أقصى ما يمكن للعالم أن يعلق عليه الآمال في إطار التطورات الراهنة في الصراع العربي ـ الإسرائيلي هو أن يتم إقرار شكل من أشكال وقف إطلاق النار نتيجة تعرض أحد الطرفين للإرهاق أو الترهيب المؤقت. قد يضطر حزب الله وحماس إلى التراجع ولكن لفترة مؤقتة.
وحتى في حال موافقة أي منهما على شكل من أشكال وقف إطلاق النار، فإنهما يمكن أن يواصلا مهاجمة إسرائيل عن طريق أطراف أخرى تعمل لحسابهما، أو بالإدعاء أن الهجوم جاء بسبب «سوء فهم» أو أنه حادث غير مقصود.
من الواضح للغاية الآن أن حرب الاستنزاف بين الفلسطينيين وإسرائيل والتي بدأت في سبتمبر 2000 قد أشعلت فتيل « عملية حرب» سيكون من الصعب تحويلها إلى أي نوع من أنواع عمليات السلام في السنوات المقبلة. من الواضح أن موت ياسر عرفات لم يحل شيئا.
فالسلطة الفلسطينية الضعيفة التي خلفها وراءه لا يمكن إصلاحها عن طريق حفنة قليلة من القادة الجيدين. قد لا تكون حماس ممثلة لغالبية الفلسطينيين، غير أنها هي وحركة الجهاد الإسلامي تتمتعان بنظام داخلي أفضل وينظر إليهما بشكل واسع باعتبارهما طرفين يمثلان بديلا لعملية سلام لا رجاء فيها.
لا شك أن إسرائيل لم تتوقع الشكر أو العرفان عندما انسحبت من غزة. فمن الواضح أنها انسحبت لأن الانسحاب كان سيجلب لها فوائد هائلة. فالمستوطنون في غزة كانوا يستنزفون الميزانية القومية والقوات العسكرية الإسرائيلية بشكل كبير للغاية.
وكما كانت الحال مع لبنان، فإن القوة العسكرية الإسرائيلية ينظر إليها على نطاق كبير باعتبارها قد هزمت، كما اُعتبر أيضا أن الحكومة الإسرائيلية أُجبرت على الهجوم عن طريق شن حرب استنزاف. وربما لم تكن حماس ولا حركة الجهاد الإسلامي هما الطرف المنتصر بالمعنى الحقيقي للكلمة، غير أن كثيرين من الشباب الفلسطيني المتشدد اعتبرهما كذلك.
وزادت إسرائيل الطين بلة عندما لم تطور خطة ما بعد الانسحاب يتم بموجبها منح الأمل وخيارات اقتصادية لمن تركتهم وراءها في غزة بعد عملية الانسحاب من هناك. فما قامت به من عمليات انسحاب محدودة من مستوطنات في غزة والمستوطنات الأكثر تعرضا للهجمات الفلسطينية في الضفة الغربية لم يخف ما كان يحدث من بناء منتظم الخطى لمستوطنات أخرى، ولم يخف كذلك التوسع في بناء الجدار العازل الموغل بعيدا شرقي حدود 1967.
لقد تسارعت، ولم تتباطأ أبدا، عملية بناء المستوطنات وكذلك العمليات الفلسطينية المسلحة بعد موت ياسر عرفات، وانسحاب إسرائيل من غزة. وجاء انتخاب حماس، الذي أعقب عمليات تصدع وانشقاق في صفوف حركة فتح، ليلقي الضوء بشدة على الأخطار التي تواجه محاولة بناء دولة ديمقراطية من دون أن يكون هناك أساس سياسي تقوم عليه.
وجاءت محاولات إسرائيل لإرغام حماس على تغيير رسالتها القائمة على تدمير إسرائيل ومحاولاتها أيضا لإزاحتها من السلطة السياسية لتزيد الموقف سوءاً. فالفلسطينيون المعزولون والبائسون أضحوا أكثر تشددا، وقويت شوكة كل من سوريا وإيران وازداد ضعف الرئيس الفلسطيني محمود عباس.
كما أن حساسية إسرائيل غير الطبيعية تجاه الخسائر البشرية التي تلحق بها جعلتها أكثر هشاشة على مستويات أخرى. وجاء الغزو الإسرائيلي الجديد لغزة والهجمات الجديدة على حماس ليزيدا من تشدد جيل أصغر وأكثر ميلا للقتال من الفلسطينيين، وأصبح لدى هؤلاء، وليس لدى القادة السياسيين وآبائهم، البنادق والقدرة على شن الهجمات.
لا يمكن لأحد أن يحدد بدقة السبب وراء تدخل حزب الله في مجريات الأمور بالشكل الذي جرى في الفترة الأخيرة. من المؤكد أن الحزب رأى أن هناك فرصة يحاول بها إظهار التزامه بالقضية العربية. ورأى أن الولايات المتحدة في موقف أضعف وأقل قدرة على حسم أمورها بسبب الوضع في العراق.
الأيديولوجية وعدم دقة الحسابات والغضب كلها عوامل تقف وراء تدخل حزب الله في مجريات الأمور وذلك بجانب حقيقة أن إسرائيل أطلقت سراح عدد كبير من السجناء في آخر مرة قام فيها حزب الله بأخذ أسرى إسرائيليين، ومرة ثانية اُعتبرت إسرائيل كأنها قد «انهزمت».
غير أن سوريا وإيران قد تكون لهما أجندة خاصة بهما. فإثارة إسرائيل تحدث انقساما بين الولايات المتحدة، حليفة إسرائيل، وأوروبا. كما أن ما يجري يصرف النظر عما تقوم به سوريا في لبنان وكذلك يصرف النظر عن برنامج إيران النووي.
وكل عمل عسكري تقوم به إسرائيل ضد العرب يؤجج غضبهم ضد أميركا ويقوض نفوذها في منطقة الخليج. فضلا عن أن شد أزر حزب الله من شأنه أن يأتي بفوائد لا تشوبها مخاطر كبيرة. فخسائر لبنان هي انتصار لإيران وسوريا وهو ما يعد نوعا آخر للحروب اللامتوازنة.
كما أن الاستقلال الإضافي لحزب الله يجعله طرفا أفضل في التحرك بالوكالة، فضلا عن البحث عن وسيلة جديدة لإذكاء التشدد بين الفلسطينيين يجعل حماس وحركة الجهاد الإسلامي أكثر استقلالا ، ويجعل الشباب الفلسطيني أكثر عرضة وقبولا للتدخل الخارجي.
فحتى في حال اضطرار حزب الله وحماس، نتيجة ما يتعرضان له من ترهيب، إلى الموافقة على اتفاق لوقف إطلاق النار، فإن المتشددين من المحتمل أن يستفيدوا مما تقوم به إسرائيل. فمن الواضح أن الصواريخ والجبهات الثانوية والأنفاق والإجراءات الأخرى يمكنها على الأقل أن تؤدي إلى وقف فعالية الحواجز الأمنية الإسرائيلية بشكل جزئي وحينها يمكن أن يبدأ هجوم جديد في أي لحظة.
الجانبان يمكنهما تصعيد عملية الحرب. والمشكلة تكمن في أنه لا يمكن لأي طرف، سواء إسرائيل أو الفلسطينيين، أن يحقق الانتصار على الآخر بشكل فعلي. إن قيمهم وأهدافهم متنافرة بشكل مطرد، واحتمالية التوصل إلى تسوية نهائية بينهما تبدو ضعيفة للغاية. إن حرب الاستنزاف بين الإسرائيليين والفلسطينيين والتي بدأت منذ سبتمبر 2000 ستتواصل إلى ما لا نهاية.
ولن تحقق الدبلوماسية الخارجية أي شيء حقيقي لأنه لا توجد هناك أي صيغة توافق مقبولة لأي من الطرفين. وما يزيد الطين بلة هو أن حزب الله والمشددين الآخرين يمكنهم أن يقوموا بدور الطرف الذي يزيد من اضطراب الأمور في أي وقت من الأوقات ويمكنهم توسيع نطاق الصراع من دون أن يلحق بهما خطر كبير، إذ يمكنهم مهاجمة الولايات المتحدة وإسرائيل بشكل مباشر وهم في أمان كبير.
وإذا كان هناك أي أمل فإن هناك أمرين يجب أن يتما أولا. أما الأول فهو أن تساعد الأمم المتحدة لبنان على نزع سلاح حزب الله. والثاني أن تتخلص اللجنة الرباعية للشرق الأوسط المؤلفة من أميركا والاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة،
من حالة الصمت المطبق السيطرة عليها وتضغط على إسرائيل كي توقف إجراءاتها التوسعية في قطاع غزة وكي تساعد الأصوات الفلسطينية المعتدلة من أمثال الرئيس محمود عباس، وتضغط أيضا على الفلسطينيين كي يدركوا أن المساعدة والدعم مرتبطان بالعمل على تغيير أيديولوجية حماس أو إخراجها من السلطة.
ترجمة: حاتم حسين
عن « فاينانشيال تايمز»