يناقش مؤلف الكتاب باسكال بونيفاس هنا الطروحات المتعلقة بنظر البعض إلى كرة القدم على أنها أفيون الشعوب الجديد، باعتبارها يجري استخدامها من قبل دوائر محددة لصرف أنظار الجماهير الواسعة عن مشكلات متعلقة بعالمها الحقيقي وما يحفل به من صراعات، وهو يحرص على لفت نظرنا إلى تهديد بالغ الخطورة يتربص بكرة القدم، وهو تحولها إلى سلعة شأن الكثير غيرها مما انتهى إلى هذا المصير في عصر قوانين السوق والعولمة.
هل كرة القدم هي أفيون الشعوب الجديد؟ كان كارل ماركس قد استخدم هذا التعبير في سياق آخر لوصف العناصر التي تكفل إبعاد الجماهير حسب رأيه، عن الارتباط بالعالم الحقيقي. وعلى الغرار نفسه رأى بعض علماء الاجتماع في كأس العالم لكرة القدم وخلافها من المنافسات الرياضية الدولية امتدادا لألعاب السيرك في روما القديمة، إذ إن أولئك الذين يشاهدون «مراوغات» اللاعب البرازيلي رونالدينو أو «تمريرات» اللاعب زين الدين زيدان لا يفكرون أبدا بأي احتجاج عام. وبهذا المعنى تكون الرياضة بشكل عام وكرة القدم بشكل خاص في خدمة أية طبقة مسيطرة بحيث أنها تجعل سيطرتها الاجتماعية مستدامة. ثم أليس الأكثر حماسا لكرة القدم هم جمهور الفقراء؟
في عام 1935 قارن بيير دو كوبيرتان، الذي قام باحياء الألعاب الأولمبية القديمة، بين المعتقدات الدينية والنزعة الأولمبية إذ قال: «إن السمة الأساسية الأولى للنزعة الأولمبية القديمة كما الحديثة هي أنها نوع من الاعتقاد الديني. فكما كان الرياضي القديم يمجّد، عبر عمله على صقل جسده، آلهة اليونان القديمة، فإن الرياضي الحديث يفعل الشيء نفسه عبر تمجيده لوطنه وقوميته وعلمه. لذلك اعتبر أنني كنت على حق بتجديد الألعاب الأولمبية في أجواء الديمقراطية».
لا شك بأنه يتم الحديث عن اللاعبين بكثير من التمجيد، كما أن هناك طقوسا ل«الأعياد» الرياضية في مواسم المنافسات الوطنية والدولية، وأظهرت عملية استطلاع للرأي في إنجلترا حول الأشخاص الأكثر شهرة أن اللاعب ديفيد بيكام يأتي في المرتبة التالية بعد المسيح ويسبق الملكة إليزابيث الثانية. لكن تكفي عدة خسارات متكررة كي يفقد «أبطال» الكرة مكانتهم في عيون الجمهور، وهذا يجعل الولاء في ميدان كرة القدم مخففا ونسبيا.
الكرة والسياسة
كذلك يؤكد مؤلف هذا الكتاب على أن الأنظمة السياسية تحاول استخدام الرياضة لغايات دعائية ولإبعاد الجماهير عن أية مطالب اجتماعية. لكنه بنفس الوقت يعارض عملية التعميم التي يحاول بعض الباحثين القيام بها مثل «جان ماري بروهم» و«مارك بيرلمان»، الأستاذين الجامعيين اللذين يترأسان المدرسة الفكرية القائلة إن كرة القدم تمثل «أفيون الشعوب» وأنها «مشروع لتجهيل الطبقات الشعبية» وتساهم في «التفسخ الاجتماعي» و«تدفع البشر نحو التطرف».
هكذا تغدو الأحداث الرياضية ضمن هذا المنظور في خدمة قضية سياسية دائما، وغالبا هي قضية لا تحظى بالشرعية، ولا يمكنها إلا أن تكون وسيلة دعائية وبالتالي تساهم في طمس المطالب السياسية والاجتماعية. وينقل المؤلف في هذا السياق عن «جان ماري بروهم» قوله: «الرياضة هي نظام الممارسة المستمرة».
