في ختام الكتاب يناقش مؤلفه باسكال بونيفاس قضية على جانب كبير من الأهمية هي العلاقة بين الكرة والنزعة العنصرية، ويرى أن الكرة انعكاس للمجتمع وتعاني من كل مشكلاته، ومن هنا فإنها لا تولد العنصرية، تماماً كما أن الدموع لا تأتي من المنديل، ويناقش ملامح الظاهرة العنصرية كما تتجلى في ملاعب ايطاليا واسبانيا وفرنسا، وكما برزت في مناطق أخرى من العالم وفي مقدمتها جنوب إفريقيا في ظل نظام الفصل العنصري.

كرة القدم هي مدرسة للصداقة وأفضل وسيلة للنضال ضد العنصرية ولتشجيع الاندماج الاجتماعي. هذا ما يراه البعض حقيقة ثابتة لا يطالها الشك أبدا بينما يعتبره آخرون خطأ فادحا لا يصمد أمام الواقع. بل يرون أنها «محشوة» بالعنصرية وأن ملاعبها هي مجالات مفتوحة أمام التطرف اليميني الذي ترشح منه أشكال البغض للآخر والتمييز العنصري.

ما يؤكده مؤلف هذا الكتاب أن الخطأ الحقيقي، والصعوبة في تبني موقف أحد المعسكرين، يكمنان في الواقع بطرح المشكلة بهذه الصيغة «الكاريكاتورية» إلى حد كبير. إذ من نفي وجود عنصرية في الرياضة هو نفي للواقع ذاته. وكرة القدم هي انعكاس للمجتمع وتعاني من الأمراض والعلل التي يعانيها. لكن هذا لا يعني أبدا أنها هي التي تولدها... فـ «الدموع لا تأتي من المنديل».

كرة القدم هي التي تعاني من العنصرية، وهي ضحيتها أحيانا، ولا تولدها وليست سببها. ولكنها يمكن أن تكون وسيلة للنضال ضدها. والعنصرية ليست ظاهرة حديثة في كرة القدم. ويمكن التأكيد على محدودية تشربها، والرياضة عامة هي سلاح ضد الحماقة والعنصرية وأداة لتعزيز الصداقة بعيدا عن الشقاقات العنصرية.

مورست العنصرية في كرة القدم، مثل غيرها من الميادين، ضد السود مثلا قبل فترة طويلة. وينقل المؤلف عن «ادواردو غاليانو» قوله انه أثناء البطولة الأولى في أميركا الجنوبية عام 1916 طالبت تشيلي بإلغاء المباراة التي كانت قد خسرتها في مساء الليلة السابقة بأربعة أهداف مقابل لاشي لصالح الأورجواي. كانت الحجة المقدّمة هي أنه كان في صفوف هذه الأخيرة «لاعبان افريقيان». وكانا من سلالة العبيد ولكنهما من مواطني الأورجواي أبا عن جد، إذ كانت هذه البلاد هي الوحيدة التي يضم فريقها الوطني لاعبين «داكني» البشرة.

وفي عام 1921، وقبل مباريات كأس أميركا بفترة وجيزة في الأرجنتين، سنّ الرئيس البرازيلي ايبيتاسيو بيسوا «مرسوما أبيض» منع بموجبه لأسباب تتعلق بالرفعة الوطنية اختيار لاعبين ذوي بشرة سوداء. إذ «كان من المستحيل آنذاك وجود لاعب أسود في الفريق الوطني البرازيلي، ومن الصعب جدا وجود لاعب خليط».

وكان من الصعب أيضا أن يكون أي من نظرائهما في أوساط المجتمع البرازيلي الراقي. وكان اللاعب «فريد زيك»، أحد أفضل لاعبي البرازيل آنذاك، يدخل متأخرا دائما إلى الملعب لأنه كان يمضي نصف ساعة على الأقل في قاعة تبديل الملابس من أجل جعل شعره «فاتحا». وكان هناك لاعب خليط «أسمر» آخر هو كارلوس البرتو يصبغ وجهه بمسحوق الأرز.

لكن إذا كانت كرة القدم تعكس آنذاك عنصرية المجتمع البرازيلي آنذاك فإن قوة الجذب التي كانت تمارسها على الجماهير بالإضافة إلى الكفاءات الكبيرة لدى اللاعبين السود «أسقطت بعض المواقع». هكذا أدّى تبنّي الاحتراف في ميدان كرة القدم عام 1933 إلى الصعود الاجتماعي للسود وللخلطاء.

أي أنها قدّمت صورة إيجابية للاختلاط العنصري في بلاد كان النقاش فيها مستمر حول الهوية الوطنية على أساس المرجعيات المستدامة للنماذج الإيديولوجية التي عرفها القرن التاسع عشر وكانت «تستلهم من العنصرية».

وفي عام 1938 وصلت البرازيل إلى دور نصف النهائي في مباريات كأس العالم حيث هزمتها إيطاليا، ليكتب يومها عالم الاجتماع البرازيلي «جيلبير فراير» عن وجود «فريق إفريقي-برازيلي واضح». لكن عندما خسرت البرازيل أمام الأورجواي في بطولة كأس العالم لعام 1950 ألقيت المسؤولية على اللاعبين السود في حدوث مثل تلك «الكارثة الوطنية». وكان الأرجنتينيون قد تعودوا آنذاك أن يصفوا لاعبي كرة القدم البرازيليين بأنهم «ماكاكيتوس»، أي نوع من «القرود السوداء الصغيرة».

وكان لا بد من انتظار عام 1958 مع وجود ديدا وجارينغا، وخاصة بيليه لوضع حد نهائي لذلك النقاش العنصري. وليس هناك اليوم من يحتج على وجود لاعبين سود في الفريق الوطني البرازيلي. وكان الفريق الألماني قد ضم لاعبا أسود للمرّة الأولى بتاريخ 29 مايو 2001 هو الغاني جيرالد أسامواه. أما ايمانويل اوليزاديب، أفضل لاعب بولندي، فهو من أصل نيجيري. وقد عادت بولندا لتسديد الأهداف بعد منحه جنسيتها.

التلميذ السييء

يشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسميه ب«التلميذ السيئ» في عالم كرة القدم، ويقصد به إيطاليا حيث تبدو مظاهر العنصرية بأجلى صورها. إذ من المألوف مثلا أن يرفع مشجعو نادي «لازيو» روما، وهو وريث نادي موسوليني لكرة القدم، الأعلام النازية أو يرفعوا أيديهم بالتحية الفاشية.

هكذا «حاول اليمين المتطرف أن يجعل من المقاعد التي يجلس عليها المتطرفون في ملاعب كرة القدم واجهة لأفكاره وعرضها على شاشة التلفزة، بل وتجنيد الأنصار من خلال ذلك. والنتيجة هي أن المجموعات الفاشية تسيطر على كرة القدم اليوم»، كما جاء في أحد التحليلات، هذا إلى جانب القول بأن «الملاعب ليست سوى أماكن للتعبير عن عنف المجتمع».

وفي نهاية سنوات التسعينات، قام مشجعو نادي «لازيو» برفع لافتة ضخمة كتبوا عليها بالخط العريض موجهين الحديث لخصومهم في نادي «آ. اس. روما» وجاء فيها: «اوشويتز - أي المعسكر الذي أرسل هتلر خصومه إليه- هو وطنكم والأفران بيتكم». لكن مثل هذه الظاهرة تراجعت بعد أن تم تبنّي إجراءات تقول بوقف المباريات إذا جرى رفع شعارات من هذه الطبيعة. لكن منع مثل تلك الشعارات السياسية أدّى إلى تحويل العنصرية ضد اللاعبين السود.

كان اللاعب «زاهوي» من ساحل العاج هو أول لاعب إفريقي يلعب في النوادي الإيطالية اعتبارا من عام 1981، لكن بالمقابل اعتذر رئيس نادي «هيلاس فيرون» عن قبول أي لاعب في الفريق ذلك أن المشجعين لن يقبلوا ذلك أبدا. وفي مايو 2005 اضطر هذا النادي للعب إحدى المباريات في ملعب بدون جمهور بعد الشتائم العنصرية التي صبّها مشجعوه على مدافع سنغالي في فريق خصم. وبتاريخ 28 نوفمبر 2005، وفي الدقيقة 29 من مباراة بين فريق «ميسين» وفريق «انتر ميلانو» أمسك اللاعب مارك-اندريه زورو، الإفريقي من ساحل العاج، بالكرة وتوجه نحو الحكم قائلا: «إنهم يشتمونني، وعليك أن توقف المباراة. كفى، لن أكمل اللعب».

وبتاريخ 6 يناير 2005 رفع «باولو دي كانيو» يده بالتحية الفاشية أمام مشجعي نادي «لازيو» ففرضوا عليه غرامة قدرها عشرة آلاف يورو. فأعاد الكرّة مرة أخرى بتاريخ 11 ديسمبر أمام مشجعي نادي «ليفورن»، معقل الشيوعيين. لكنه أصرّ على عدم إخفاء ميوله حيال الإيديولوجية الفاشية، وهو الذي كان قد عاد بعد سنوات من اللعب في إنجلترا، للانضمام إلى لاعبي نادي لازيو الشهير بقربه من اليمين المتطرف الإيطالي، إنما الذي كان يعاني من وضع مالي صعب جدا، فقبل اللاعب تخفيض نسبة 75 بالمئة من مرتبه.

التحية الفاشية ممنوعة في الدستور الإيطالي، لكن التحية الرومانية التي كان يتم تقديمها للأباطرة ليست ممنوعة. المشكلة هي أن التحيتين متقاربتان جدا، بل ومتشابهتان، مما يشكل «مخرجا» في الكثير من الحالات. لكن مشجعي نادي لازيو أظهروا مواقفهم العنصرية من دون التباس في العديد من المناسبات مثلما فعلوا عام 2000 عندما رفعوا لافتة حملت تحية للمدعو «اركان»، مجرم الحرب الصربي عند اغتياله.

وبتاريخ 23 نوفمبر 2005 انتصر فريق «انترميلانو» بكأس رابطة النوادي البطلة في أوروبا وكان يضم في عداد لاعبيه خمسة من الأرجنتين واثنين من البرازيل ولاعب من كل من كولومبيا والاورجواي والكاميرون والبرتغال. ولم يكن هناك أي إيطالي في فريقه. فخرجت صحيفة «بادانيا»، الناطقة بلسان حزب رابطة الشمال، ذات الميول العنصرية، في اليوم التالي وهي تحمل عنوان: «العار لانترميلانو».

وصرح أحد قادة حزب يميني إيطالي آخر هو «التحالف الوطني»، قوله: «من أجل الفوز ببطولة إيطاليا، أنا مستعد لقبول كل شيء، وحتى فريق مكوّن من أحد عشر من المهاجرين السريين».

إن ظاهرة العنصرية في إيطاليا لا تقتصر على ملاعب كرة القدم، ولا تعود فقد لعشرين سنة ماضية، ولكن لها جذورها في المجتمع الإيطالي. لا شك بأنها تفاقمت خلال العقود الأخيرة إذ ازداد عدد المهاجرين إلى إيطاليا من 000 350 مهاجر في مطلع سنوات الثمانينات إلى 000 400 1 مهاجر حاليا، حسب الإحصائيات الرسمية المعلنة. وكانت إيطاليا قد شهدت في بدايات القرن العشرين ظاهرة هجرة داخلية كبيرة من أبناء الجنوب باتجاه مناطق الشمال الصناعية الغنية.

«وكان إيطاليو الشمال قد نظروا دائما بازدراء إلى إيطاليي الجنوب». وكان اللاعب الأرجنتيني الشهير مارادونا قد جوبه دائما بـ «الصفير» عام 1990، أثناء مباريات كأس العالم في إيطاليا لأنه كان يلعب مع نادي نابولي الذي فاز معه بكأس إيطاليا.

ويتمثل التبدّل الكبير في ميدان الهجرة إلى إيطاليا خلال العشرين سنة الأخيرة بتوجه عدد كبير من الأفارقة إليها باعتبارها إحدى البوابات الرئيسية للدخول إلى أوروبا. والأسود في إيطاليا مرادف للمهاجر السري أو للبائع المتجول. وكانت محكمة إيطالية قد ألغت بتاريخ 5 ديسمبر 2005 حكما صدر ضد أحد الإيطاليين بتهمة «الشتم وإظهار مشاعر الكره العنصري»؛ إذ رأت تلك المحكمة أن استخدام المدان لتعبير «عبد قذر» لا يعبر عن تمييز عنصري وإنما هو «رد فعل لعدم التعاطف له علاقة بالمورثات».

الحنق والعنف

ويتعرض المؤلف في هذا السياق لكتاب الإيطالية «اوريانا فلاتشي» الذي يحمل عنوان «الحنق والعنف» الذي يصفه بأنه «كتاب عنصري صريح» والذي باع أكثر من مليون نسخة في إيطاليا. ومما جاء فيها قولها عن المسلمين في إيطاليا انهم «يتكاثرون مثل الفئران» وتضيف «من أجل طردهم ـ لأنهم يقومون بعملية غزو ـ قد يكفي رصّهم في صفوف واقتيادهم إلى مرفأ أو مطار وطردهم إلى بلادهم». لكن مع هذا قام رئيس الجمهورية الإيطالية في شهر ديسمبر 2005 بتسليم ميداليات ذهبية لعدد من الشخصيات بينها أوريانا فالاتشي.

هذا يدل بوضوح على أن مشكلة العنصرية في إيطاليا تتجاوز كثيرا كرة القدم. ثم إن لاعبي كرة القدم يعرفون أحيانا أن يقدموا إجابة على العنصرية أكثر «بلاغة» من القادة السياسيين. ففي 26 مايو 2001، غادر مشجعو نادي «ترينيز» الملعب وهم يرددون بأعلى صوتهم: «لا نريد لاعبا أسود»، وذلك عندما أدخل مدرب الفريق اللاعب النيجيري «اومولا» للمشاركة في إحدى المباريات. في المرّة التالية، قام لاعبو فريق «ترينيز» بصبغ وجوههم باللون الأسود قبل المباراة للإعراب عن دعمهم للاعب النيجيري.

بالطبع لا تخص ظاهرة العنصرية في ملاعب كرة القدم، إيطاليا حصرا، حيث شهد موسم 2004 و2005 عدة أحداث عنصرية في عالم كرة القدم الإسبانية. ففي شهر أكتوبر 2004 لم يتردد مدرّب الفريق الوطني الإسباني لويس اراجوز في القول أمام مهاجمه «خوسيه انطونيو راميس» عن أحد لاعبي نادي ارسونال بأنه «عبد وسخ».

أدين المدرب بدفع 3000 يورو فقط، أما الحدث «العنصري» الذي حظي بأكبر قدر من اهتمام وسائل الإعلام فقد حصل في شهر نوفمبر 2004 أثناء المباراة الودية بين انجلترا وإسبانيا، إذ في كل مرة كانت الكرة فيها مع لاعب أسود كان الجمهور الإسباني يصدر صيحات يقلّد فيها القرود. تمثّلت العقوبة التي فرضتها الفيدرالية الدولية لكرة القدم حيال ذلك بدفع مبلغ 000 65 يورو من قبل الفيدرالية الإسبانية.

بالمقابل قام اللاعب الفرنسي «الأسمر» تييري هنري، مدعوما من زملائه بتنظيم حملة لتعبئة الشباب ضد العنصرية. وتمثل رمز هذه الحملة باسوارتين متشابهتين إحداهما سوداء والأخرى بيضاء، وهناك الكثير من اللاعبين في أوروبا يحملون هذا الرمز الذي جرى توزيع خمسة ملايين منه في مختلف البلدان الأوروبية. أما الأموال التي يتم تحصيلها من البيع فهي مكرّسة لدعم منظمات تقوم بمناهضة مظاهر العنصرية في ملاعب كرة القدم داخل ثمانية بلدان أوروبية، والعمل على مشاركة أكبر عدد ممكن من المشجعين بغية تغيير بعض أشكال السلوك.

وفي إنجلترا شاعت مقولات حول فرق كرة القدم الأوروبية مثل القول «ان الإيطاليين يغشّون ولا يفعلوا سوى السقوط أرضا من أجل الحصول على ضربات حرّة» و«الفرنسيين يتوقفون عن اللعب مع أول زخّة مطر أو هبّة ريح» و«الألمان تنقصهم الدعابة ومغرورين».

لكن مثل هذه الصورة تغيّرت كثيرا عبر تواجد أعداد كبيرة من اللاعبين الأوروبيين (من القارّة) في النوادي الإنجليزية. وينقل المؤلف عن مجلة «الأيكونوميست» ما كتبته بتاريخ 31 مايو 2003 وجاء فيه: «حسنا، إذا فكّرنا جيدا، فإننا نرى أن الأوروبيين ليسوا سيئين بعملهم معنا.

إذ يمكنهم في نهاية المطاف أن يعملوا بشكل منسجم مع الإنكليز، بل أن يتحدثوا اللغة الإنجليزية. ثم إن السبيل الأوروبي أكثر فعالية، وإذا لم نتبعه فسوف نبقى متأخرين». وفي المحصلة، وحيث يخيم في إنجلترا شك كبير حيال البناء الأوروبي المشترك ولما يجلبه من منافع، فإن نجاح اللاعبين والمديرين ـ خاصة نادي الارسنال ـ القادمين من بلدان القارة قد غيّر إلى حد كبير من الفكرة حيال أوروبا.

وفي عام 2000 عانى الاتحاد الانجليزي لكرة القدم من عجز كبير مما دفعه إلى «تسليم مفاتيح» المنتخب الوطني للسويدي «سوين جوران اركسون». وكتبت صحيفة «الدايلي ميل» تقول: «لقد بعنا بأبخس الأثمان حق الولادة فوق الأرض الإنجليزية لأمة من سبعة ملايين شخص من ممارسي رياضة التزلج على الجليد ورماة القرص. لكن اركسون حقق نتائج جيدة بسرعة وحظي بالتكريم قبل أن يواجه حملة جديدة شديدة من النقد بشأن المسيرة المضطربة التي عرفها الفريق الوطني الإنكليزي قبل التأهل إلى مباريات كأس العالم عام 2006 ولكن أيضا بشأن تعرّض الصحافة كثيرا لسلوكه في حياته الخاصة.

لكن مع ذلك لا شك أن خطوة مهمة قد أنجزت إذ لم يعد هناك من يصاب بالدهشة من تولي «أجنبي» قيادة الفريق الوطني. ثم إن النوادي البريطانية الثلاثة الأكبر لا يديرها إنكليز، فالاسكتلندي اليكس فيرجسون يترأس فريق نادي مانشستر والفرنسي أرسين وينجر على رأس فريق ارسنال بينما يقود البرتغالي خوسيه نورينو فريق شيلسيا.

وهناك العديد من اللاعبين الفرنسيين اليوم في عداد الفرق الإنجليزية الكبرى، وكان مشجعو «مانشستر» قد رفعوا في المباراة النهائية لكأس بريطانيا لكرة القدم عام 1996 الأعلام الفرنسية تحية للاعبهم اريك كانتونا بينما كان مشجعو الفريق الخصم ارسنال يرددون أغنية موجهة للاعبهم الفرنسي ذي الأصل السنغالي «باتريك فيرا» قالوا فيها: «لقد جاء من السنغال وهو يلعب مع ارسنال». هكذا شاركت كرة القدم في توسيع آفاق الإنكليز فيما يخص انفتاحهم على الآخر.

ضد جنوب افريقيا

إن القارة الأوروبية لا تحتكر العنصرية بالطبع. والمقاطعة التي تمّ فرضها على نظام جنوب إفريقيا العنصري الأبيض (سابقا) كانت إحدى الأمثلة النادرة للاحتجاج على سياسة التمييز التي كان يمارسها. وكانت الأمم المتحدة قد قررت عام 1962 إدانة تلك السياسة العنصرية لجنوب إفريقيا ثم علّقت عضويتها في المنظمة الدولية عام 1974 وفرضت حظرا على بيع السلاح لها عام 1977.

بالتوازي، وبمبادرة من الهند، استبعدت اللجنة الأولمبية الدولية جنوب إفريقيا من الألعاب الأولمبية في طوكيو لعام 1964. وقررت الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد خمس سنوات تعليق تبادل اللاعبين مع الفيدراليات في جنوب إفريقيا ودعت اللجنة المختصة بمكافحة التمييز العنصري إلى مقاطعتها رياضيا على المستوى العالمي. لكن رغم هذا كله بقيت جنوب إفريقيا عضوا في أغلبية الاتحادات الرياضية الدولية، مستفيدة من دعم البلدان الغربية في ظل المواجهة آنذاك بين الغرب والشرق.

لكن المساندة الرسمية لم تمنع فشل الدورة التي قام بها فريق جنوب إفريقيا للركبي في إنجلترا عام 1969 حيث قوبل بمظاهرات احتجاج كبيرة. وتكررت هذه المظاهرات في أستراليا عام 1971 أثناء دورة لنفس فريق الركبي الجنوب إفريقي. وتقرر إلغاء دورته إلى نيوزيلندا في عام 1974.

وأدان المجلس الأوروبي عام 1978 إجراء أية مباراة مع أندية من جنوب إفريقيا. وفي عام 1988 تبنّت اللجنة الأولمبية الدولية بيانا ضد التمييز العنصري في ميدان الرياضة ودعت إلى العزل الكامل لمن يمارسه. هكذا غدت عزلة جنوب إفريقيا كاملة آنذاك على الصعيد الرياضي الدولي لتقوم حكومتها بعد ذلك بإجراء مفاوضات أدّت إلى تنازلات حقيقية.

وفي الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب يناقش المؤلف قضية العنصرية في عالم كرة القدم الفرنسي. إنه يشير أولا إلى أن فريق فرنسا لكرة القدم الذي يطلقون عليه الصفة الثلاثية «أسود، أبيض، أسمر ـ أي من اللاعبين من أصول عربية» يحتوي بالفعل العديد من اللاعبين ذوي الأصول المهاجرة؛ ولكن ليس هناك اليوم أي مدرب إفريقي أو ذي أصل عربي على رأس جميع أندية الدرجة الأولى والدرجة الثانية وحتى مراكز التدريب. وهذا ما يعلق عليه باسكال بونيفاس بالقول ان رؤساء النوادي يرون.

كما يبدو، أن «الملونين» يستطيعون اللعب ولكنهم لا يملكون بعد إمكانيات إدارة فريق. ثم يتساءل: أليس استبعاد السود وذوي الأصول العربية عن مقاعد المدربين نتيجة لأحكام مسبقة؟ ويجيب بالحرف: «إنها نفس الأحكام المسبقة التي تمنعهم من أن يصبحوا نوابا في البرلمان أو رؤساء شركات أو سفراء أو جنرالات في الجيش».

وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن اللاعب في الفريق الوطني الفرنسي «فيكاس دوراسو» ذي اللون الأسمر القاتم قد تعرّض للتوقيف من قبل الشرطة ذات صباح أحد وهو ذاهب لشراء الخبز بدون أوراق هويته، ولكنهم أخلوا سبيله حالا عندما تعرّف أحد رجال الشرطة عليه. وهذا ما علّق عليه بالقول: «فهمت في ذلك اليوم أن لوني هو لون المال الذي أملكه. إن البعض يقومون بتبييض الأموال، أما أنا فالأموال هي التي بيّضتني. فاليوم مع شهرتي نسي الناس أنني أسود».

هنا عمق المشكلة

بعد هزيمة إيطاليا أمام فرنسا في بطولة كأس أوروبا لكرة القدم عام 2000 كانت ردود الفعل عديدة في الصحافة الإيطالية. كتبت صحيفة «جازيت ديللو سبور» ـ الصحيفة الرياضية ـ تقول: «جميلة رؤية فوز فريق يعبر عن المناخ ذي الأعراق المتعددة الذي تعرفه البلدان الغربية، وغالبا بطريقة مؤلمة وصعبة» إن الدم الأسود في قميص الرياضة الفرنسي استأثر بمكانة أكبر فأكبر في قلب فرنسا.

فكم هو حظ كبير بالنسبة لهم بالطبع. أما صحيفة «كوريير ديللو سبور» ـ اي رسالة الرياضة ـ فاختارت عنوانا لها يقول: «هزمتنا السلطة السوداء الجديدة كرة القدم التي لا نملكها نحن من جهتنا». وقال كاتب افتتاحية نفس الصحيفة: «أبطال أوروبا هم سود» وأضاف: «إن المستودع الكبير للسود الذي تغرف منه الرياضة الفرنسية هزمنا، إذ كان في الفريق الفرنسي ستة لاعبين سود من أصل أحد عشر لاعبا».

وفي شهر ديسمبر من عام 2005 قام الفيلسوف الفرنسي الان فينكلكراوت بالتصريح لصحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، في معرض حديثه عن أحداث العنف التي شهدتها ضواحي باريس وبقية المدن الفرنسية وأحرقت فيها آلاف السيارات والعديد من المؤسسات، ان الفريق الفرنسي كان سابقا «أسود وأبيض وأسمر» فأصبح اليوم «أسود وأسود وأسود».

وأضاف: «إن قول مثل هذه الملاحظة في فرنسا يؤدي إلى السجن. لكن من المهم ملاحظة أن فريق فرنسا لكرة القدم مؤلف حصرا تقريبا من السود». حاول الفيلسوف الفرنسي أن يشرح فيما بعد أنه أسيئ فهمه، لكن الاستياء الذي خلقه تصريحه استمر.

ولا يتردد مؤلف هذا الكتاب في القول ان فوز فرنسا بكأس العالم لكرة القدم عام 1998 كان رمزا لنجاح النموذج الفرنسي للاندماج في بنية المجتمع لمختلف الروافد. ولم يتردد مليون شخص أن يرددوا يوم 12 يوليو 1998 ـ تاريخ الفوز بالكأس ـ بصوت واحد «زيدان رئيسا للجمهورية».

لكن هذا لم يمنع أن يقابل عدد من المشجعين «ذوي الأصول الجزائرية» بالصفير النشيد الوطني الفرنسي قبل مباراة فرنسا ـ الجزائر بتاريخ 5 أكتوبر 2001، وحيث توقفت تلك المباراة عند الدقيقة 73 عندما اجتاح العشرات من الشباب الملعب حيث كانت النتيجة هي 4 أهداف مقابل هدف واحد لصالح فرنسا.

هنا أيضا يرى المؤلف أنه إذا كان زيدان وليليان تورام قد أصبحا رمزين وهما على قيد الحياة فإن الشباب الفرنسيين من السود وذوي الأصول العربية يفتقدون كثيرا إلى فرص العمل ويواجهون مصاعب في السكن وغيره.

وهنا عمق المشكلة. فكرة القدم ليست سوى بوتقة صغيرة في المرجل الكبير. لكنها بوتقة يُحتذى بها فـ «كرة القدم هي وسيلة مباشرة للقاء لا تتطلب أي بروتوكول». وكأس العالم أفضل بكثير من الحرب العالمية.

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف