم يفهم مضمون الكتاب. واذا كان هذا الكتاب لم ينصحه بما ينبغي عليه ان يقوم به فإنه قد نصحه بما ينبغي الا يقوم به.
لقد اطلق على شارون وصف «البلدوزر الكبير» الذي قام بنشر وتوسيع نطاق المستوطنات بصورة هائلة من دون ان يفكر للحظة في عواقب هذا المشروع الانسانية والسياسية. والامر الذي يدعو إلى السخرية هو انه اصيب بسكتة دماغية عندما حاول في مواجهة موجات العنف المتصاعدة تصحيح الاخطاء الجسيمة التي ارتكبها في سنوات شبابه ولكن هذه المحاولة جاءت متأخرة للغاية وربما كما يقول المؤلف، جاءت بعد فوات الآوان.
وفي الوقت ذاته يتواصل العنف، ووفقا لاحصاءات الجيش الإسرائيلي فقد تم رصد نحو 70 محاولة انتحارية خلال هذا العام حتى الآن رغم ان احدى هذه المحاولات قد نجحت عندما نسف احد الفلسطينيين نفسه داخل مطعم مزدحم في تل ابيب. ولن تكون هذه المحاولة الاخيرة.
مغامرات البلدوزر
يقول المؤلف ان شارون كان رجلا تكتيكيا من الطراز الاول لكنه كان يفتقر إلى التفكير الاستراتيجي لقد اشعل شارون حربا كارثية في لبنان كان يأمل ان تؤدي إلى القضاء على وجود منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان.
وكان شارون مؤمناً بفكرة ضم الاراضي المحتلة منذ البداية، ففي اعقاب حرب 1967 عقد شارون الذي كان مازال جنرالا بالجيش اول اجتماع له مع صحافيين من جريدة «هآرتس» حاول شارون خلال هذا الاجتماع اقناع المحررين بضرورة ان تقوم إسرائيل بضم كل الاراضي التي تم غزوها واحتلالها - أي شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية ومرتفعات الجولان، وقال للصحافيين «اذا كان الفلسطينيون يريدون دولة فبامكانهم الاطاحة بالملك حسين حيث ينبغي ان يكون الاردن المكان لاقامة الدولة الفلسطينية خاصة وان مئات الآلاف من الفلسطينيين يقيمون هناك بالفعل».
إلا ان قلة من الحاضرين لذلك الاجتماع ابدوا تأييدا لتلك الافكار المجنونة التي تدور في رأس جنرال مازال في سن الاربعين.
ونعود مرة اخرى إلى تعليق عاموس الون على الكتاب الذي بين ايدينا حيث يقول ان الحملة الانتخابية الإسرائيلية الأخيرة كانت حملة هادئة ومملة على غير العادة ولم تشهد أي ضجيج او مناقشات تلفزيونية. كان الناخبون يعرفون ان اولمرت ليس بشارون ومع ذلك فإنهم لم يعرفوا الكثير عنه.
وفي دولة تكون فيها النسبة المتوسطة للتصويت 80% في العادة فقد وصل تغيب الناخبين لأعلى معدل على الإطلاق في تلك الانتخابات حيث بلغ نحو 40%، ويعتقد الكثير من المحللين ان معظم الذين امتنعوا عن الإدلاء بأصواتهم كانوا من الشباب الذين يشعرون بالاستياء والضيق من حالة الفساد للعديد من السياسيين ومن جوانب القصور الواضحة بالنظام الانتخابي. وبالتالي فقد اثارت نتائج الانتخابات خيبة امل جميع الاحزاب دون استثناء.
كما فاز حزب كاديما الجديد الذي يمثل الوسط والذي اسسه شارون قبل ان يترك الليكود وتزعمه من بعده اولمرت بعدد من الأصوات اقل مما كان متوقعا حيث حصل على 29 مقعدا فقط بدلا من 41 مقعدا كان من المتوقع ان يحصل عليها الحزب قبل اصابة شارون بسكتة دماغية. واضطرت هذه النتيجة اولمرت إلى اللجوء للأحزاب الدينية وأحزاب صغيرة اخرى لا تشاركه بالضرورة اهدافه خاصة خطته «لفك الارتباط» عن الفلسطينيين.
عرض ومناقشة: فكري بكر