كلما زرت عاصمة أو مدينة كبرى، فإنني أقوم بدراسة مسحية على السيارات. فالرئيس، كما تعلمون، مثل السجين، فهو يخرج من الطائرة ويُستقبل بترحاب ثم يجري نقله إلى سيارة تقله بشكل مباشر وسريع إلى الفندق. وأثناء هذا يتعين عليك أن تشاهد ما يجري في الشوارع. ثم تدخل غرفة الفندق. انتظر، لديك عشر دقائق إضافية. ثم تخرج وتصل إلى المكان المقرر. ومن مكان إلى آخر بشكل مباشر. ثم في النهاية تعود إلى الفندق. وهكذا ينتهي الأمر.
إذن ماذا أفعل؟ إنني أتطلع حولي وأقوم بإحصاء السيارات التي أشاهدها في مختلف أنحاء العالم: في نيويورك وفي واشنطن وفي فيينا. في كل مدينة كبرى من العالم، يتضح أن 96% من السيارات الموجودة في الشوارع تقف في طوابير طويلة مثل الديدان وتسير بسرعة السلحفاة وتحرق كميات كبيرة من البنزين لا أحد يعلم قدرها في كل كيلو متر تقطعه، وذلك لأنها بالكاد تتحرك.
السيارات واقفة بلا حركة تقريبا ولا يستطيع السائقون أن يوقفوا المحركات لأنه يتعين عليهم أن يعيدوا تشغيلها ثانية. غير أن الجدير بالملاحظة هنا هو أنك تجد في 96% من السيارات أن تلك المركبات التي تتسع لستة أشخاص أو تلك الأصغر التي تتسع لأربعة أشخاص لا يوجد فيها إلا شخص واحد فحسب خلف عجلة القيادة.
ومثل تلك السيارة يصل طولها إلى ثلاثة أمتار وعرضها يصل إلى مترين تقريبا. هذه الصورة المتطرفة للنزعة الرأسمالية. فكل شخص يريد أن تكون لديه سيارة يقودها وحيدا في الشوارع مثل السفيه، مستهلكا كميات كبيرة من البترول، ملوثا بذلك الغلاف الجوي للأرض.
هل نحن ملامون في هذا الصدد؟ لا. إنه خطأ الدعاية الرأسمالية التي تصل إلينا عبر شاشات التلفزيون منذ أن كنا صغارا. إن الطفل الذي يجلس أمام شاشة التلفزيون معرض للخطر. فهو يرى سيارة فارهة على الشاشة وامرأة شبه عارية جميلة، حيث تعرض النساء أمامه وكأنهن سلع جنسية.
غير أن ما لا يُعرض على الشاشات هو صور هؤلاء الناس المهذبين الذين يساعدون ذوي الاحتياجات الخاصة ويعملون على مساعدة كبار السن والمرضى ويقتسمون قوتهم مع الفقراء والمعدمين. غير أن التلفزيون يقول لنا إن الناس المهذبين هم من يرتدون ملابس جيدة ويملكون سيارات فارهة.
إن كل فرد الآن يملك سيارة خاصة به وحده. فالزوج والزوجة كل منهما لديه سيارته الخاصة وعندما يبلغ ابنهما الثامنة عشرة أو العشرين من عمره فإنه تكون لديه سيارته الخاصة أيضا. ومنْ لا يملك سيارة خاصة به يشعر بالحزن. ثم هناك من يشعرون بالدونية لأنهم يضطرون إلى ركوب وسائل النقل العامة.
هذا النمط من الحياة لا يمكن أن يحتمله العالم. فقد قدر العلماء بدقة ما يمكن أن يحدث في حال مواصلة العالم بأسره تلك الأنماط الاستهلاكية للطاقة وهذا النمط من الحياة الموجود في دول العالم المتقدم في النصف الشمالي من الكرة الأرضية. فالشعب الأميركي على سبيل المثال يمثل 5% من تعداد سكان العالم، وعلى الرغم من ذلك فإنه يستهلك 25% من الطاقة المنتجة في العالم. إنه جنون مطبق.
على أية حال، دعونا نفترض إننا جميعا نريد العيش بهذه الطريقة وأننا بشيء من السحر استطعنا ذلك. دعنا نفترض أن نيكولاس مادورو، رئيس البرلمان الفنزويلي، ساحر، وأننا جميعا يمكننا الاستيقاظ غدا وقد أصبحنا نعيش وفق نمط الحياة الأميركية. بالتأكيد سيقول أحدهم: يا إلهي، لقد استطعت يا نيكولاس أن تحقق معجزة القرن. انظر نحن جميعا نعيش بشكل جيد. كل منا لديه منزل وسيارة.
هل تعلمون ماذا سيحدث لو تحقق هذا الأمر؟ سيكون علينا أن نجد سبعة أو ثمانية كواكب أخرى بجانب الأرض حتى يمكننا أن نحافظ على هذا النمط من الحياة الاستهلاكية. لقد اخترعنا أقوى أنواع أجهزة التليسكوب، ولكننا لم نستطع أن نرى في مجرة درب التبانة أو في أي مجرة أخرى كوكبا واحدا فقط يشبه الأرض. ليس بعد.
إن قطاع السيارات الأميركي وحده يستهلك وقودا يزيد على ما تستهلكه بلدان الكاريبي مجتمعة. لا يمكن أن يسير الكون بهذا الشكل.
يتعين علينا ألا نشجع استخدام السيارات الفردية. كما أن رسوم الاحتراق التي اقترحها عمدة لندن تبدو فكرة جيدة.
وقبل زيارتي الأخيرة للندن، حضرت اجتماع دائرة مستديرة على هامش القمة الرئاسية التي عُقدت في فيينا. ونال النقاش الخاص بأزمة الطاقة في العالم، وهي الأزمة التي بدأ العالم في الانتباه لها أخيرا فقط، أولوية خاصة. وباعتبارنا دولة منتجة للطاقة فقد كنا ندرس القضية بشكل موسع ومكثف.
نحن لدينا مراكز بحث في دول الأوبك وعدد كبير من الخبراء في هذا المجال. وكل الدراسات التي تمت في هذا الشأن تقول إن كوكبنا لن يتحمل هذا النمط من الرأسمالية الفردية في الاستهلاك، الذي هو بكل صراحة ضرب من ضروب الحماقة والغباء.
عن «غارديان»