وذلك بمعنى الاستغلال السياسي للجماهير؛ وخاصة عبر إحياء المشاعر والانفعالات «البدائية» لديها ودفعها نحو «التزمت القومي» و«بغض» الآخر.
ويرى آخرون أن الرياضة تضفي الشرعية على الأنظمة القائمة عبر إضفاء لون ديمقراطي على المنافسات «باسم المساواة». هكذا تصبح الرياضة بمثابة «جهاز إيديولوجي في خدمة الدولة» وبالتالي «تصرف أنظار الجماهير الخاضعة للسيطرة عن مصالحها السياسية والاقتصادية».
وهذا ما يرد عليه مؤلف هذا الكتاب بالقول إنه من الواضح أن السلطات السياسية تحاول استخدام الرياضة لأغراض دعائية، ولكن من الواضح بدرجة أقل أنها قد حققت باستمرار ما تصبو إليه. بل على العكس يمكن لملاعب الرياضة أن تكون مسرحا للاحتجاجات على السلطة. هذا لاسيما وأن تنظيم القمع فيها أصعب مما هو في المجالات العامة الأخرى مثل الشوارع وصالات الاجتماعات.
وقد حاولت الأنظمة الدكتاتورية استخدام الرياضة من أجل تحسين صورتها والدعاية لها، فالرياضة غدت بمثابة واجهة للبلاد عامة وللنظام القائم خاصة. وجرى اعتبار نجاح الرياضيين كبرهان على تفوق الأنظمة التابعين لها. وكانت النازية والفاشية والشيوعية قد حاولت تحقيق انتصارات رياضية من أجل تقديم البراهين على مصداقية الإيديولوجيات التي تنادي بها. لذلك ليس هناك ما يثير الدهشة من ازدهار الرياضة في روما وبرلين وموسكو في ظل تلك الأنظمة. ولم تتردد برلين عام 1936.
أي في ظل حكم هتلر، في استثمار الألعاب الأولمبية للدعاية للنازية. وحرص موسوليني على أن يقدم كأس العالم لكرة القدم الذي نظمت إيطاليا مبارياته عام 1934 دليلا على تفوق الفاشية على جميع الأنظمة الأخرى. وفهم الدكتاتور الإيطالي يومذاك مدى فداحة الخطأ الذي جرى اقترافه قبل أربع سنوات بعدم إرسال الفريق الوطني الإيطالي للمشاركة في مباريات كأس العالم لكرة القدم في الأورجواي عام 1930.
وكانت قد أُطلقت على الملعب الذي جرى بناؤه في روما من أجل مباريات كأس العالم عام 1934 تسمية «ملعب الحزب الفاشي» وسمي ملعب تورينو ب«ملعب موسوليني»، وكان المهندس المعماري «أنريكو ديلديبيو» الذي صمم هذا الملعب الأخير، قد أراده كشهادة على حنين الفاشية الإيطالية للعظمة التي كانت قد عرفتها الإمبراطورية الرومانية.
وهذا ما عبّر عنه الكاتب «برنار لوموان» في كتابه «ملاعب العظمة» بالقول: «كان بمثابة تكريم للقديم عبر مدرجاته الحجرية المنخفضة وتماثيله الهائلة وتزييناته المتنوعة ـ الموزاييك ـ وكتاباته المنقوشة تمجيدا لموسوليني». وصرح الجنرال «فاكارو»، عضو الحزب الفاشي، ورئيس الفيدرالية الإيطالية لكرة القدم آنذاك، قائلا: «إن الهدف الأكبر للتظاهرة هو إظهار المثال الفاشي الرياضي لعموم العالم».
حاولت إيطاليا يومذاك فعل كل شيء من أجل الفوز. وتضمن الفريق الوطني الإيطالي أربعة لاعبين أرجنتينيين جرى منحهم الجنسية لذلك الغرض. وكان الحكم «متفهما جدا» حيال البلد المضيف. وكان لا بد من إعادة المباراة الأولى في دور النهائي بين إيطاليا الفاشية وإسبانيا الجمهورية التي انتهت إلى التعادل بهدف لكل فريق، ثم فوز إيطاليا في الثانية بهدف مقابل صفر. وكان الحكام قد رفضوا هدفا لإسبانيا في كل من المباراتين ولم يعاقبوا أبدا «الاعتداءات» العديدة التي قام بها اللاعبون الإيطاليون.
