في حفل عشاء مع بعض الأصدقاء، وجدت أن انتقاد إسرائيل لم يكن مسموحاً به. وفي حفل عشاء آخر، مع أصدقاء مخلصين بالدرجة ذاتها، لم أسمع سوى ملاحظات مؤيدة للفلسطينيين.
وكما يوضح الحديث والصمت أيضاً على موائد العشاء فليست هناك قضية أكثر استقطاباً من هذه. وهذا الاستقطاب يمكن أن يفضي إلى نوع من تناقض يبعث على الاندهاش.
غير أنه في الوقت الذي ازدادت أزمة الشرق الأوسط سوءاً، يبدو هذا الاستقطاب بحد ذاته بلا معنى على نحو من الانحناء، وفي نقطة معينة فإن التناقض قد يكون شيئاً لا مسؤولاً.
هناك أسئلة تطرح نفسها: هل أفضى الصراع المحلي بين إسرائيل وفلسطين إلى حرب إقليمية بين إسرائيل من جهة ولبنان، سوريا وإيران من الجهة الأخرى؟ وهل هذه الصراعات المحلية والإقليمية مجرد أمثلة لحرب عالمية ضد الإسلام؟
كيف يمكن للدفاع القديم الى التعامل مع اليهود ككبش فداء أن يلعب دورا رئيسياً في رؤية العالم لإسرائيل، لاسيما أنها تجد نفسها البؤرة المتزايدة في هدف آخذ في التقلص؟ وهل الحرب هي الطريقة الأفضل للرد على أعمال المتشددين التي تهدف بصورة واضحة إلى استفزاز ردود حربية من شأنها أن تزيد من قوة المتشددين؟
هل بالغت إسرائيل في ردة فعلها؟ بقيامها بالانسحاب من لبنان قبل ستة أعوام، ما الذي جنته إسرائيل إلى جانب وجود بطاريات صواريخ على حدودها الشمالية؟ وبقيامها بالانسحاب من غزة قبل عام، وما الذي جنته إلى جانب إطلاق الصواريخ على مدن إسرائيلية؟
وانطلاقاً من كوني مناهضاً للحرب، فإنه يؤسفني قيام إسرائيل بعمليات القصف شديدة الخطورة التي جرت أخيراً، كما أنني استنكر الهجمات الإسرائيلية على المراكز السكنية وعلى البنية التحتية في غزة. إن الاهتمام الحقيقي بالجنود الأسرى الإسرائيليين وكذلك برفاه المدنيين الأبرياء ممكن أن يدفع إلى انتقاد أعمال حكومة أولمرت.
غير أنه في ضوء نزعة الرفض لكل من حماس وحزب الله ـ القوتين الوحيدتين المعنيتين بالأمر ـ هل طريق المفاوضات مفتوحة حقاً أمام إسرائيل؟
في الوقت الذي تحدد فيه ملامح الصراع بمعايير أوسع نطاقاً، يبدو أنه من المُلح الابتعاد عن الاستقطاب الداخلي للتناقض من خلال إعادة تأكيد الدعم الأساسي لإسرائيل.
ليس هناك تعادل أخلاقي بين الأعداء هنا، ومن يتعاطف بصورة حصرية مع معاناة الفلسطينيين يرتكبون خطأ شنيعاً بالاعتقاد بما يخالف ذلك.
ليس هناك ما يوضح هذا الأمر أكثر من قيام حماس بتصعيد التفجيرات الانتحاريةالتي تحظى بالتقدير الكبير. وهذا يكشف استغلال سذاجة الشباب من أجل القيام بأعمال عنف.
معظم هذه الأمور جديدة، لكن الطاقة الهائلة لمشاعر الكره التي تسري من غزة وحتى طهران، تتسبب في الأحداث اليومية التي تضرب جذورها عميقاً في التاريخ. وثورة الغضب التي يذكيها العرب والمسلمون المناهضون لإسرائيل تفسرها بصورة جزئية فقط الأزمة الحالية.
لا ينبغي لأي أحد الاعتقاد بأن ازدراء اليهود ليس جزءاً من الأزمة الراهنة. ولا ينبغي كذلك لأي أحد الاعتقاد بأن العواقب الجديدة لذلك الازدراء توجد في الشرق الأوسط فقط.
إذا كانت الولايات المتحدة قد أصبحت مولعة بالحرب بفعل هجمة واحدة تمثلت في أحداث الحادي عشر من سبتمبر، من الذي ينبغي عليه أن يصاب بالدهشة حيال ردود فعل إسرائيل الواقعة تحت حصار متواصل؟ حقاً، إن الاستجابات الإسرائيلية والأميركية مرتبطة بعضها بالبعض الآخر.
وعلى الرغم من أن عبثية الحرب الانتقامية تظهر بصورة كاملة في العراق، إلا أن الولايات المتحدة لم تفعل شيئاً يذكر لوضع استراتيجيات بديلة من أجل حل القضية الفلسطينية. لم تقم إدارة بوش بإضعاف نفوذها في الشرق الأوسط فحسب وإنما قامت بالكثير من أجل تقوية المتشددين في المنطقة، وبالتالي فإنه تم الوصول إلى عتبة للتصعيد الخطير في المنطقة.
من السهل القول إن على إسرائيل التراجع، ولكن مثل هذه الخطوة تتطلب تغييرا للسياق الأوسع نطاقاً. وعلى الولايات المتحدة السعي إلى استراتيجية مختلفة بصورة أساسية في المنطقة بأسرها. وهنا يكمن سبب الإلحاح على إنهاء سريع للحرب في العراق، في الوقت الذي يتم فيه القيام بإنشاء بنية جديدة للتعاون الدولي من أجل حل الصراعات المترابطة.
وفيما يتعلق بحفل العشاء، ليس من الاستقطاب في شيء المطالبة بسياسات يتم صياغتها لزيادة قوة المعتدلين، ومهاجمة المتطرفين. وليس من التناقض في شيء الإعلان ـ مجدداً ـ أن القيام بإنقاذ أبناء الشعب الفلسطيني من كل ما يدفع بهم إلى الانتحار يحدد أمن إسرائيل الحقيقي الوحيد.
ترجمة: كوثر علي
عن «بوسطن غلوب»