خرج من الأفق بسرعة شديدة كشهاب ناري واصطدم بشاحنة و سيارة متسببا في تدفق الوقود على الطريق.هل كان هذا الشيء مروحية إسرائيلية أسقطها صاروخ تابع لحزب الله؟ أم كان، كما يدعي الإسرائيليون، صهريجا سقط من طائرة حربية يضم أوراقا ووثائق موجهة للبنانين؟

في الوقت الذي وصلتُ إلى مكان الواقعة كان الطريق و الأشجار والشجيرات مشتعلة بالنيران، فيما كانت السيارة التي وقع عليها هذا الشيء لا تزال تحوي بداخلها سائقها الذي ضُرب عنقه وكان ينزف بشدة حتى أن الدم كان يصل إلى قميصه وسرواله و هو قابع في المقعد الأمامي للسيارة.

وكانت هناك قطع معدنية كبيرة متناثرة على الطريق ، و هي جانب مما ربما كان قنبلة عنقودية على حافة الشارع بجانب ما بدا، بشكل أثار شكوكنا، أنه شفرة دوارة خاصة بطائرة مروحية كانت موجودة فوق كومة من الرمل. غير أنه لم تكن هناك أي رقع أو أوراق أو أي تعليمات إلى شعب لبنان من الجيش الإسرائيلي الذي كان يقصف لبنان على امتداد أيام عدة. ثم سُمع صوت طائرات نفاثة إسرائيلية و دوي انفجار هائل في قاعدة جيش مهجورة. و ما كان منا، أيها القارئ، إلا أن فررنا من المكان ذعرا وخوفا.

نحن دائما في حالة فرار هذه الأيام. ثم أخذت السيارة تخترق بسرعة الضواحي الجنوبية لبيروت، ذلك المكان الموحش الآن والمليء بالخوف و الأنقاض، حيث كنا نترك خلفنا الحفر الناجمة عن القنابل فيما كان يتملكنا الخوف من عودة الطائرات ثانية. ثم أسرعنا بالسيارة لمسافة قصيرة بعيدا عن منطقة الروسة عندما ماجت الأرض تحت أرجلنا. ولأن هذه هي حياة صحافي يعيش في لبنان، كنا نلهث مثل الكلاب عندما أخذنا نركض محاولين الوصول إلى ذلك القصر الكبير الذي يعقد فيه رئيس الوزراء اللبناني اجتماعات حيث كان قد وصل رجال من الأمم المتحدة ليجلبوا لنا السلام في عصرنا».

حسنا ربما يستطيعون ذلك. وتبين أن المستشار الشخصي لكوفي عنان كان فيجاي نامبيار، شقيق القائد الهندي السابق الذي تولى رئاسة القوة التابعة للأمم المتحدة ، وهو رجل اعتاد حضور المؤتمرات الصحافية واضعا على صدره نياشين و أوسمة أكثر مما كان يضعه دوايت أيزنهاور، القائد الأعلى لقوات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية. وكان نامبيار قد التقى رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة ورئيس البرلمان نبيه بري الذي كان يفوقه في محدودية التأثير.

لم يكن مسموحا بأي أسئلة، وهي مؤشر سيئ بالطبع. و لم يأت البيان الصحافي الكئيب الذي أدلى به نامبيار بقدر من الأمل يوحي بأنه يمكن وضع نهاية للغارات الجوية وإطلاق الصواريخ القاتلة و أعمال القتل واسعة النطاق و الكم الكبير من الأكاذيب التي هي السمة الكبرى لتلك الحرب القذرة في لبنان منذ أن تسللت قوات حزب الله إلى إسرائيل و قتلت ثلاثة جنود و أسرت اثنين آخرين. و جاء في البيان الكئيب الذي أدلى به نامبيار: «هناك بعض الجهود الأولية المبشرة،.إنها خطوة أولى... قدر كبير من العمل الدبلوماسي يجب أن يتم قبل أن تكون هناك أي أسباب للشعور بالتفاؤل...

عواقب الفشل ستكون خطيرة... هناك حاجة إلى حل غير تقليدي وعنصر الوقت هو الجوهر». يا إلهى. «عنصر الوقت هو الجوهر» كانت تلك العبارة هي الكليشيه المفضل للأمم المتحدة عندما كانوا يحاولون إقامة سلطة وطنية في أفغانستان في 2002. ونحن نعلم جيدا كيف أن أفغانستان تحولت إلى قصة نجاح!

وكان يصاحب نامبيار ألفارو سوتو المنسق «الخاص» للشرق الأوسط، والذي يُعرف عنه أنه صاحب أجمل و أكثر لكنة إثارة للتفاؤل في الأمم المتحدة، و كذلك تيرجي رود لارسن، الذي يود يوما ما ، نعم يوما ما، أن يكون الأمين العام للأمم المتحدة. لقد غادروا جميعا إلى إسرائيل، وأضاف نامبيار أنه: «في ضوء ما يحدث من تطورات فإنه قد يكون من الضروري العودة إلى لبنان».

يا إلهي. نعم التطورات ستستوجب ذلك، معظمنا لديهم فكرة كئيبة عما يمكن أن يحدث: مزيد من صواريخ حزب الله على حيفا و مزيد من القنابل الإسرائيلية على البنايات السكنية في بيروت ومزيد من القتلى.و لننظر إلى الكلمات الرائعة التي أسر بها الرئيس الأميركي جورج بوش إلى رئيس الوزراء البريطاني توني بلير في اجتماع قمة دول الثماني الكبرى: «المفارقة تكمن في أن الأمر الذي هم بحاجة إلى فعله هو أن يجعلوا سوريا تتدخل لتُرغم حزب الله على إيقاف هذه القذارة». لقد نُقل التصريح في التو من قبل الصحافيين لاسيما كلمة «القذارة»، غير أن إقناع سوريا بإيقاف حزب الله هو أمر يتطلب ثمنا باهظا قد لا يدركه جورج دبليو بوش.

ومن التطورات التي حدثت أيضا على الساحة دخول الجيش الإسرائيلي لمسافة 30 مترا في الحدود اللبنانية ثانية، ثم انسحابه إلى خلف أسلاكه الحدودية الضعيفة في جنوب لبنان. و قتلت الطائرات النفاثة الإسرائيلية 17 لبنانيا آخرين و أصابت 53 ، ما رفع العدد الكلي للقتلى اللبنانيين منذ بداية الحرب إلى 196 مقابل 24 إسرائيليا. والآن تصل نسبة القتلى بين المعسكرين إلى جندي إسرائيلي واحد أمام كل ثمانية لبنانيين على الأقل.

وأطلقت طائرة إسرائيلية النار، على الرغم من أن البعض قال إنها قذيفة أطُلقت من زورق حربي، على مرفأ بميناء بيروت مما أدى في إحراق جزء منه و مصرع عاملين. وتسبب هجوم آخر بالقرب من طرابلس في قتل تسعة جنود لبنانيين. فمقابل كل مرة تطلق فيها صواريخ كاتيوشا على حيفا ، تنفذ هجمة جديدة على لبنان.

وفي مقابل كل هجوم على لبنان تتجه موجة جديدة من الصواريخ إلى حيفا. إذن فالحرب تشن الآن تحت شعار: «اقصف مدينتي وسأفجر لك مدينتك». ولكن ألم يحدث مثل هذا الشيء من قبل على نطاق أكبر قليلا في مكان آخر من العالم في الفترة بين 1939 و 1945؟ وهل كان مجديا؟

ويواصل الأجانب مغادرة لبنان لعدة أسباب منها أن عددا ممنْ قُتل على أيدي الإسرائيليين تبين أنهم من الكنديين و البرازيليين ذوي الأصول اللبنانية. و بدأ يصل إلى بيروت قادما من قبرص أسطول صغير من السفن لاسيما و أن جميع الطرق إلى سوريا قد دُمرت تقريبا. و قال وزير الخارجية الإيراني إن وقفا لإطلاق النار وتبادلا للأسرى قد يكون أمرا ممكنا و إن الحكومة اللبنانية قد ألمحت إلى أن الوسطاء الإيطاليين قد سلموا بالفعل رسائل إلى بيروت من إسرائيل.

كل هذا بدا جيدا على نحو يحول دون تصديقه، لاسيما وأن الإسرائيليين قد أمروا لتوهم كل أبناء الجنوب بمغادرة منازلهم. واستقبل لبنان اقتراح بلير بإرسال قوة إلى لبنان بشيء يقترب من الشعور بالمفاجأة. فعلى الرغم من كل شيء، أليست هناك قوة موجودة بالفعل في المنطقة تُعرف باسم اليونيفيل؟ لا شك أنه يجب أن يكون هناك عنصر بريطاني يُضاف إلى تلك القوة لتكرار الأداء الرائع للجيش البريطاني في أفغانستان و العراق! فلندع الله أن يجنب لبنان مثل ذلك النوع من النجاح.

ترجمة: حاتم حسين

عن «إندبندنت»