يناقش المؤلف باسكال بونيفاس هنا ما يمكن وصفه بالجانب المسكوت عنه في عالم كرة القدم، حيث يطرح تساؤلاً جوهرياً هو: من الذي يحكم عالم كرة القدم؟ ويطرح القوى والعناصر والفعاليات المتحكمة في الجوانب المالية للأنشطة الكروية، وهو يحذر من أن كرة القدم ستتعرض للقتل إذا تركت إدارتها لآليات عمل السوق وحدها.
في مايو 1968 شهدت فرنسا الأحداث المعروفة باسم «ثورة الطلبة»؛ ويومها اجتاح المتظاهرون مقر الاتحاد الفرنسي لكرة القدم وعلّقوا عليه لافتة كبيرة مكتوب عليها: «كرة القدم للاعبي كرة القدم». لم تحبّذ ذلك الصحافة الرياضية التي كانت تميل آنذاك لمعسكر اليمين سياسيا بينما كان القائمون بمظاهرات الاحتجاج من طلبة وعمال أقرب بالضرورة إلى معسكر اليسار.
وقد اعتبر هؤلاء أن الزمن الذي كان فيه اللاعب ملكا طيلة مسيرته الرياضية لنفس النادي، أي ما مثّل بنظرهم شكلا حديثا من العبودية، قد ولّى وأصبح من الماضي. وبالتالي ينبغي أن يكون اللاعبون أحرارا في حركتهم وفي التوقيع على اللعب في أي ناد يشاؤون.
وكانت الاتحادات الرياضية قوية جدا لفترة طويلة من الزمن. وكان كل اتحاد منها على مستواه الدولي بالنسبة للاتحاد الدولي لكرة القدم أو الإقليمي مثل الاتحاد الأوروبي ـ اتحاد الجمعيات الأوروبية لكرة القدم ـ أو وطني في كل بلد من البلدان، يفعل ما يشاء ويفرض قانونه. وقد حاولت الاتحادات كلها باسم حيادية الرياضة في علاقتها مع السياسة أن تحد من سلطة الدول. وكان كل رياضي وكل مسؤول في ميدان الرياضة يعيش بأمل المشاركة في المباريات التي تنظمها ويخشى سلطتها وقدرتها على فرض عقوبات.
أدّت تلك القوة الكبيرة إلى بعض الانحرافات أحيانا وإلى الجمود في أكثر الأحيان، ذلك أن صاحب السلطة لا يلجأ إلا نادرا إلى التجديد. وهناك اليوم صراع بين ثلاثة أقطاب للسلطة في هذا الميدان تتمثل في الاتحادات والنوادي والسلطات السياسية. وهناك وسائل الإعلام التي لا تشارك مباشرة في ذلك الصراع لكنها تؤثر فيه إلى حد كبير، أما الرهان فهو في الواقع مستقبل كرة القدم باعتبارها «رياضة كونية».
تأسس الاتحاد الدولي لكرة القدم عام 1904 بباريس، ولا يعترف إلا باتحاد واحد في كل بلد من البلدان. وطبيعته القانونية هي مثل منظمة غير حكومية على شاكلة اللجنة الأولمبية الدولية.
ومثل جميع المنظمات غير الحكومية فإنه يخضع لقوانين البلاد التي يوجد بها. ومقرّه اليوم في مدينة زيوريخ السويسرية، ويعتبره القانون السويسري جمعية لا تهدف للربح. وهدفها هو تشجيع كرة القدم ومراقبة مطابقة آليات عملها مع القواعد والأنظمة المعمول بها. هكذا فإن الاتحاد الدولي لكرة القدم هيئة للضبط ولتنظيم المباريات بنفس الوقت.
ومن أهم هذه المباريات بالطبع بطولة كأس العالم في هذه اللعبة. وقد تبلغ حقوق نقل مباريات كأس العالم لعامي 2002 و2006 حوالي 8,2 مليار فرنك سويسري. كذلك ينظم الاتحاد الدولي بطولة كأس العالم للناشئين الذين تقل أعمارهم عن 17 سنة وبطولة كأس العالم لكرة القدم النسائية وكأس الاتحادات وألعاب الدوري الأولمبي لكرة القدم.
أما اتحاد الجمعيات الأوروبية لكرة القدم (الاتحاد الأوروبي) فقد تأسس عام 1954 ويضم 52 اتحاداً وطنياً. وهو على غرار الاتحاد الدولي جمعية لا تهدف إلى الربح وخاضع للقانون السويسري. أما أهداف الاتحاد الأوروبي (اتحاد الجمعيات) لكرة القدم على المستوى الأوروبي فهي شبيهة بأهداف الفدرالية الدولية على المستوى العالمي ويشبهه من حيث التنظيم، وهو ينظم بطولة أوروبا للأمم وكأس النوادي الحائزة على كأس البطولة في بلدانها.
وهاتان التظاهرتان الرياضيتان تدرّان ما يقارب 1 ,1 مليار فرنك سويسري لكل منهما؛ ويضاف إلى هذا تنظيمه لبطولة أوروبا لمن هم دون ال21 سنة و19 سنة و17 سنة والبطولة النسائية، والبطولة النسائية لمن هن دون الـــ 19 سنة.
وفي مواجهة الاتحادين الدولي والأوروبي أنشئت عام 2000 مجموعة ال14 من قبل أربعة عشر نادياً أوروبياً حاز كل منها على كأس بلاده مرّة واحدة على الأقل. وأهم هذه النوادي ريال مدريد وميلانو وأجاكس أمستردام وجوفنتوس وبايرن ميونيخ وبرشلونة ومانشستر يونايتد... ومجموعة ال14 هي تجمع ذو مصلحة اقتصادية مسجّل في بروكسل ويمثل «المنظمة الدولية الأولى لنوادي كرة القدم».
لكن وفيما هو أبعد من «النوايا النبيلة» تهدف مجموعة الــ14 إلى «تعزيز موقع نوادي المجموعة في السوق وزيادة أهميتها في عالم كرة القدم»، وتأكيد إرادتها في سيطرة أكبر على تسويق الحقوق المتعلقة بالنقل التلفزيوني للمباريات التي تشارك بها.
أي بتعبير آخر أن تستطيع التأثير على الفدرالية الدولية والفدرالية الأوروبية لكرة القدم بحيث تخدم المباريات وحركة انتقال اللاعبين من ناد إلى آخر في مصلحتها، أي مجموعة ال14.
في المحصلة يمكن القول إن الاتحاد الدولي لكرة القدم هو بمثابة منظمة الأمم المتحدة والاتحادات الوطنية تعادل الدول أما النوادي فقد تكون المؤسسات أو الشركات متعددة الجنسيات. ومثلما هي الحال على المسرح الدولي عندما رأت الدول ظهور قوى فاعلة جديدة إلى جانبها مثل المنظمات غير الحكومية والشركات متعددة الجنسيات والمافيات، فإن كرة القدم رأت أيضا بروز قوى جديدة.
هجوم الأثرياء الجدد
لقد كتبت صحيفة الفاينانشيال تايمز بتاريخ 13 أكتوبر تقول: « إن الطريقة المفاجئة التي هجم فيها الأثرياء الجدد على كرة القدم لها آثار سيئة جدا. وفي أغلبية الأحيان تأتي ثروة بعض النوادي من أفراد لم يُظهروا في الماضي أية علاقة، أو كانت لهم علاقة هشة جدا، بكرة القدم وهم يستخدمونها من أجل تحقيق مكاسب على أصعدة أخرى (...). إنهم يُغرقونها بمبالغ كبيرة من الأموال.
وهكذا يتقاضى بعض اللاعبين الذين لا يملكون أي مستوى تربوي ويستخدمون لغة سوقية مبالغ هائلة قد تصل إلى حوالي 6 ,11 مليون يورو في السنة». وكان «سيب بلاتر»، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم قد حذر عام 2005 من الآثار السلبية الكبيرة للأهمية المتعاظمة للمال في ميدان كرة القدم.
كان «بلاتر» يعتبر نفسه «حامي الهيكل» الذي يمثله الاتحاد الدولي لكرة القدم وبالتالي عليه أن يكون «ضامنا» للمصلحة العامة. ولم يتردد في توجيه النقد الصريح ل«رومان أبراموفيتش»، الثري الروسي الذي جمع ثروات هائلة بعد سقوط النظام الشيوعي السوفييتي وكان رمزا بليغا للصعود الاجتماعي. لقد أصبح أحد أكبر أغنياء العالم بفضل تقرّبه من «العائلة»، أي من الزمرة التي تشكّلت حول الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين.
لقد استطاع أعضاء هذه الزمرة شراء شركات القطاعات الصناعية بأثمان زهيدة، خاصة في قطاع الطاقة والمواد الأولية ثم باعوها من جديد بأثمان عالية جدا. هكذا يقول مؤلف الكتاب أنهم قد جنوا ثرواتهم عبر نهب روسيا كدولة ونهب الروس كشعب.
حاول بعض هؤلاء الأثرياء الجدد أن يلعبوا دورا سياسيا عبر احتجاجهم على نهج فلاديمير بوتين، خليفة يلتسين. لكن الرئيس الروسي الجديد واجههم بموقف حازم مما أرغم بعض هؤلاء إلى اختيار المنفى مثل بريزوفسكي أو إيداعهم السجن مثل ميخائيل خفروفسكي. لكن رومان ابراموفيتش، كان أكثر ذكاءً إذ أقام في لندن وحافظ على علاقات وثيقة مع بوتين.
وكان قد باع شركته «سيبفنت»، التي كان قد اشتراها بسعر بخس، بــ12 مليار يورو إلى شركة «غازبروم». وكي يتم الصفح عن ابراموفيتش لأنه استثمر في بريطانيا وليس في كرة القدم الروسية، قدّم مبلغ 45 مليون يورو لنادي «سي اس كا» الموسكوفي خلال ثلاث سنوات. هكذا أصبح هذا النادي ونادي تشيلسي البريطاني في نفس المجموعة أثناء كأس النوادي البطلة في أوروبا لموسم 2004-2005، ودون أن يستطيع الاتحاد الأوروبي (اتحاد الجمعيات الرياضية الأوروبية) عمل أي شيء مع أن نظامه الداخلي يمنع «التعددية في امتلاك النوادي».
ثم قام الثري الروسي ببيع أسهمه في النادي الموسكوفي بسبب خلافه مع الشركاء الآخرين. واشترى نادي تشيلسي اللندني حيث استثمر فيه 450 مليون يورو خلال السنوات الثلاث الأولى. ولم يتردد في دفع مبلغ 37 مليون يورو من أجل «شراء» اللاعبين ديدييه دروغبا ومايكل ايسن بمبلغ أقل قليلا خلال عام 2004، وهذا ما دعا المعلقين الرياضيين إلى القول أن هناك سعرين لتحويل اللاعبين من نادي إلى آخر، السعر العام وسعر تشيلسي، الذي لا يمكن لأحد أن يزايد عليه. وقد فاز هذا النادي لأول مرة بعد سنوات طويلة جدا بكأس بريطانيا لموسم 2004-2005. وكان النادي قد شهد عجزا في ميزانيته لعام 2005 فقام رومان ابراموفيتش بسد هذا العجز فورا.
إن المال لم يعد يفرض قانون وترتيب المباريات فحسب ولكن مصدر هذا المال نفسه ليس شفافا بشكل كامل. وهناك مبالغ جرى الحصول عليها بطريقة ملتوية إلى هذه الدرجة أو تلك قد تتم إعادة تدويرها من قبل بعض المستثمرين في كرة القدم. وهذا يؤدي إلى خلل مزدوج فمن جهة هناك الوزن المفرط للمال، الأمر الذي يطرح بحد ذاته إشكالية حقيقية في الرياضة»، ومن جهة أخرى هناك الوزن المفرط للمال ذي المصدر غير الشفاف.
وكان رجل الأعمال أركادي جايداماك، الذي يحمل جوازات سفر روسية وإنجليزية وفرنسية وإسرائيلية قد اشترى نادي «بيتار» الإسرائيلي. وهو ملاحق قانونيا وصدرت بحقه مذكرة توقيف دولية كانت فرنسا وراءها بخصوص قضية تجارة أسلحة. وأبدى ابنه ألكسندر رغبته في شراء 50 بالمائة من أسهم نادي «بورتموث» بينما اشترى ثري روسي آخر، وهو فلاديمير رومانوف، نادي «هيرتس» الاسكتلندي. إنه زمن الصفقات، وحتى في عالم كرة القدم.
من جهة أخرى تحاول النوادي الرياضية باستمرار التحرر من وصاية المؤسسات. وفي صيف عام 1998 قامت شركة «ميديا بارتنر» الإيطالية باقتراح تنظيم مباريات بين 36 نادياً أوروبياً كبير. لقي المشروع دعم سيلفيو برلسكوني، وليوكيرش وروبرت موردوخ، أي ثلاثة من كبار عالم وسائل الإعلام. وقد تم تقدير المكاسب المالية من الدورة المقترحة بــ2 مليار يورو سنويا.
فقام الاتحاد الأوروبي لكرة القدم بغية إجهاض المشروع بتعديل النظام المتعلق ببطولة النوادي الأوروبية إذ زاد عددها إلى 32 نادياً، مما زاد آليا من عدد المباريات.
لكن رجل أعمال إسبانيا هو كارلوس جراسيا باردو فاجأ الجميع في يناير 2003 عندما أنشأ «الكأس الأوروبية الذهبية» التي جمعت ستة عشر ناديا من ثماني دول وبحيث تتراوح أرباح النوادي منه ما بين 30 و110 ملايين يورو سنويا. عارض الاتحاد الأوروبي لكرة القدم ومجموعة ال14 معا ذلك المشروع.
رعاة المباريات
وهناك عنصر آخر في عالم كرة القدم يشهد تبدلات عميقة، وهو يتعلق ب«رعاة» المباريات، أي «السبونسر».
هكذا وقّعت شركة «نايك» الشهيرة عقدا طويل الأمد مع البرازيل مما دفع البعض إلى القول إن الفريق الوطني الأكثر شعبية قد اشترته شركة متعددة الجنسيات. وكان قد جرى الوصول إلى اتفاق في ديسمبر 1996 لمدة عشر سنوات بقيمة 400 مليون دولار بحيث يخص مبلغ 220 مليون منها تزويد جميع المنتخبات الوطنية للبرازيل بالأعتدة الرياضية.
أما ال180 مليون دولار الأخرى فقد جرى تكريسها لمشاريع مختلفة أظهرت كلها رغبة الشركة العالمية متعددة الجنسيات في نسج علاقات مستدامة مع البرازيل، إذ شملت تلك المشاريع بناء متحف جديد لكرة القدم وتوسيع مراكز توطين وتدريب اللاعبين في المناطق الأكثر فقرا من البرازيل وزيادة عدد المباريات. هنا يتساءل مؤلف هذا الكتاب: «هل يمكن أن يكون للاعب ينتمي إلى ناد له صلة مع شركة منافسة لشركة نايك نفس حظوظ اختياره للمشاركة في فريق البرازيل؟
ويجيب بأنه قد قيل الكثير عن مشاركة «رونالدو» في المباراة النهائية بين البرازيل وفرنسا أثناء بطولة كأس العالم لعام 1998 في باريس، رغم أنه ربما كان قد أُصيب بنوبة صرع بعد ظهر يوم المباراة. ويقول البعض أن شركة «نايك» قد تدخلت كي يشارك وذلك كي لا تحرم نفسها من ذلك «العرض الدعائي» في أهم مباراة بالبطولة الدولية.
وينقل المؤلف في هذا السياق أيضا التعليق الذي قاله اللاعب الفرنسي الشهير «إيريك كانتونا» عندما سئل عن تركيبة الفريق الوطني الفرنسي الذي سيشارك في بطولة كأس العالم لكرة القدم في كوريا واليابان عام 2002، والتي غاب عنها ثلاثة لاعبين كبار لم تكن تربطهم عقود فردية مع شركة أديداس «راعية الفريق الوطني الفرنسي، إذ قال: «آمل أن لا تكون معايير الاختيار مرتبطة حصرا بالتجهيزات».
ويشير المؤلف إلى أن كلمة «الرياضة» غير موجودة في النصوص الأساسية لمسيرة التوحيد الأوروبي، لا في معاهدة روما الموقعة بتاريخ 25 مارس 1957 ولا في الميثاق الأوروبي لعام 1986 ولا في معاهدة ماستريخت لشهر فبراير 1992.
وذلك على أساس أن إدارة الرياضة مناطة بهيئة غير حكومية هي اتحاد الجمعيات الأوروبية لكرة القدم (أي ما يعادل الاتحاد الأوروبي). لكن هذا لم يمنع الاتحاد الأوروبي من أن يذكر في ملحق لـ «معاهدة أمستردام» يوم 2 فبراير 1997 أن للرياضة «دورا اجتماعيا مهما من حيث أنها تعزز الهويات وتقارب بين الأشخاص».
وفي مارس من عام 2001 وقّعت المفوضية الأوروبية مع الاتحاد الدولي لكرة القدم ومع الاتحاد الأوروبي اتفاقا حول نظام تحويل اللاعبين بين النوادي بحيث تم التأكيد على إعطاء قيمة أكبر لفترة التكوين عبر تعويض النوادي التي تقوم بذلك وحماية القاصرين (الذين لم يبلغوا 18 سنة) وتحديد مدة العقود وتأسيس هيئة للتحكيم وكذلك تحديد معايير موضوعية لقيمة انتقال اللاعبين من ناد إلى آخر تبعا لمدة العقد ومرتب اللاعب.
كذلك نص الاتفاق على إيجاد آلية للتضامن بحيث يتم دفع نسبة 5% من قيمة كل عملية انتقال للاعب من نادي آخر يتم دفعها للنوادي التي كانت قد شاركت في تكوين اللاعبين عندما كان عمرهم بين 12 سنة و23 سنة.
من الذي يحكم الكرة؟
لقد فتحت المفوضية الأوروبية هذا الملف بينما كان الاتحاد الدولي لكرة القدم والاتحادات الإقليمية تريد المحافظة على الوضع القائم حيث كانت تجني عوائد كبيرة. لكن الهيئات الأوروبية رفضت الحجة القائلة بوجود «خصوصية رياضية» واعتبرت أن كرة القدم للمحترفين هي شركة تجارية مثل غيرها من الشركات، لاسيما وأنه كان مثلا قد تمّ دفع مبلغ 60 مليون يورو قيمة انتقال اللاعب لويس فيجو من نادي برشلونة إلى نادي ريال مدريد. ولم يتردد «سيب بلانتر»، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، عندما كان بزيارة إلى موسكو، في التنديد بـ «العدوان الإمبريالي» للاتحاد الأوروبي في مجال كرة القدم.
وقال: «لدي مشكلة كبيرة بوصفي رئيسا للاتحاد الدولي لكرة القدم. فالاتحاد الأوروبي يحاول أن يزيد كثيرا من نفوذه على صعيد إدارة كرة القدم (...). إننا لا نستطيع قبول قيام 25 بلدا بفرض قانونها على 207 من أمم العالم وشعوبه».
فمن يحكم كرة القدم حقيقة؟
هناك حاليا نوع من الخلل في آلية التسيير، وقد تشكلت نخبة مالية من نوادي كرة القدم الأوروبية، وتحديدا من النوادي الأكثر قوة، ليس على صعيد المباريات فحسب، وإنما أيضا على صعيد الأسواق التي تهم نوادي كرة القدم مثل حقوق النقل التلفزيوني وتحويل اللاعبين، بل وحتى أسواق البورصة. ويبدو أن النفقات التي يتم صرفها على بعض نجوم كرة القدم لها مردوديتها. هكذا تمّ مثلا دفع مبلغ 25 مليون يورو قيمة تحويل اللاعب البريطاني ديفيد بيكام من نادي مانشستر إلى نادي ريال مدريد، وبحيث تحدد راتبه السنوي بستة ملايين يورو.
لكن بالمقابل يقدّر المبلغ الذي تمّ جنيه من استخدام صورته ونشاطه في الدعايات وغيرها بخمسين مليون يورو لعام 2004 وحده، أي أن ديفيد بيكام كان «صفقة مربحة» بالنسبة لنادي ريال مدريد، رغم «الثمن» الكبير الذي دفعه لجلبه.
وفي أوروبا نفسها تحظى نوادي النخبة، أي التي تشارك في «رابطة النوادي البطلة» ذات الموارد المالية الهائلة، بنفوذ كبير، بينما أن النوادي الأخرى لا تحظى إلا بنصيب قليل من «قطعة الحلوى». إن المشاركة في هذه الرابطة، وبالدور الذي تنظمه بين النوادي الأوروبية التي تخطئ بالبطولة في بلدانها، هي عنصر أساسي في قدرتها على الاستمرار بالحصول على ميزانية كبيرة جدا تسمح لها بالمحافظة على «مستوى معيشتها».
إن هذه المشاركة تجلب أموالا كثيرة ولكنها تتطلب بنفس الوقت قدرات ومؤهلات كبيرة. لذلك يمكن لعملية إقصاء مبكّرة من المباريات، أو عدم المشاركة بها أصلا، أن تؤدي إلى كارثة، إذ إن العائدات لن تعوّض في هذه الحالة النفقات.
وتحدد نوادي النخبة قيمة تحويل اللاعبين من ناد إلى آخر وكذلك تحدد أجور اللاعبين. والمبالغ باهظة في الحالتين بحيث لا يمكن للنوادي «من غير النخبة» التفكير باستقدام لاعبين كبار إلى صفوفها. وكان رئيس الوزراء الإيطالي السابق، سيلفيو برلسكوني، قد تنبأ منذ عشرين سنة بأن النوادي سوف تتجاوز سلطتها سلطة الفرق الوطنية نفسها. وذلك على أساس أن النوادي التي تدفع المرتبات ينبغي أن تكون لها السلطة.
وهناك اليوم نوع من الصراع بين مسؤولي النوادي الرياضية الكبرى وبين المسؤولين عن اختيار الفرق الوطنية لكرة القدم. وكان الاتحاد الدولي لكرة القدم قد حدد تواريخ معينة في السنة كي تلعب فيها الفرق الوطنية. وهذه التواريخ مطبّقة على الصعيد الدولي وعلى النوادي أن تفسح أثناءها المجال للاعبيها للمشاركة في المباريات الدولية، وعلى رأسها بطولات كأس العالم.
لكن النوادي وتحت شعار «نحن الذين ندفع، إذن نحن الذين نقرر» تضغط أكثر فأكثر من أجل عدم ترك اللاعبين يشاركون في المنتخبات الوطنية. مثل هذه المشكلة تطرح بدرجة أقل عندما تكون رواتب اللاعبين متواضعة والنوادي ليست بين «النخبة». وينقل المؤلف عن اللاعب الايرلندي الكبير جورج بيست قوله: «الأمر بسيط. النادي هو الذي يدفع الأجور وسيكون دائما هو سيد العمل.
لم ألعب سوى 37 مباراة مع الفريق الوطني الايرلندي الشمالي. وإذا أمر النادي بعدم اللعب فعلى اللاعب أن يمتثل. هكذا كان الأمر في عهدي ولا يزال كذلك اليوم... وهذا هو الأمر الطبيعي».
صاحب اليد العليا
الباعث الاقتصادي هو إذن صاحب الكلمة العليا، وهذا يعني أن متطلبات النوادي ستكون أكثر إلحاحا. وكان زين الدين زيدان قد أعلن في أغسطس 2004 أنه لن يلعب بعد ذلك أية مباراة دولية - قبل أن يتراجع عن ذلك ويشارك في مباريات كأس العالم في ألمانيا 2006- وإنما سوف يتابع اللعب مع ناديه ريال مدريد الذي تركه بعد فترة. وبنفس الفترة أيضا أعلن اللاعب الإنجليزي بول شولس من نادي مانشستر يونايتد ونافسل نيفيديد التشيكي الذي يلعب مع فريق جوفنتوس الإيطالي أنهما لن يلعبا مع فريق بلادهما الوطني مع الاستمرار في اللعب مع نادييهما.
وتقدم الأندية حجة أن لاعبيها يصابون بجراح أثناء المباريات مع فرقهم الوطنية أثناء المباريات الرسمية أو الوديّة، وأن أذى كبيرا يلحق بها بسبب ذلك. لكن الواقع ليس كذلك تماما، فإذا كان نادي ريال مدريد قد عانى في الموسم الماضي من إصابة عدد كبير من لاعبيه فإن الأمر لا يعود لمشاركتهم مع فرقهم الوطنية وإنما بالأحرى للرحلة التي قام بها قبل بداية الموسم إلى الولايات المتحدة وآسيا.
ففي غضون خمسة أسابيع أصيب زيدان وراوول ورونالدو وبيكام وعدد غيرهم بجراح. وفي شهر ديسمبر من عام 2005 رفع نادي ليون الفرنسي شكوى ضد الاتحاد الفرنسي لكرة القدم طالب فيها بــ17 ,1 مليون يورو كتعويضاً عن أضرار لحقت بلاعبيه أثناء مباراة دولية لفرنسا. وقال رئيس النادي: «لا نزال نعيش في إطار يعود للماضي، فمن جهة هناك لاعبون تدفع لهم نواديهم مرتبات عالية، ومن جهة أخرى جماعات تقرر من جانب واحد اختيارهم وجعلهم يلعبون حيث تشاء وفي شروط أمنية وصحية لا تتماشى تماما مع آلية عمل النوادي، ودون أن تأخذ باعتبارها أجورهم أو الأذى الذي يمكن أن يترتب على جرحهم أو غيابهم».
هكذا تقوم النوادي عمليا باتهام الاتحاد الدولي لكرة القدم بإساءة استخدام سلطته إذ يرغم هذه النوادي على التخلّي عن لاعبيها الذين تدفع لهم من أجل المشاركة في مباريات ينظمها الاتحاد الدولي. وهذا ما دفع «توماس كورت»، المسؤول في نادي شارلروا إلى القول: «سوف نطلب بحزم استفادة النوادي من عائدات كأس العالم». وكان الاتحاد الدولي لكرة القدم قد أنشأ صندوق تأمين بهدف التعويض على النوادي التي يصاب أحد لاعبيها بجراح أثناء مشاركته في مباريات تقوم بتنظيمها.
يدفع الاتحاد الدولي لكرة القدم 52 ,4 ملايين يورو لكل فريق يتأهل لخوض بطولة كأس العالم ويحصل الفائز به على 5 ,15 مليون يورو، لذلك يطالب البعض أن تدفع الاتحادات الوطنية أجور اللاعبين الذين يتم اختيارهم للمباريات الدولية بدلا من نواديهم. لكن الاستجابة لمثل هذا المطلب تطرح إشكاليات حقيقية بالنسبة للبلدان الفقيرة، في إفريقيا وغيرها، إذا جرى تأهيلها لمباريات كأس العالم في الوقت الذي يتقاضى لاعبوها في النوادي الأوروبية مبالغ «خيالية». وهناك مئة لاعب نيجيري ومثلهم من الكاميرون وغانا يلعبون خارج بلادهم، وأغلبيتهم في أوروبا.
وكان الاتحاد الدولي قد قرر في أكتوبر 2005 إيجاد مجموعة للتفكير حول المشكلات الكبرى التي تهدد كرة القدم. ومن المرتقب تشكيل ثلاث مجموعات عمل تهتم الأولى بالقضايا المالية والثانية بالمباريات والثالثة بسلطة الجمعيات (الفدراليات) الوطنية لكرة القدم.
وينتهي المؤلف إلى القول: «بكل الحالات، كما أن السوق قد يقتل السوق نفسه، إذا لم يتم تنظيمه فإن كرة القدم ستُقتل إذا خضعت إدارتها للسوق وحده».
فمن يحكم كرة القدم، مرّة أخرى؟!
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف
