يركز المؤلف في هذه الحلقة على فكرة «العودة»، التي تعد فكرة محورية في التراث اليهودي والصهيوني والتي قامت على أساسها دولة إسرائيل انطلاقاً من مقولة إن فلسطين هي الأرض الموعودة لليهود وهي أرض أسلافهم التوراتيين، وبالتالي اعتبروا أن من حقهم العودة إليها والاستيطان على أرضها ولو كان ذلك على حساب أصحاب الأرض الأصليين والحقيقيين.
ويشير المؤلف كذلك إلى أن المشروع الاستيطاني الإسرائيلي الذي بدأ كمحاولة لتطبيق ما يسميه الإسرائيليون «حق العودة» قد تحول إلى هم ومعضلة بالنسبة للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وبخاصة فيما يتعلق بمستقبل إسرائيل في ظل توسع الاستيطان داخل الكتل الديموغرافية الفلسطينية التي تتوسع بوتيرة سريعة جداً تقلق السياسيين الإسرائيليين.
يقول غيرشوم غورنبيرغ إن فكرة الاستيطان في الأراضي الفلسطينية تتأصل بعمق في العقيدة الصهيونية، حيث تعتبر العودة «شيفا» فكرة محورية في التراث اليهودي والصهيوني. فدولة إسرائيل، وفقاً للرؤية الصهيونية ولدت عندما عاد اليهود من الشتات إلى أرض أسلافهم التوراتيين. ويعتقد الكثير من الإسرائيليين أن لهم كل الحق في الأرض، كل الأرض. كما أن النزعة الاستيطانية شكلت حجر الزاوية في الحركة الصهيونية منذ قدوم الجيل الأول للإقامة في المنطقة.
ويشتمل كتاب « إسرائيل وميلاد المستوطنات» الذي نستعرض فصوله على هذه الصفحة على حوارات ومقابلات أجراها المؤلف غيرشوم غورنبيرغ مع العديد من المستوطنين اليهود، حيث يربط الكاتب بين تجربتهم وبين حالة عدم الاستقرار التي ميزت فترة نهاية الستينات من القرن الماضي في أوروبا والولايات المتحدة.
ويقول غورنبيرغ إن الشباب الذين عملوا على تأسيس حركة «اليسار الجديد» كانوا يعانون من عقدة اللاشرعية، حيث شعر أولئك الشباب المعتمدين على دعائم من البطولات اليسارية التي حققها آباؤهم بأنهم قد خذلوا ذلك الجيل الرائد بكل ما ينعمون به من حياة مرفهة، وكان تلاميذ المدارس في إسرائيل قد تربوا على حكايات رواد ما قبل قيام الدولة ممن تصدوا للعداء العربي والبريطاني.
وصارت حياتهم تبدو لهم غاية في الرفاهية بالمقارنة مع حياة أولئك الرواد. وبحلول ستينيات القرن الماضي، كان أبناء الجيل الجديد قد بلغوا سن الرشد، وكانت التحديات الأولى التي واجهت إسرائيل قد بدأت تتراجع وتخفت، وحل الروتين الإسرائيلي محل الدراما الصهيونية.
عندئذ بدأ الكثير من الشباب الإسرائيليين يشعرون بأن بلادهم قد كفت عن إعطائهم ذلك الإحساس الأسطوري بالمغامرة، ولم يقف الأمر عند حدود توقف الهجرة إلى إسرائيل في ذلك الوقت، بل إن الأمر تعداه إلى مغادرة الآلاف من الشبان الإسرائيليين البلاد بلا عودة، والبحث عن الاستقرار في الولايات المتحدة الأميركية.
حلم رومانسي
يقول مؤلفنا إن الغزو الإسرائيلي للضفة الغربية عام 67 أدى إلى مولد حلم رومانسي لدى الإسرائيليين الذين راحوا ينظرون إلى هذه الأراضي على أنها تمثل قلب أرضهم «المزعومة»، بل إن موشي دايان وزير الدفاع الإسرائيلي كان يحلو له وصف الضفة الغربية على أنها «جزء من اللحم والعظم للإسرائيليين» وراح يربط بين معالمها وبين روايات وردت بالكتاب المقدس، بل إن التقارير الرسمية الإسرائيلية استبدلت كلمة الضفة الغربية بمصطلح «يهودا والسامرة».
والآن يبدو أن حلم الضفة الغربية واحتفاظ إسرائيل بمستوطنات فيها قد بدأ في الخفوت مع ظهور تطورات جديدة وتزايد أعمال العنف، وحدوث تغيرات في المفاهيم السياسية الإسرائيلية، إلا أن الكاتب يرى أن الكتاب المقدس لم يكن هو الباعث الوحيد وراء حمى بناء المستوطنات بعد عام 1967.
فقد كشفت تلك الحرب ان المسألة الأمنية تأتي في المقام الأول لدى الكثير من السياسيين الإسرائيليين، الذين بحوزة كل منهم خريطة للأجزاء التي يعتقد أن إسرائيل يجب أن تحتفظ بها لتوفير عمق استراتيجي لها، فيما كان الجيل السابق من الإسرائيليين يرى أن تلك المستوطنات تمثل قوة عقائدية كونها تعبر عن عودة اليهود إلى أرضهم الموعودة «وفقاً لمزاعمهم».
وقد ظهرت منذ البداية أصوات تعارض بشدة هذا الحلم، ففي اجتماع وزاري إسرائيلي عقد في أعقاب حرب يونيو 67، أطلق أحد الوزراء تحذيراً بأن الاحتفاظ بالضفة الغربية وسكانها العرب سوف يؤدي إلى قيام دولة مزدوجة القومية، وهو ما يعيق، من وجهة نظر الوزير، إقامة المشروع الصهيوني المتمثل في الكيان الإسرائيلي.
وعندما سعى رئيس الوزراء ليفي أشكول إلى إنشاء مستوطنات في الخليل، عاتبه رئيس تحرير الصحيفة الناطقة باسم حزبه قائلاً إن تلك المستوطنات سوف تطيل مدة خدمة أبنائهم ثلاثة أشهر، كما ستكون عبئاً عسكرياً وليس رصيداً إضافياً.
ويقول المؤلف إن السنوات الأخيرة أثبتت صحة الكثير من المخاوف التي أعرب عنها بعض الأكاديميين والصحافيين والمثقفين الإسرائيليين، حيث أصبح السكان العرب في إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة مساوين لعدد السكان الإسرائيليين.
وقبل عامين ونصف العام أعلن إيهود أولمرت الذي كان نائباً لرئيس الوزراء في ذلك الوقت أن إسرائيل عليها أن تنسحب من معظم الأراضي المحتلة كي تحافظ على كيانها.
كما وعد أولمرت بإقامة حدود لضمان وجود أغلبية يهودية في إسرائيل وإنهاء خضوع فلسطين للحكم الإسرائيلي. وذلك يعني بالضرورة الانسحاب من أجزاء كبيرة من الضفة الغربية وإخلاء الكثير من المستوطنات.
ولا تزال خطة أولمرت تثير إلى اليوم معارضة الكثيرين خاصة المستوطنين الذين يتزايد غضبهم واستعدادهم للمواجهة ومنهم 32 ألفاً في مستوطنة «معاليه أودميم» و18 ألفاً في مستوطنة «أرييل».
وفي معرض تعليقه المطول على كتاب «إسرائيل وميلاد المستوطنات» يقول المحلل عاموس إتون إن إيهود أولمرت كان حتى وقت قريب شخصية هامشية بشكل نسبي في الهرم السياسي الإسرائيلي.
ولم يكن كثيرون يتوقعون أن يكون أولمرت هو الخليفة المحتمل لشارون. ولو أن شارون قد أصيب بالسكتة الدماغية قبل ذلك لكان حزب الليكود الحاكم قد انقسم إلى حزبين، وكان بنيامين نتانياهو سيصبح رئيساً للوزراء. أما الآن فإن مستقبل نتانياهو السياسي بات غامضاً خاصة وأن شعاره الانتخابي «أولمرت سوف يقسم القدس، ونتانياهو سيحافظ على وحدتها» أتى بنتائج عكسية.
فقد خسر حزب الليكود الذي يتزعمه ثلثي ناخبيه ومعظمهم ذهب إلى كاديما، كما فقدت عبارات مثل «القدس في قلوب الشعب اليهودي» و«صخرة وجودنا» الكثير من توهجها، بل أصبح هناك المزيد من التأييد لإعادة تقسيم القدس بصورة أكبر من أي وقت مضى.
ورغم ذلك فإن أولمرت نفسه يعد واحداً من صقور السياسيين الإسرائيليين، فهو ينحدر من عائلة أيدت إرهابيي حركة «أرغون» اليمينية المتطرفة خلال الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي، وخلال الأشهر التي تلت حرب 67 كان عضواً في عدة مجموعات يمينية منشقة ويقال إنه صانع أحد شعاراتها «الأرض المحررة ستظل إلى» الأبد في قبضتنا» وهو شعار رديء الصياغة باللغة العبرية.
كما هو الحال باللغة الانجليزية. وفي عام 1973 كان أصغر عضو يتم انتخابه في الكنيست. وعندما أصبح عمدة القدس في أواخر التسعينات حظي بشعبية كبيرة لكنه تسبب في كارثة عندما أصدر أمراً مقهوراً وطائشاً بفتح نفق قديم قريب من المسجد الأقصى .
مما تسبب في معارك استمرت ثلاثة أيام بين المتظاهرين من المسلمين والشرطة الإسرائيلية، مما أدى إلى مقتل 79 فلسطينياً وإصابة المئات. وفي اليوم الثاني عندما تم استدعاء الجيش قتل 14 جندياً إسرائيلياً. وقد ارتاب الفلسطينيون في أن اليهود يخططون لتدمير المساجد وإعادة بناء الهيكل اليهودي.
ويقول غاموس إن هذه كانت أسوأ مذبحة من نوعها في القدس الشرقية منذ أن احتلتها إسرائيل في حرب 67. وتم تشكيل حكومة أولمرت في أوائل مايو الماضي. جدير بالذكر أن إسرائيل تظل دائماً دولة صغيرة بحكومة كبيرة العدد. وربما يكون مجلس الوزراء الجديد هو الأكبر في تاريخ إسرائيل، وربما يكون في حجم مجلس الوزراء الصيني!. والرجلان القويان في الحكومة هما أولمرت وزعيم حزب العمل عمير بدريتس وزير الدفاع الجديد.
خطة أولمرت
تقضي خطة أولمرت بفك الارتباط عن الفلسطينيين، حتى لو كان ذلك من جانب واحد بالانسحاب من أجزاء من الأراضي المحتلة إلى حدود لم يتم تحديدها حتى الآن، ولكن ليس إلى حدود ما قبل يونيو 67 كما يصر الفلسطينيون.
ووعد أولمرت بالسعي للحصول على موافقة المستوطنين والاتفاق مع الفلسطينيين على حدود جديدة يتم وضعها وفقاً للجدار الذي يتم بناؤه بالضفة الغربية، ولكن إذا لم يتم التوصل إلى مثل هذا الاتفاق، وهو الأمر الأكثر ترجيحاً، فإنه سيسعى إلى الحصول على موافقة الحكومات الصديقة في أوروبا وكذلك الولايات المتحدة. ويقول عاموسى إن هذه الفكرة هي في الأصل فكرة شارون، رغم أن البعض يقول إنه تمت صياغتها بإلحاح من أولمرت.
وفي الوقت الحالي هناك ثلاث عقبات واضحة في طريق تنفيذ خطة أولمرت. العقبة الأولى برلمانية، فنظراً لافتقار حزب كاديما الذي يتزعمه لأغلبية واضحة، فإن أولمرت يتردد في الاعتماد بصورة أساسية على الأعضاء القليلين من العرب واليساريين بالكنيست الذين سيمنحونه، في أي الأحوال، هامشاً ضئيلاً للغاية. ومع ذلك فإنه لا يزال يأمل في الحصول على أغلبية معقولة تحقق قوة دفع لشعار «التقارب» الذي يرفعه.
ولتحقيق ذلك فإنه يحتاج إلى شركاء ائتلاف من الدينيين والأحزاب الأخرى لا يؤيدون مشروعه، أو يؤيدونه جزئياً. أما العقبة الثانية فهي دولية. فأولمرت يخطط لإجلاء نحو 70 ألف مستوطن من مستوطنات نائية أو معزولة خلال عامين أو ثلاثة أعوام، فيما سيترك الآخرون، ما يزيد على 400 ألف مستوطن، في أماكنهم.
ويقول عاموسى إن تحقيق هذه الخطة لن يكون سهلاً، خاصة إذا أدت العقوبات الاقتصادية على الفلسطينيين بسبب موقف حركة حماس في ظهور موجات جديدة من العنف.
ووفقاً لخطة أولمرت فإنه سيتم إعادة توطين المستوطنين، الذين سيتم إجلاؤهم من المستوطنات النائية، في أماكن أخرى بالضفة الغربية المحتلة، في أماكن خلف الجدار الذي يبلغ ارتفاعه خمسة أمتار ويشتمل على صفوف من الأسلاك الشائكة والأضواء الكاشفة ومناطق الموت وأجهزة الإنذار الالكترونية والكاميرات الرقمية. وقد يقيم البعض منهم بالقرب من مستوطنات كبيرة قائمة سيكون من غير الواقعي أن يتم إخلاؤها.
لكن المشكلة تكمن، وفقاً لما يقوله عاموسى، في أن هذه الحدود الجديدة ستحتاج إلى الصفة الشرعية، لتصبح دائمة. ولذلك فإنه يجب أن يعتمدها ويؤكدها الطرف الآخر. فالخطوات الأحادية لا تؤدي إلى تحقيق الشرعية أو الأمن. وقد ظهر ذلك بوضوح قبل عدة سنوات بعد أن انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان. وكان الانسحاب ناجحاً لأن إسرائيل انسحبت إلى الحدود المعترف بها دولياً على حد قوله.
يقول عاموسى إن الحكومة الإسرائيلية قد وجهت الدعوة لمقاولين لتقديم مناقصات لبناء منازل جديدة لإسكان المستوطنين في مواقع جديدة بأماكن في الضفة الغربية، وسيوفر لهم الجدار الجديد الحماية وعندما يستكمل البناء، سيصل طول الجدار 759 كيلومتراً أي سيكون أطول ثلاث مرات من الحدود الإسرائيلية الأردنية قبل حرب 1967 ليضم الدولة اليهودية داخل حصن هائل.
والعقبة الثالثة تكمن في أن الجدار الجديد سوف يؤدي الى عزل نحو 200 ألف فلسطيني في القدس الكبرى عن أقاربهم وبيئتهم الطبيعية وجامعاتهم ومؤسساتهم العامة وأعمالهم والأراضي التي يمتلكونها في الضفة الغربية. كما سيتم عزل عشرات الآلاف من فلسطينيين آخرين على الجانب الآخر من الجدار عن مزارعهم وبساتينهم.
ويواصل عاموسى تعليقه على كتاب غورنبيرغ قائلاً إن أولمرت واصل، في الخطاب الذي ألقاه في مستهل توليه منصب رئاسة الوزراء، إصراره على أن لإسرائيل حقوقاً تاريخية ثابتة على كل الأراضي الواقعة غرب نهر الأردن، وعليه فقد أوضح أن إعادة تقسيم البلاد أمر لا مفر منه في ضوء ما يوصف بعبارة «القنبلة الزمنية الديمغرافية».
فبحلول عام 2030، وربما قبل ذلك، ستكون هناك أغلبية فلسطينية غرب الأردن، وبدون التقسيم سيتعرض وجود إسرائيل كدولة يهودية للخطر، وقال إن المستوطنات المنتشرة في كل مكان في الوقت الحالي تهدد وجود الدولة».
وعندما سُئل عن سبب عدم إدراكه بإمكانية حدوث أغلبية فلسطينية خاصة وأن ذلك كان واضحاً منذ سنوات، أجاب قائلاً: إنه كان يتوقع قدوم المزيد من المهاجرين اليهود إلى إسرائيل، خاصة من الاتحاد السوفييتي السابق، إلا أنه لم يأت سوى مليون مهاجر فقط، وقال إنه يريد أن تصبح إسرائيل في نهاية المطاف دولة طبيعية يمكن العيش فيها دون أن يهدد سيف الأغلبية الفلسطينية بحلول عام 2030 هويتها.
ووعد بعدم ترك أي إسرائيلي على الجانب الآخر من الجدار، وتقضي الخطط بأن يشمل الجدار القدس الكبرى ومعظم كتل المستوطنات الرئيسية في الضفة الغربية. كما سيمتد في عمق الضفة الغربية حتى معاليه أوديم وهي مستوطنة يقطنها 32 ألف شخص.
وجدار بهذا الشكل لن يؤدي فقط إلى تقسيم المقيمين الفلسطينيين في القدس وعزلهم عن عائلاتهم وأعمالهم خارج المدينة، بل سيؤدي في الواقع إلى تقسيم الضفة الغربية إلى جيبين على الأقل. كما يريد أولمرت أيضاً الاحتفاظ بحرية الحركة في بقية مناطق الضفة الغربية في مواجهة «الأعمال الإرهابية» والإبقاء على «وجود عسكري» في وادي الأردن.
وستقيم إسرائيل بالتالي منطقة أمنية على طول النهر، سوف تقطع المزيد من أراضي الضفة الغربية.
نصف مليون مستوطن
وعودة إلى كتابنا حيث يقول الكاتب غيرشوم غورنبيرغ إنه يوجد الآن ما يقرب من نصف مليون مستوطن إسرائيلي في الأراضي المحتلة، من بينها القدس، وقد اجتذبتهم الحياة في المستوطنات انطلاقاً من إيمان عميق بالقومية الدينية، أو بالإعفاءات الضريبية التي تم منحها لهم، أو بالإسكان الرخيص، أو هذه الأسباب الثلاثة مجتمعة، ويتوجه معظم المستوطنين إلى أعمالهم بإسرائيل في راحة، ويقيم نحو نصف هؤلاء المستوطنين في القدس الشرقية سابقاً وفي ضواحيها، والتي تم ضمها في عام 1967 بمقتضى قانون برلماني.
وتشمل القدس الكبرى الآن منطقة هائلة وهي مدينة «موحدة» اليوم تضم كلاً من الإسرائيليين والفلسطينيين، ويواصل الفلسطينيون مقاطعتهم لانتخابات البلدية «الموحدة»، والضواحي الإسرائيلية الجديدة التي تم بناؤها بعد حرب 1967 في الأحياء العربية ضمن خط التقسيم القديم وخارجه، هي ضواحي فخمة ونظيفة ويتم الاعتناء بها بصورة جيدة، ونظراً لأن مساكنها تحظى بدعم كبير وجرى تشييدها فوق أرض خاصة مصادرة وأرض عامة، فإنها أرخص بمعدل الثلث عن المساكن في القدس الغربية سابقاً، وعلى النقيض من ذلك.
وبعد أن كانت إسرائيل تشجع الفلسطينيين على الهجرة إلى هناك، ثم منعهم في وقت لاحق من شراء شقق في الضواحي الإسرائيلية الجديدة، ولا تزال الحكومة البلدية تهمل الأحياء الفلسطينية المتبقية التي تبدو كالأحياء الفقيرة حيث تكون أكوام القمامة ملقاة في الشوارع وتنتشر الحفر في كل مكان ولا توجد أرصفة بالشوارع ولا أعمدة إنارة ولا مواقف سيارات كما هو الحال على الجانب اليهودي، وكثيراً ما تطفح البالوعات وتغرق الشوارع.
وتصل الآن الضواحي الإسرائيلية الجديدة على الجانب الفلسطيني من خط التقسيم القديم إلى معظم ضواحي مدينة رام الله في الشمال وبيت لحم في الجنوب. وتحيط أحياء سكنية فلسطينية ضخمة بجيوب كبيرة لضواحٍ إسرائيلية أو العكس. ويصعب على أي مراقب أن يرى إمكانية في فصل هذه المناطق وإعادة تقسيمها.
لقد كان ميرون بنفنيستي نائب عمدة القدس السابق محقاً عندما حذر قبل عشرين عاماً من أن مشروع الاستيطان سوف يكون من الصعب الرجوع عنه في وقت قريب. وقد خسر العديد من الحمائم الإسرائيليين في ذلك الوقت من وجهة نظره المتشائمة. وقد ألف أبا إيبان كتيباً ينتقد فيه وجهة نظر بنفنيستي، ونشر الكتيب مركز السلام في الشرق الأوسط.
لكن بنفنيستي كان على حق. لقد تم تحذير إسرائيل في وقت مبكر من أن المستوطنات تمثل انتهاكاً للقانون، وكانت الولايات المتحدة من بين كثيرين حذروها بذلك، كما شارك في التحذير في خريف 1967 المستشار القانوني بوزارة الخارجية الإسرائيلية، الذي أصبح فيما بعد قاضياً بالمحكمة الدولية في لاهاي.
ورغم أن هذا التحذير قد جاء من داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية، إلا أنه قد تم تجاهل هذا التحذير مثل غيره من التحذيرات، وراحت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تتوسع في إقامة المستوطنات، إلا أن الصورة قد تغيرت كثيراً الآن، فبعد أن كان الاستيطان يمثل هدفاً قومياً أصبح اليوم أزمة وطنية لإسرائيل. ورغم تراجع اهتمام الإسرائيليين بالضفة الغربية التي باتت تمثل عبئاً عليهم، فإن الخروج منها صعب للغاية.
عرض ومناقشة: فكري بكر