وكان اللاعب الإيطالي «مونتي» وحده قد «أعطب» ثلاثة لاعبين إسبان. ولم تكن مطبقة آنذاك قاعدة استبدال اللاعب الجريح ليحل مكانه لاعب آخر. ولم يتردد أحد الصحافيين في القول عن الحكم السويسري الذي قاد المباراة الثانية أنه «بدا في أحيان كثيرة وكأنه اللاعب الثاني عشر في الفريق الإيطالي». وكان التحكيم متحيزاً بوضوح أيضا لإيطاليا في مباراة نصف النهائي ضد النمسا. وأقل ما يمكن قوله هو أن السلطة الرياضية الدولية لم تكبح الطموحات السياسية لموسوليني.
وبتاريخ 10 يونيو 1934 قام اللاعبون الإيطاليون الأحد عشر أثناء المباراة النهائية لكأس العالم في روما، بتأدية «التحية الفاشية» لموسوليني. وكان المعلقون في الصحافة الرياضية الإيطالية في غاية الوضوح يومذاك عندما كتبت صحيفة «لانازيون» ـ أي الأمة ـ تقول: «مع الذهن والعضلات، في ظل الانضباط الفاشي، سيكتمل الانتصار»، وكتبت صحيفة «كاريير ديللا سيرا» تقول: «لقد تم الحصول على التوتر الأخلاقي الحميد للاعبين لأنهم كانوا على اقتناع بأن جهدهم يلقى دعم موسوليني». وكذلك نقرأ: «كان الانتصار هو انتصار إيطاليا الفاشية.
وتحدث باتريك فاسور، مؤلف كتاب «كرة القدم والسياسة» عن «تعاون إيديولوجي وسياسي حقيقي بين الفاشية وكرة القدم». وذلك على أساس أن المظهر الاستعراضي في الملعب أصبح بمثابة الدليل على تفوق الفاشية عبر التفوق على الخصم الإسباني «الجمهوري». وكانت الدعاية الفاشية قد ظهرت أيضا في الإعلانات الدعائية حيث عرضت لاعب كرة قدم ويده تؤدي اليمين الفاشية. وهذا ما أعطى «الانطباع طيلة فترة مباريات بطولة كأس العالم لكرة القدم في إيطاليا عام 1934، أن الرئيس الحقيقي للفيدرالية الدولية لكرة القدم هو موسوليني»، كما كتب أحد المعلقين.
لكن إذا كانت الصحافة الإيطالية قد أسهبت في تمجيد الفاشية الموسولينية، فإن الصحافة الدولية قابلت ذلك بردود فعل ناقدة بشدة. ففي فرنسا مثلا كانت صحافة اليمين المتطرف هي وحدها التي كالت المديح واعتبرت أن سلطة استبدادية يمكنها وحدها أن تعطي لفرنسا مكانتها العالمية الضائعة، بما في ذلك في ميدان الرياضة. أما الصحف الأخرى فقد تحدثت عن «انتصار الخشونة والتزمت القومي».
وكان اللاعبون الإيطاليون قد فازوا أيضا ببطولة كأس العالم التي جرت في باريس عام 1938 واستقبلهم موسوليني في البندقية حيث ارتدوا الزي الفاشي الموحّد قبل أن يتم التقاط الصور التذكارية معه.
وكانت ألمانيا النازية قد شاركت في بطولة كأس العالم لكرة القدم في فرنسا عام 1938. وقد استعانت في مباراتها ضد سويسرا يوم 4 يونيو بخمسة لاعبين نمساويين لكنها استبعدت أفضل لاعب نمساوي آنذاك، بل والذي كان يصفه المعلقون على أنه أفضل لاعب نمساوي آنذاك، بل والذي كان يصفه المعلقون على أنه أفضل مهاجم وسط في العالم، أي «ماكس سندلار». وكان سبب استبعاده أنه «يهودي» وهتلر لم يكن يريد وجود لاعبين يهود في الفريق الوطني الألماني لكرة القدم الذي لعب وهو يضع «الصليب المعقوف» رمز النازية، على صدر لاعبيه كما أدّى التحية النازية برفع اليد الممدودة إلى الأمام قبل المباراة.
وهذا ما دفع «ديدييه براون» في كتابه عن «كأس العالم لكرة القدم» إلى القول: «استاء الجمهور الفرنسي أثناء مباراة ألمانيا ضد سويسرا من الصيغة التي قدّم فيها الفريق الألماني نفسه، وعلى الأقل بسبب اليد الممدودة، رمز النازية، أمام عزف النشيد الوطني الألماني».
تجربة ريال مدريد
كان فرانكو، الدكتاتور الإسباني، يشارك هتلر وموسوليني الكثير من أفكارهما، وكانا من جهتهما قد ساعداه للوصول إلى السلطة أثناء الحرب الأهلية التي قادت إلى سقوط النظام الجمهوري الإسباني. لكن نظام فرانكو استمر بعد نهاية الحرب العالمية الثانية التي لم يشارك بها. وغضّت البلدان الغربية النظر بعد عام 1945 عن الطبيعة الدكتاتورية والدموية لنظامه.
وكانت كرة القدم إحدى الواجهات التي أراد أن يقدم من خلالها نفسه إلى العالم. لقد بحث منذ مطلع عقد الخمسينات الماضي إلى كسر طوق عزلته؛ وهكذا قام رئيس نادي ريال مدريد بلعب مباريات دولية كثيرة وغدا بمثابة «سفارة متجولة لا تضاهى» بالنسبة لفرانكو. وغدت كرة القدم أحد حوامل مسيرة التطبيع المتدرج لوضع إسبانيا الفرانكية داخل العالم الغربي.
ولم يتردد «خوسيه سوليس» أحد رؤساء نظام فرانكو من القول أثناء توجيهه خطاب شكر للاعبي نادي ريال مدريد،: «إن أناسا كانوا يكرهوننا في الماضي أصبحوا يفهموننا اليوم بفضلكم». مع ذلك لم يكن نادي ريال مدريد ذا نزعة قومية متزمتة على شاكلة نظام فرانكو وإنما كان بالأحرى منفتحا على العالم إذ كان بين لاعبيه الأرجنتيني دي ستيفانو والمجري فيرنك بوشكاش والفرنسي ريمون كوبا والأرجوياني الفريدو سانتا ماريا، وهؤلاء جميعهم من كبار نجوم كرة القدم العالمية في تاريخها.
مثل هذا الانفتاح هو الذي كان وراء نجاح نادي ريال مدريد، كما يؤكد مؤلف هذا الكتاب، وليس الخطاب القومي المتشدد والمنغلق للجنرال فرانكو.
وفي عام 1978 حاولت الطغمة العسكرية الأرجنتينية أن تجعل من كأس العالم واجهة نظامها حيث كان قد تم تكليف الأرجنتين بتنظيمه قبل وصول العسكريين إلى السلطة. لقد خصص نظام الجنرال فيديلا 10 بالمئة من ميزانية البلاد من أجل تنظيم ذلك الحدث. وقد افتخر رئيس الفيدرالية الدولية لكرة القدم بذلك وصرّح بقوله: «يمكن للعالم أن يرى أخيرا الصورة الحقيقية للأرجنتين» وصرّح هنري كسنجر، وزير الخارجية الأميركي الأسبق، للتلفزة: «إن لهذه البلاد مستقبلا زاهرا على جميع المستويات».
لكن ذلك لم يمنع العديد من الجمعيات في البلدان الديمقراطية الأوروبية من المطالبة بمقاطعة بطولة كأس العالم لكرة القدم في الأرجنتين. لم تكن لأغلبية تلك الجمعيات أية صلة بالرياضة. أمّا اللاعبون فقد ترددوا في عدم المشاركة في المرحلة النهائية بعدما كانوا قد اجتازوا المراحل الأولى وأكّدوا على أنهم لا علاقة لهم بالسياسة.
