يناقش المؤلف هنا علاقة كرة القدم بقضيتي الحرب والسلام، مستعرضاً وجهات نظر المتحمسين لهذه اللعبة التي يرونها جسراً يمتد أمام تكريس الصداقة بين الشعوب والأمم، لكنه لا يهمل في الوقت نفسه ما يراه البعض من ان كرة القدم ومبارياتها تشكل مناسبات للعواطف والانفعالات والتوجهات السياسية ومختلف أنواع التعبير عنها، وهو لا ينسى تحذيرنا من أن عالم كرة القدم لا يقوم بالضرورة على العدالة وأن شعوباً كثيرة تتعرض في إطاره لقدر لا يستهان به من الظلم والغضب.
تمثل كرة القدم، بالنسبة لهواتها، وسيلة رائعة لتعزيز الصداقة بين الشعوب، فهي وسيلة سلمية للتقارب ولتطوير العلاقات بين الأمم. ويرى أنصار هذه اللعبة أنها تشارك في نشر السلام بالعالم أكثر من منظمة الأمم المتحدة نفسها. وهي بالتالي تستحق عن جدارة جائزة نوبل للسلام.
وهذا ما يرد عليه البعض بالقول ان المباريات الرياضية تشكل مناسبة لانفلات النزوات القومية وتعبيرها عن كره الشعوب الأخرى وكره «الآخر»، «الأجنبي» الذي يغدو «الخصم المطلوب الانتهاء منه بأي ثمن وبكل الوسائل».
«الرياضة والحرب» تعود علاقتهما إلى زمن الألعاب الأولمبية في العهود القديمة أيام كانت الحروب تتوقف عندما يبدأ موسم الألعاب حيث يصبح «الصراع المسلح» في الملاعب. وكان «تفوق مدينة يترافق مع سيطرتها في ميدان الألعاب». هكذا كانت الألعاب الأولمبية بمثابة دعوة لوضع حد للحرب وكأن لسان حال الناس آنذاك يقول: «مارسوا الرياضة ولا تشنّوا الحروب»كن تشوشت فيما بعد الحدود بين المنافسات الرياضية والمواجهات الحربية مما دفع أحيانا إلى منع ممارسة الألعاب الرياضية.
هذا ما توضحه شهادة اللورد الإنجليزي «مير» عام 1314 عندما صرّح باسم الملك إدوارد الثاني قائلا: «بسبب حالة الاضطراب التي تثيرها ألعاب كرة القدم في الميادين العامّة، والتي يمكن أن تثير شرورا (حمانا الله منها)، قررنا باسم الملك منع ممارسة مثل تلك الألعاب في المدينة وتحت طائلة السجن بالنسبة للمخالفين».
حرب مختلفة
كان يتم اعتبار الرياضة أحيانا عاملا في استنفاد الطاقات على حساب الاستعداد للحرب. وبهذا المعنى ليست هي «أفيون الشعوب»، كما يعبّر العديد من علماء الاجتماع، وإنما هي «أفيون النزعات الحربية»، وليس نادرا استخدام التعابير الحربية أثناء التعليقات على مباريات كرة القدم مثل القول «قصف مرمى الخصوم» و«قصف المعسكر الخصم» وتكرار الهجومات و«إعادة احتلال اللعب» و«دفع الهجوم»... وكثيرا ما يتم أيضا وصف الكرات القوية بأنها «صواريخ» والحديث عن «تكتيك» و«إستراتيجية اللعب» وكأن الأمر يتعلق ب«معركة». ثم إن رفع الأعلام وترديد النشيد الوطني قبل المباريات يزيدان من حدّة الرمز «الحربي» وكأنه سيتم الشروع في «القتال».
وكان الأديب الإنجليزي الكبير جورج أورويل صاحب روايتي «مزرعة الحيوانات» و«1984» قد كتب: «الرياضة هي الحرب دون إطلاق أي عيار ناري». وكتب الأديب الفرنسي جان جيرودو من جهته: «في المرحلة الراهنة ـ عام 1933 ـ حيث أصبحت الأمم كلها ذات نزعة قويمة متشددة وبنت حول نفسها حواجز كتيمة مثل جدار الصين، لم يعد هناك سوى صيغتين لهما سمة دولية هما الحروب والألعاب (...).
وكل بلد يمتلك الآن جيشا أو ميليشيا تعادل قوتهما ما تعبئه الرياضة الأكثر شيوعا لديه، أي كرة القدم»يؤكد المؤلف في هذا السياق أن بيير كوبرتان الذي أعاد بعث الألعاب الأولمبية في فرنسا لم يكن يرمي فقط إلى تكريم اليونان القديمة والاحتفاء بصداقة الشعوب عن طريق الرياضة، وإنما كان أيضا يرمي إلى التأكيد على قناعة أنه يمكن للرياضة أن تعيد إحياء النشاط في البلاد عبر نفخ روح المنافسة لدى الشباب الفرنسيين.
بنفس الوقت، كان شائعا في الصحافة الألمانية عام 1913، أي عشية نشوب الحرب العالمية الأولى، كتابات مثل القول: «إن الفكرة الأولمبية في العصر الحديث ترمز إلى حرب عالمية لا تُبدي بوضوح صفتها العسكرية، لكنها تقدّم لأولئك الذين يعرفون قراءة الإحصائيات الرياضية لمحة كافية عن تراتبية الأمم». كان مثل هذا القول يبيّن منذئذ عملية الاستغلال السياسي للنتائج الرياضية.
وهذا ما فعلته كل من ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية واستمر في ظل الحرب الباردة التي لم تتم ممارستها فقط في كوبا وفييتنام وحول جدار برلين وإنما أيضا في الملاعب الرياضية. وكان مألوفا استخدام عدد الميداليات التي تحصل عليها موسكو وواشنطن وألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية في الحرب الدعائية القائمة بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي. كان ذلك بالطبع أفضل من الحرب، بالمعنى الدقيق للكلمة.
واعتبارا من نهاية الحرب العالمية الأولى أخذت الرياضة دلالة أقوى وأصبحت رهانا رمزيا على قوة الأمم. وكان من المستحيل عندها القيام بفصل كامل بين الرياضة والدبلوماسية. وإذا كان من الصعب اليوم تصور أن يفرض وزير الخارجية تنظيم مباراة مع هذا الفريق أو ذاك لأسباب دبلوماسية، لكن الواقع كان كذلك آنذاك. فبعد عام 1919 جرى استبعاد البلدان المهزومة من المنافسات الرياضية الدولية.
وفي سنوات العشرينات كانت المباريات الرياضية المسموح بها والممنوعة محددة من قبل وزارة الخارجية، ولم يكن الفريق الوطني الفرنسي لكرة القدم قادرا على اللعب سوى مع بلدان حليفة أو محايدة. وجرت المباراة الأولى بين فرنسا وألمانيا عام 1931 حيث كانت ألمانيا قد عادت من جديد إلى جوقة الأمم.
الانتصار أو الموت
كانت السلطات السياسية، خاصة في اللحظات الأكثر صعوبة في الحياة الدولية، تولي أهمية كبيرة للرياضة باعتبارها أداة لإشعاع البلاد، كالحياة الثقافية مثلا. هكذا أعيدت في إيطاليا، أثناء بطولة كأس العالم عام 1934، المباراة بين إيطاليا وإسبانيا بعد التعادل في المباراة الأولى. كانت المنافسة بين إيطاليا الفاشية وإسبانيا الجمهورية. كان الإيطاليون على غاية الخشونة والعنف حيث أصابوا اللاعبين الإسبان بجراح تحت أنظار حكم لا مبال. وهذا ما وصفه أحد المراقبين بالقول: «لم يكن الأمر يتعلق بعد برياضة وإنما بحرب».
وفي كأس العالم عام 1938، وعشية المباراة النهائية بين إيطاليا وهنجاريا (المجر) بعث موسوليني للاعبين الإيطاليين برقية تحتوي على ثلاث كلمات فقط هي «الانتصار أو الموت». لقد انتصر اللاعبون الإيطاليون في تلك المباراة، وفي اليوم التالي ارتدوا أثناء الاحتفال بانتصارهم الزي العسكري.
«الرياضة هي الحرب» هكذا جاء في عنوان احد ملفات مجلة «لوموند ديبلوماتيك» الشهرية عام 1998. وكانت «التايمز» اللندنية التقليدية جدا قد كتبت قبل المباراة نصف النهائية بين إنجلترا وألمانيا تقول: «كرة القدم، هي متابعة الحرب بوسائل أخرى».
وكان هذا القول تحريفا لكلمة شهيرة قالها منظّر الحرب الكبير «كلاوزفتس» وجاء فيها: «السياسة هي متابعة الحرب بوسائل أخرى». أكان سبب العنوان الذي اختارته «التايمز» هو رغبة الثأر لهزيمة إنجلترا أمام ألمانيا في المباراة النهائية لكأس العالم عام 1966 أو ربما الثأر للمواجهة بين البلدين أثناء الحرب العالمية الثانية؟، يتساءل المؤلف.
وفي عام 1981 نشر الروائي الفرنسي بيير بورجاد رواية تحمل عنوان: «كرة القدم هي متابعة الحرب بوسائل أخرى». وروى فيها قصة لاعب كرة قدم ألماني شرقي سابق أصبح عضوا في أجهزة الاستخبارات. وقد جاء على لسان احدى شخصيات الرواية بعد مباراة بين مدينة ألمانية ومدينة فرنسية ما يلي: «هل لاحظتم طريق تسجيلنا للهدفين، إذ جرى الالتفاف من الجناح بالنسبة للهدف الأول والاقتحام من الوسط بالنسبة للثاني.
وهذا تماما ما فعله الجيش الألماني عندما انتصر على الجيش الفرنسي في الحربين العالميتين؟»ها هو لاعب كرة القدم الكاميروني الذي نال شهرة دولية في مباريات كأس العام لبطولة عام 1990 يصرّح: «أنا ضابط احتياط، وفخور بخدمة بلادي منذ عشرين سنة». وهذا هو وزير خارجية أميركا الأسبق والإستراتيجي الكبير هنري كيسنغر يكتب: «إن فريق ألمانيا الغربية لكرة القدم يقوم بالتخطيط لهجوماته آخذا بعين اعتباره أدق التفاصيل».
واعتبر الرئيس الأميركي الأسبق جيرالد فورد (الذي كان لاعبا في ميدان كرة القدم الأميركية) أن «النجاح الرياضي قد يخدم الأمة بمقدار ما يخدمها الانتصار العسكري». وأثناء مباريات كأس العالم لعام 2002 تواجهت البرازيل مع تركيا، وطرد الحكم الكوري الجنوبي أحد اللاعبين الأتراك - هاكان أنصول- ظلما في اللحظة التي كان فيها اللاعبون الأتراك يظهرون كأنداد للعمالقة البرازيليين الذين تحوّلت المباراة لصالحهم منذ طرد اللاعب التركي.
وهذا ما علّق عليه رئيس الفيدرالية التركية لكرة القدم بالقول: «لقد دفعنا آلاف الشهداء لكوريا منذ خمسين سنة (أي أثناء الحرب الكورية في مطلع سنوات الخمسينات من القرن العشرين). لكن كورياً واحدا قتل 70 مليون تركي». وإذا كانت كرة القدم لا تؤدي إلى نشوب حرب بالمعنى التقليدي للكلمة، فإنها يمكن أن تبعث خصومات لم تكن تختفي، وتحيي شياطين الماضي الساهية. كانت تلك هي الحالة التي شهدتها مباريات كأس آسيا لعام 2004 التي جرت في الصين. وقبل المباراة النهائية كان الجمهور الصيني قد أخذ موقفا مناوئا للفريق الياباني.
وهذا ما عبّر عنه مدرب الفريق الياباني بالقول: «في كل مباراة، وكائنا من يكون الفريق الخصم كان الجمهور يشجع الخصوم. وإنني أنحني احتراما أمام لاعبينا الذين حافظوا دائما على روحهم المهنية». وقبل ثلاثة أيام من المباراة النهائية طلبت الحكومة اليابانية رسميا من الصين «اتخاذ جميع الإجراءات الصارمة الكفيلة بمنع الاضطرابات والعنف».
مع ذلك، وفي يوم المباراة النهائية، ارتدى العديد من المشجعين الصينيين الزي العسكري للجيش الياباني الذي كان قد اجتاح الصين خلال سنوات الثلاثينات كي يبينوا لليابانيين أسباب تعبئتهم ضدهم. ورفع مشجعون آخرون لافتات حملت رقم «000 300» كإشارة إلى عدد القتلى المدنيين الصينيين الذين أبادهم الجيش الياباني في نانكين عام 1937. فازت اليابان في تلك المباراة النهائية بثلاثة أهداف، واضطرت الشرطة الصينية في تلك الليلة إلى فرض حصار حول السفارة اليابانية ببكين خوفا من الهيجان الذي كان يعم المدينة.
وزن التاريخ
لكن بالتأكيد ليست كرة القدم هي المسؤولة عن وجود علاقات سيئة بين طوكيو وبكين، وإنما هي مجرد انعكاس لذلك. مع ذلك كان هناك من دون شك «وزن التاريخ». وقد أراد الصينيون أن يُظهروا لليابانيين احتجاجهم على «عدم اعترافهم» بما اقترفوه من جرائم في الماضي بل وعلى العكس ميلهم لتمجيد أولئك الذين قاموا بها؛ وإصرارهم على الحديث عن «أحداث نانكين».
كذلك يبدو واضحا أن هناك خلفية جيوسياسية لحالة التنافس بين البلدين، ذلك أن الصين «الصاعدة» بقوة تثير قلق اليابانيين ، وبالمقابل يثير انبعاث النزعة القومية اليابانية من جديد خشية الصين، ولكن أيضا بقية بلدان جنوب شرق آسيا.
وفي الواقع عندما تكون المباريات الرياضية محمّلة بالذكريات المأساوية تتجاوز الرهانات مباشرة الإطار الرياضي البحت. فبتاريخ 15 نوفمبر 2001، تواجه الفريق الوطني البرتغالي مع فريق موزمبيق، المستعمرة البرتغالية السابقة التي استقلّت عام 1975. وقد تحولت المباراة سريعا إلى حالة من الفوضى وتوقفت قبل 22 دقيقة من نهايتها بعد طرد أربعة لاعبين من موزمبيق وجرح لاعب آخر حيث تمنع القواعد الجارية لعب مباراة دولية بأقل من سبعة لاعبين.
كانت النتيجة عند توقيف المباراة هي خمسة أهداف لصالح البرتغال مقابل هدف واحد لموزمبيق. وقد صرّح حكم المباراة الفرنسي بعد ذلك بقوله: «لوحظ سريعا أن المباراة هي أبعد ما تكون عن مباراة وديّة». ومن بين أشهر «المبارزات» في تاريخ كرة القدم، تلك المباراة التي جرت بين إنجلترا والأرجنتين في مباراة ربع النهائي لبطولة كأس العالم عام 1986 في المكسيك.
كانت هناك أحداث سابقة زادت من حالة الانفعال المحيطة باللعب. ففي عام 1966 تواجه البلدان في إطار بطولة كأس العالم. وكانت النتيجة بدون أهداف عندما قرر حكم المباراة طرد «كابتن» الفريق الأرجنتيني لتسجل إنجلترا هدفا بعد ذلك بدقائق. كان الحكم ألمانياً ورأى الأرجنتينيون في طرد لاعبهم «مؤامرة» ألمانية ـ إنجليزية. وما هو أخطر من ذكرى 1966 هناك حرب «الفوكلاند» عام 1982 التي تواجه فيها البلدان من أجل السيادة على الجزر التي تحمل هذا الاسم.
في عام 1986 لم تكن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين قد استؤنفت وكانت المباراة بمثابة ثأر. انتصر الأرجنتينيون فيها بفضل هدفين سجلهما اللاعب الأسطوري دييجو مارادونا وكان أحدهما ذلك الهدف الشهير بيده («يد الإله» كما قال). وسجل مارادونا الهدف الثاني بعد مراوغة ستة لاعبين إنجليز. وقد اعترف اللاعب الأرجنتيني بعد ذلك قائلا: «أحب ذلك الهدف ـ بيده ـ على الأقل بمقدار ما أحب الثاني، بل وأحيانا أفضله، أي الأول، إذ كان مثل نشل محفظة نقود من جيب إنجليزي».
ثم يضيف: «لقد قلنا انه لا ينبغي الخلط بين كرة القدم والرياضة، لكن ذلك كان كذبا. إننا لم نكن نفكر بغير ذلك. وكنا نحقد على اللاعبين الإنجليز بسبب كل ما مضى ومن أجل جميع آلام الشعب الأرجنتيني. يمكن لذلك أن يبدو جنونا لكننا كنا ندافع عن علمنا، وعن الشباب الذين ماتوا وعن الأحياء». وبتاريخ 25 مايو 1991 التقى الفريقان من جديد في «ويمبلي» لمباراة الثأر من عام 1986. وأمام جمهور تنبعث منه صيحات الغضب كان مارادونا هو أول اللاعبين الأرجنتينيين الذين دخلوا إلى أرض الملعب وبيده اليسرى ـ اليد التي سجل فيها هدفا عام 1986 ـ الكرة.
وفي عام 1982 لعبت فرنسا مباراة قبل النهائي ضد ألمانيا في إطار مباريات كأس العالم. وكانت فرنسا قد خسرت تلك المباراة بضربات الجزاء بعد التعادل في الوقت الرسمي. لكن الفرنسيين لم ينسوا أبدا تلك المباراة، ليس بسبب الهزيمة، وإنما بسبب الخشونة التي مارسها حارس المرمى الألماني «هارالد شوماخر» ضد اللاعب الفرنسي باتريك باتستون الذي نقلوه وهو فاقد الوعي إلى المستشفى.
كانت تلك الخشونة تتعارض مع العلاقات السلمية التي كانت قائمة بين العدوّين السابقين، إذ كانت ألمانيا قد احتلت فرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية. وقد خشي المسؤولون الألمان أن تخرب قسوة حارس المرمى الجهود التي بذلوها لعدة عقود من أجل إيجاد تحالف مع الجار الفرنسي. لقد بدا «شوماخر» مثل «هتلر صغير».
لكن أمكن محاصرة الحادث واستمر العدوّان اللدودان في الحربين العالميتين يلعبان دور المحرك في مسيرة التوحيد الأوروبي. وعارض البلدان في موقف مشترك الحرب الأخيرة على العراق، ووصلت الصداقة بينهما إلى حد أن الرئيس الفرنسي جاك شيراك تحدث باسم ألمانيا أثناء اجتماع أوروبي عندما كان المستشار الألماني السابق جيرهارد شرودر مضطرا لحضور جلسة برلمانية.
ويلاحظ المؤلف أن عالم كرة القدم، مثل عوالم أخرى، ليس منظّما على أساس العدالة. فإذا كان قد جرى استبعاد الفريق الوطني اليوغسلافي عام 1992 من مباريات كأس أوروبا، كعقاب لنظام سلوبودان ميلوزفتش، فلم يطالب أحد باستبعاد روسيا من أية مباراة دولية، على الرغم من قيام جيشها بقتل مئة ألف من الشيشان. هكذا تتماشى ممارسة مبدأ «ميزانين ومعيارين» في ميدان كرة القدم مع ما هو مطبّق على صعيد الجيوسياسة إذ لم تتعرض روسيا لأية عقوبة من قبل منظمة الأمم المتحدة ولا من قبل الفيدرالية الدولية لكرة القدم.
وفي منطقة الشرق الأوسط يتم العمل بنفس المبدأ المزدوج، إذ كان فريق «هابوعيل» الإسرائيلي قد تأهل بين ال16 فريقا في دوري كأس أوروبا عندما هزم فريق شيلسيا البريطاني، إذ إن ستة من لاعبي هذا الفريق الشهير رفضوا السفر إلى إسرائيل لأسباب تتعلق بالأمن.
ولم تتطلب الفيدرالية الأوروبية نقل المباراة، رغم أجواء العنف في الشرق الأوسط، إلى مكان محايد، كما تفعل غالبا في مناسبات أخرى. وفي عام 2003 دفعت الظروف الأمنية الفيدرالية الأوروبية لكرة القدم إلى منع لعب أية مباراة في إسرائيل. اعتبر الإسرائيليون هذا القرار بمثابة عقاب غير عادل. فجرى إلغاؤه.
وفي شهر أبريل من عام 2002 طلبت الأردن من الفيدرالية الدولية لكرة القدم تعليق انتساب إسرائيل لها كرد على تصرفاتها في الأراضي المحتلة. كذلك وجّه رئيس الفيدرالية الأردنية لكرة القدم رسالة إلى الفيدرالية الأوروبية لكرة القدم يطلب فيها «تجميد النشاطات الرياضية لإسرائيل وعدم تنظيم مباريات بين النوادي الأوروبية والنوادي الإسرائيلية».
رفضت اللجنتان التنفيذيتان للفيدراليتين الدولية والأوروبية تلبية مثل ذلك الطلب. وأكّد رئيس الفيدرالية الأوروبية أنه ستتم معالجة كل حالة على انفراد حيال لعب أية مباراة. وإن فيدراليته لن تتخذ أية إجراءات إلا إذا قررت منظمة الأمم المتحدة ذلك.
ويحرص المسؤولون الإسرائيليون، كما يؤكد مؤلف هذا الكتاب، على عدم استبعادهم من المنافسات الرياضية، لأن مثل ذلك الاستبعاد يشكل حكما خارجيا على السياسة الإسرائيلية. ثم إن إصدار حكم سلبي عليها واستبعادها يذكّر بسابقة المقاطعة التي جرى فرضها على نظام جنوب إفريقيا العنصري سابقا، وهذا ما يريد المسؤولون الإسرائيليون تجنبه بأي ثمن.
وعندما أعلن حارس مرمى الفريق الوطني الفرنسي فابيان بارتيز عام 2005 بمناسبة التأهيل لبطولة كأس العالم عام 2006 خشيته من الذهاب للعب في إسرائيل (وحيث جوبه النشيد الوطني الفرنسي بالصفير قبل المباراة)، أثار عاصفة دبلوماسية حقيقية، وذلك على خلفية أشكال من عدم التوافق الدبلوماسي بين إسرائيل وفرنسا.
بالمقابل يمكن لكرة القدم، وفيما هو أبعد من التهديدات بعقوبات، أن تكون أيضا عاملا في الدفع نحو التوصل إلى حلول سلمية لنزاعات أهلية أو دولية. هكذا قام لاعبو ساحل العاج بعد تأهيلهم بدقائق لخوض مباريات كأس بطولة العالم عام 2006 بدعوة جميع مواطنيهم لإلقاء السلاح ووقف الحرب الأهلية التي تخرّب البلاد منذ ثلاث سنوات. وقد قاموا بندائهم وهم يركعون وكأنهم يستعدون للصلاة.
وفي الوقت الذي كانت فيه بطولة العالم لكرة القدم عام 2002 على وشك الانطلاق، ازدادت حدة التوتر بين الهند وباكستان. وهذا ما دفع أمين عام الفيدرالية الباكستانية لكرة القدم إلى القول: «كانت الرياضة دائما أداة لولوج طريق السلام ونأمل أنه في نهاية المنافسات ان تكون التهديدات بنشوب حرب في جنوب آسيا قد زالت واختفت نهائيا من المنطقة».
القوة الرمزية
يمكن لكرة القدم أن تساهم، بفصل قوتها الرمزية، في الوصول إلى مصالحات تمحي أو تطمس آثار المواجهات. وكان اللاعب الليبيري الشهير «جورج أوياه» الذي لعب في نادي «سان جيرمان» الفرنسي و«ميلانو آسي» بعد ذلك، قد فعل الكثير من أجل أن يكون الفريق الوطني لبلاده خميرة العودة لوحدة ليبيريا الممزقة بحرب أهلية. وقد صرّح عام 1995 بعد حصوله على «الكرة الذهبية» في أوروبا بقوله: «سوف أقدمها إلى جميع القوى المسلحة التي تتقاتل في بلادنا، وسوف أجمعها في منروفيا.
وقد أثبت أنه يمكن للمرء أن يقاتل من أجل بلاده بطريقة أخرى غير الحرب». وكانت بطولة كأس العالم لكرة القدم عام 2002 قد جرت للمرّة الأولى خارج أميركا وأوروبا، أي في آسيا. وكان هناك بلدان يتنازعان حق تنظيمها هما اليابان وكوريا الجنوبية. كانت اليابان حديثة العهد واقعيا في لعبة كرة القدم، لكنها طورتها سريعا، أما كوريا الجنوبية فقد كانت ذات باع طويل في التاريخ الكروي، إذ كان فريقها الوطني قد شارك في المراحل النهائية لبطولات كأس العالم خمس مرّات (في سويسرا 1954، والمكسيك 1986، وإيطاليا 1990، والولايات المتحدة 1994، وفرنسا 1998).
كانت اليابان تريد تنظيم البطولة لتأكيد مرتبتها الهامة على الصعيد الدولي وهي التي ازداد إجمالي إنتاجها الداخلي من 3 بالمئة من الإنتاج العالمي عام 1950 إلى 16 بالمئة اعتبارا من مطلع سنوات الثمانينات. كما كان ذلك يعني أنها قد طوت صفحة الحرب العالمية الثانية لتصبح احدى الدول الفاعلة في العلاقات الدولية. ربما لأنها تطالب بمقعد كعضو دائم في مجلس الأمن، رأى قادتها أنه من المنطقي أن تكون أول بلد آسيوي يقوم بتنظيم بطولة كأس العالم. باختصار كان تنظيم تلك البطولة بمثابة إبراز لدورها الدولي ولأرجحيتها على الصعيد الإقليمي.
أمّا القادة الكوريون الجنوبيون فقد كان الأمر يتعلق، على العكس، بالاعتراض على الأرجحية الإقليمية اليابانية وتشجيع استئناف الاتصالات مع كوريا الشمالية التي تشكل دولة منفصلة منذ عام 1948 بعد خمسة آلاف عام من الوحدة الكورية. وكان من الواضح أن الكوريين الجنوبيين رأوا في تنظيم كأس العالم لكرة القدم وسيلة لإحياء مسيرة إعادة التوحيد الكوري.
وقد صرّح رئيس الفيدرالية الكورية لكرة القدم بقوله: «إذا كان جواد هافلانج ـ رئيس الرابطة الدولية لكرة القدم آنذاك ـ يريد الحصول على جائزة نوبل للسلام فعليه إذن أن يعطي حق تنظيم كأس العالم لكوريا. فالهدف من ترشيحنا ليس رياضيا أو اقتصاديا فحسب، وإنما هو أيضا مشروع سلمي». وفي المحصلة قررت الفيدرالية الدولية توزيع تنظيم بطولة كأس العالم لكرة القدم عام 2002 للدولتين اليابانية والكورية الجنوبية.
وإذا كان تنظيم تلك البطولة قد أدّى إلى بروز مشاعر الانتماء القومي الكوري على الصعيد الشعبي، فإنه قد سمح بالتقارب بين اليابان وكوريا، العدوين التقليديين بسبب جروح التاريخ العميقة واحتلال كوريا من قبل اليابان خلال سنوات 1910-1945 واستخدام مئتي ألف فتاة كورية أثناء الحرب العالمية الثانية كـ «مومسات» من أجل «متعة» الجيش الياباني.
هكذا لعبت كرة القدم دورا جوهريا في التخفيف من حدة التوتر بين الكوريتين، الجنوبية والشمالية، وفي التقارب الياباني ـ الكوري إلى درجة أن المشجعين اليابانيين حوّلوا حماسهم نحو دعم المنتخب الكوري بعد إقصاء فريقهم من المنافسات، وأن كوريا الجنوبية رفعت بتلك المناسبة قرار منع بث الموسيقى اليابانية على أراضيها.
وينقل المؤلف عن الكاتب الكبير نوربرت إلياس قوله: «يمكن لمشاهدي مباراة في كرة القدم التمتع بالاستثارة الأسطورية التي تخلفها معركة تجري فوق ملعب رياضي وهم يعرفون أنه لن يتم إلحاق أي أذى باللاعبين أو بهم». والهزيمة في كرة القدم هي دائما مؤقتة و«إنهاء الخصم» هو إلى حين، إذ قد تدور الدوائر على «المنتصر» في المباراة المقبلة.