ولم تكن لديهم أية رغبة للاستجابة إلى تعليمات المثقفين الذين يخفون بصعوبة احتقارهم للرياضة وللرياضيين. بالمقابل دعا المعارضون الأرجنتينيون للنظام العسكري، الأجانب للقدوم إلى الأرجنتين، إنما من أجل شجب الدكتاتورية العسكرية.
وفي المحصلة لم يقاطع أي فريق وطني تأهل للمشاركة في البطولة المباريات، بل إن الأرجنتين هي التي فازت بالكأس. ولكن لم تحقق الطغمة العسكرية هدفها مع ذلك، إذ طيلة الأشهر التي سبقت المباريات وأثناءها كانت الصحافة الدولية زاخرة بالتحقيقات عن عمليات التعذيب والاغتيال التي يقوم بها النظام الأرجنتيني. ولم يتردد المشجعون للفريق الأرجنتيني في أن يرددوا بملء صوتهم من المدرجات: «سوف تنتهي، الدكتاتورية العسكرية».
وكان اللاعبون الهولنديون الذين واجهوا الفريق الوطني الأرجنتيني في المباراة النهائية قد أعلنوا أنهم في حال فوزهم سيرفضون استلام الكأس من يد الجنرال فيديلا. ويشير المؤلف في هذا السياق إلى أن تحكيم المباريات مال كثيرا لصالح الأرجنتين. وهذا ما كان قد حصل سابقا حيال البلدان المنظمة مثل إيطاليا الفاشية عام 1934.
لكن ينبغي ألا يتم على هذا الأساس اعتبار كرة القدم مثل «عكاز» سياسي لصالح الأنظمة الاستبدادية، ذلك أن إنجلترا نفسها، وهي مهد الديمقراطية البرلمانية، كانت قد عرفت مثل هذا التحيز لصالحها عندما نظمت بطولة العالم لكرة القدم عام 1966.
وهكذا كان الأمر بالنسبة للبلدان الأخرى التي نظّمت الكأس سابقا مهما كانت طبيعة الأنظمة السياسية فيها. لكن المؤلف يوضح أن تلك الحقبة قد ولّت بفضل الاهتمام الإعلامي المتعاظم ببطولة كأس العالم، إذ ليس هناك من استطاع القول أن التحكيم قد تحيّز لفرنسا ضد البرازيل في بطولة عام 1998، كذلك لم يتحدث أحد عن تحيّز التحكيم في مباريات كأس العالم عام 2002.
في الأرجنتين عام 1978 وصلت أربعة فرق إلى الدور قبل النهائي هي البرازيل وبولندا والأرجنتين والبيرو. فازت البرازيل على بولندا بثلاثة أهداف مقابل هدف واحد، وكان ينبغي على الأرجنتين أن تفوز على البيرو بفارق أربعة أهداف للتأهل للدور النهائي حسب القواعد المتبعة آنذاك. لكن منذ بداية المباريات لم تكن الأرجنتين قد سجلت أكثر من هدفين، مع ذلك حدثت «المعجزة» وفازت الأرجنتين بستة أهداف مقابل صفر للبيرو. هكذا وصلت الأرجنتين إلى الدور النهائي على حساب البرازيل التي فازت بالمرتبة الثالثة مع أنها لم تخسر أية مباراة، لكنها لم تفز بالكأس.
وعلى أساس التجربة الأرجنتينية لكأس العالم عام 1978 وغيرها من تجارب الأنظمة الدكتاتورية في هذا الميدان، يرى المؤلف أنه من الأفضل وجود نظام حسن الصورة ومجتمع متناسق، خاصة بالنسبة لحدث إعلامي مثل كأس العالم لكرة القدم.
وذلك على الأقل تطبيقا لمثل قديم تردده الجدات في الكثير من مناطق العالم ومفاده عندما يراد الصعود إلى شجرة من الأفضل للمرء أن يكون «سرواله» نظيفا، لاسيما إذا كانت عدسات التلفزة العالمية مركّزة عليه. لكن الدكتاتوريات تفضل بطبيعتها إخفاء صورتها الحقيقية.
لكن المؤلف يؤكد بالمقابل أن أولئك الذين يدعون لمقاطعة بطولة كأس العالم بحجة الدعاية التي تترتب عليها لصالح البلاد التي تستقبلها إنما هم مخطئون. فالعالم لم يعد في عام 1934 وإنما في عالم «العولمة»، وتنظيم تظاهرة مثل كأس العالم يستدعي قدوم أعداد كبيرة من الصحافيين ومن المشجعين الأجانب بينما يتمثل الشعار الذي ترفعه الأنظمة الاستبدادية بالقول: «كي تعيش سعيدا عليك أن تعيش متسترا»، وهي لا ترغب أن تكون تحت مجهر «الفضول الإعلامي».
وإذا كانت موازين المناقب والمثالب إيجابية أمس لصالح الأنظمة الدكتاتورية فهي اليوم سلبية. ورغم ذلك قد يكون من المفيد أن ترفع المجموعة الدولية التهديد بحرمان بعض الدول من تنظيم تظاهرة مثل كأس العالم لكرة القدم لأسباب سياسية. لكن ينبغي التصرف بذكاء وأن يكون التحرك جماعيا كي يكون له وزن ومعنى. وقد يكون مفيدا في هذا الإطار الشروع بحوار بين المنظمات غير الحكومية والجمعيات التي تطالب بـ «مقاطعة بعض الدول رياضيا لأسباب سياسية» وبين الأوساط الرياضية المسؤولة».
عولمة الوظيفة النقدية
إن العولمة هي أيضا عولمة «الوظيفة النقدية» وممارستها؛ كما يرى مؤلف هذا الكتاب قبل أن يؤكد على أن الأمور قد تغيّرت.
وما كان ممكنا عام 1934 لم يعد ممكنا اليوم. هكذا قوبلت نيجيريا برفض تنظيمها لبطولة كأس العالم لكرة القدم للشباب عام 1996.
وفي الوقت الذي كانت تأمل فيه الحكومة المكسيكية الكثير من تنظيم بطولة كأس العالم لعام 1986 خرج سكان الأحياء القصديرية في الشوارع وهم يرددون «نريد الفاصولياء وليس الأهداف».
وكانت مباراة للهوكي على الجليد بين الفريق السوفييتي (السابق) والفريق التشيكوسلوفاكي بعد التدخل العسكري السوفييتي في براغ عام 1968 مناسبة لترديد شعارات معادية للسوفييت لم تستطع الدبابات السوفييتية كبحها.
بالمقابل كان تنظيم الألعاب الأولمبية في سيئول عام 1988 مناسبة لزيادة الهامش الديمقراطي في كوريا الجنوبية؛ كما أن تنظيم بكين للألعاب الأولمبية عام 2008 قد يكون ورقة ضغط من أجل زيادة هامش المناورة السياسية في الصين باتجاه الانفتاح.
وتبقى الملاعب الرياضية في ظل أي نظام كان أماكن للتجمع. وكان الالتفاف الشعبي غالبا جدا، حول الفريق الوطني أو فريق أحد النوادي، يتناظر مع حركة تنادي بمطالب محددة، والملاعب هي من بين الأماكن النادرة التي يتم السماح بالتجمع الجماهيري فيها في ظل الأنظمة الاستبدادية. وتحدت غطاء دعم الفريق الرياضي يتم التعبير عن مطالب وتتبلور أحيانا معارضة ممنوعة ولا تستطيع أن تُسمع صوتها بواسطة صناديق الاقتراع أو في الشارع.
وفي الوقت الذي كان الجنرال فرانكو ينهي الجمهورية الإسبانية، كان فريق برشلونة يلعب مباريات في الولايات المتحدة والمكسيك، وكان ذلك الفريق يمثل في الواقع المقاومة «الكاتالونية» ضد السلطة المركزية في مدريد. وفي نفس الفترة كان منتخب من منطقة الباسك الإسبانية يقوم بجولة رياضية في أوروبا. وكانت مهمة ذلك الفريق هي الدعاية المناهضة لنظام فرانكو وجمع الأموال للدفاع عن إسبانيا الجمهورية. كان الفريقان الكاتالوني والباسكي يجسدان الدفاع عن الديمقراطية المقموعة بينما كان ريال مدريد قريبا من السلطة المركزية، وكان قد انتصر عام 1943 على فريق برشلونة بعد «زيارة» قام بها رجال الشرطة الفرانكية لقاعات تبديل الملابس قبل المباراة.
واعتبارا من سنوات الخمسينات لعب فريق نادي برشلونة دورا ذا قيمة رمزية كبيرة، إذ أصبح بوضوح أداة المقاومة ضد السلطة. وبدت انتصاراته بمثابة ثأر من مسيرة التاريخ بينما تناظرت هزائمه مع البرهان على أن الشعب الكاتالوني هو ضحية. وكان مشجعوه يتحدثون اللغة الكاتالونية، مثلما كان مشجعو نادي بلباو يتحدثون الباسكية في الملاعب.
بينما كان ذلك محظورا عليهم في الأماكن العامة الأخرى. وهكذا أيضا كانت المباريات بين نادي برشلونة وريال مدريد زاخرة بالرهانات، إذ كانت تعكس في الواقع حالة اجتماعية وشرخا في الوحدة الوطنية الإسبانية. ولا يزال نادي ريال مدريد يمثل حتى اليوم ناديا للنخبة له نجومه الذين تتحدث عنهم وسائل الإعلام بإسهاب ويجسد إسبانيا ذات النزعة المركزية التي نادى بها خوسيه ماريا أزنار، رئيس الوزراء الإسباني السابق الذي أيّد حرب العراق.
وبالمقابل يمثل نادي برشلونة الذي يضم 105 آلاف عضو إسبانيا الهوامش، الكاتالونية التي يمثلها خوسيه لويس زاباتيرو، رئيس الوزراء الإسباني الحالي الاشتراكي الديمقراطي الذي سحب بعد فوزه في الانتخابات التشريعية عام 2004 القوات الإسبانية من العراق.
وهناك الكثير من الكاتالونيين يعتبرون انتصار برشلونة على ريال مدريد عام 1974 بخمسة أهداف مقابل صفر بمثابة البداية الحقيقية لعملية تحول سياسي، أكثر من مقتل رئيس وزراء فرانكو «كاريرو بلانكو» من قبل الانفصاليين الباسكيين في نفس السنة. توفي فرانكو في العام التالي وانفتحت إسبانيا أخيرا على الديمقراطية.
وعلى أساس نفس نهج برشلونة عبّر نادي «كييف» طيلة الحقبة السوفييتية عن الهوية الوطنية الأوكرانية في مواجهة روسيا. وكانت انتصارات ذاك النادي «دينامو» على نادي سبارتاك الموسكوفي بمثابة وسائل نادرة لتجسيد تلك الهوية وصولا إلى الاستقلال عام 1991.
وكانت الجزائر والأرجنتين وكوريا وفلسطين ويوغسلافيا قد شهدت كلها أشكالا من محاولات تأكيد الهوية الوطنية عن طريق كرة القدم. ثم إن شعبية الرياضة أو الرياضيين تسمح بجذب الأنظار نحو بعض القضايا أو المطالب.
تهديدات ومخاطر
تعبر الرياضة أيضا عن التساوي في الحظوظ اليوم، بعد أن كانت هناك سابقا عقبات كثيرة أمام ممارستها، مثل عقبات الثروة ولون الجلد والجنس.
وكان الآثينيون وحدهم لهم الحق في المشاركة في الألعاب الأولمبية، بينما كان البرابرة يحق لهم حضورها إنما جرى استبعاد النساء والعبيد من المنافسات الرياضية ومن جمهور حضورها. لكن هذه المنافسات اليوم تقبل وجود الجميع على نفس خط الانطلاق مهما كانت أصولهم الاجتماعية وعرقهم وثروتهم. وليس صدفة أن الرياضة تقدم في العديد من البلدان إمكانيات الاندماج والترقّي الاجتماعي.
وقد كانت رحلة كرة القدم طويلة انطلاقا من اختراعها من قبل المعاهد والجامعات الإنجليزية إلى إنعاش حياة أناس ربما أنهم لم يضعوا أبدا قدمهم في أية مدرسة.
لكنها اليوم مهددة بوزن المال والعنف والعنصرية، وخاصة بأن تصبح سلعة مثل غيرها في عصر قوانين السوق والعولمة الليبرالية.
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف
