يناقش المؤلف باسكال بونيفاس هنا فكرة بالغة الأهمية فيما يتعلق بانتشار كرة القدم وصلتها بمفهوم العولمة، ذلك أن كرة القدم ترتبط بتعزيز الانتماء لهوية جماعية، وبينما ترمي العولمة إلى الدفع باتجاه تفكيك الروابط الوطنية والهويات الإقليمية فإن كرة القدم تعمل في الاتجاه المعاكس تماماً، حيث تعزز الانتماء الوطني والقومي. فكيف واجه منظرو العولمة هذا التناقض؟

يقوم التعريف التقليدي للدولة على أساس ثلاثة معايير هي وجود أرض وسكان وحكومة. ويمكن أن يضاف لها الآن معيار رابع هو وجود فريق وطني لكرة القدم. ويبتسم الاستقلال الوطني اليوم بالقدرة على الدفاع عن الحدود وصك عملة وطنية والمنافسة في مباريات كرة القدم على الصعيد الدولي.

إن كرة القدم تسمح بتعبئة وتعزيز الانتماء لهوية جماعية. وعندما يجتمع المشجعون لدعم «فريقهم» إنما يعبّرون بنفس الوقت عن مشاعر الانتماء المشترك، وعن تأكيد روح الجماعة وبنفس الوقت تأكيد الذات حيال الآخر. والتعبير عن أشكال التعارضات المحلية والاجتماعية وأحيانا العقائدية. هكذا يمكن للتنافس بين فريقين محليين أن يؤدي إلى تعزيز التمايز بين مجموعتين وربما متجاورتين في نفس المدينة.

وقد يأخذ هذا التمايز بُعدا عقائديا دينيا أحيانا مثلما هو الحال بالنسبة لفريقي رانجرز البروتستانتي وسيلتيك الكاثوليكي في جلاسكو، أو بعدا اجتماعيا، فنادي ليفربول هو ذو بعد شعبي بينما ايفرتون نادي النخبة. ويوجد في مدينة لندن عدد من الفرق المحترفة ولكل منها هويتها الخاصة بها. ويتوزع المشجعون بين هؤلاء الفرق حسب معايير محددة يتم توارثها أبًا عن جد.

ويمكن للتمايز أن يكون إقليميا، فهكذا يتم اعتبار فريق مدينة ليون الفرنسية ذا طابع بورجوازي بينما يجسّد فريق مدينة سانت ايتيين التقاليد العمالية. ومن جهة أخرى يؤكد فريق «اسبانيول» ببرشلونة انتماءه الإسباني وليس انتماءه إلى منطقة كاتالونيا على عكس فريق برشلونة الذي يريد أن يكون «حامل العلم» الكاتالوني. ويمكن لأبناء ريو دوجانيرو أن يشحنوا فريق «فلومينيزي» أو فريق «فلامنغو»، ولكن الاختيار يتعلق بخيار اجتماعي. والحال نفسه في الأرجنتين وإيطاليا وغيرهما.

ويصل التنافس بين المناطق أحيانا إلى حد تمنّي خسارة الفريق المنافس على الصعيد الوطني. هكذا يفرح مشجعو فريق مرسيليا لكرة القدم عندما ينهزم فريق باريسي، ولا شيء يثير الفرح في قلب أحد مشجعي نادي يوفنتوس من خسارة فريق ميلانو في المنافسات الأوروبية.

تناقض

بالمقابل إذا كانت العولمة ترمي إلى انحلال الروابط «الوطنية» والهويات الإقليمية، فإن كرة القدم تعمل تماما في الاتجاه المعاكس، إذ أنها تعزز الانتماء الوطني والقومي. والعولمة تنزع إلى إلغاء الحدود بينما تذكر كرة القدم الشعوب بأنها تعيش داخل حدود وأنها تشكل أمّة أو جزءاً من أمة.

وهذا ما عبّر عنه المؤرّخ البريطاني الكبير «اريك هوبسباوم» بالقول: «إن ما جعل الرياضة بمثابة وسيلة وحيدة لإدخال الشعور الوطني إنما يتمثل في السهولة التي يجد فيها الأفراد، بما فيهم الأقل خبرة في عالم السياسة، أنفسهم في حالة تشابه مع الأمة التي ينتمون إليها والتي يرمز لها شباب يجيدون ما يمارسونه والذي يريد كل إنسان، أو أنه أراد مرّة واحدة في حياته على الأقل أن يكونه في حياته، أي أن يكون بارعا في ميدان ما». وبهذا تمثل كرة القدم مؤشرا هاما على الهوية الوطنية.

ويمكن لكرة القدم أن تكون أيضا دليلا مبكرا على المطلب الوطني الذي يسبق تأسيس الدولة. أما بالنسبة للدول القائمة فيمكنه أن يعيد باستمرار تأكيد هويتها، أثناء المباريات الدولية. هكذا قد تبقى نتائج بعض المباريات مثل نقاط علام هامة في التاريخ الوطني للبلدان المعنية بها، إمّا فرحا بانتصار الفريق الوطني أو مرارة بهزيمته، وذلك مثل هزيمة فرنسا يوم 8 يوليو 1982 أو انتصارها بتاريخ 21 يوليو 1998 في مواجهة البرازيل. ففي هذين اليومين اشترك الفرنسيون كلهم بنفس المشاعر.

ويرى مؤلف هذا الكتاب أن الملاحظة الدقيقة لعملية تنامي مشاعر الانتماء الوطني بواسطة كرة القدم يمكنها أن تكون إنذارا لوجود «خلل» وطني. هكذا ظهرت مثلا علائم «التفسخ» في يوغسلافيا بمناسبة مباراة كرة القدم التي جرت يوم 13 مارس 1990 وتنافس فيها فريقا «دينامو» زغرب و«النجم الأحمر» في بلغراد.

إن مواجهات خطيرة قد قامت بين مشجعي الفريقين، من الكرواتيين بالنسبة للفريق الأول والصربيين بالنسبة للثاني، وأدت إلى سقوط 60 جريحا. وكان المشجعون الكرواتيون قد بدأوا منذ عام 1989 يرددون بأعلى صوتهم أثناء المباريات التي تتواجه فيها فرقهم لكرة القدم مع فرق صربية الشعار التالي: «سلوبو (أي سلوبودان ميلوزفتش، الرئيس الصربي آنذاك) سوف لن تفلت من السكين».

وربما أن الدولة اليوغسلافية الفيدرالية كانت قد ماتت يوم 26 سبتمبر 1990 بمناسبة المباراة التي جرت بين فريق نادي «هاوجوك» لمدينة سبليت وفريق «بارتيزان» من بلغراد. ففي ذلك اليوم اجتاح مشجعو فريق «هادجوك» أرض الملعب وأحرقوا العلم اليوغسلافي.

هذان الحدثان كان لهما دلالتهما الكبيرة، إذ أظهر الحدث الأول أنه لم يعد بمقدور المشجعين الكرواتيين والصربيين الالتقاء في نفس الملعب؛ أما الحدث الثاني فقد أظهر أن الدولة اليوغسلافية لم تعد تمتلك سلطة على جزء من ترابها الوطني. وكان المدعو ذيلكو رازناتوفيك، المعروف باسم «أركان» والذي سيصبح مشهورا فيما بعد كأحد مجرمي الحرب قد صرّح: «يوم 13 مارس 1990، كانت هناك مباراة لكرة القدم، وقمنا بعدها مباشرة بتنظيم أنفسنا.

لقد فهمت عبر تلك المباراة أن الحرب سوف تقع، لقد ارتقبت كل شيء وكنت أعرف أن سكين الاوستاشي (المقصود بذلك الفاشيون الكرواتيون أثناء الحرب العالمية الثانية) سوف تذبح من جديد الأطفال والنساء الصربيين». وكانت تعبيرات أخرى عن الهوية وعن النزوع نحو الاستقلال قد ظهرت عند مباريات بكرة القدم بين فريق نادي «دينامو» موسكو و«دينامو» كييف. وكان ذلك يدل بوضوح على أن «المسألة القومية» لم تكن محلولة داخل إطار الاتحاد السوفييتي (السابق) على الرغم من تأكيدات الزعماء السوفييت، بما فيهم ميخائيل غورباتشوف.

وهناك أمثلة كثيرة أخرى يمكن أن تبرهن على الدور الذي تلعبه كرة القدم في تعزيز مشاعر الهوية الوطنية بالنسبة لتشكّل الدول الجديدة الناتجة عن تفجر الكتلة السوفييتية (السابقة). وكانت كرواتيا، أثناء الحرب، قد أعفت لاعبي كرة القدم الماهرين من الخدمة العسكرية وذلك على اعتبار أنهم كانوا يخدمون «الأمة» وهم يضربون الكرة بأقدامهم أكثر مما يخدمونها والبندقية في أياديهم.

وكان مدرّب فريق كرة القدم الكرواتي ميروسلاف بلازيفيك قد صرّح بكل تواضع: «في كرواتيا، أنا بطل، أنا من أيقظ المشاعر بالهوية الوطنية الكرواتية عندما تنافست على البطولة اليوغسلافية لكرة القدم عام 1982 برفقة فريق دينامو زغرب. أما كرة القدم عندنا ظاهرة اجتماعية. أنا مدرك لهذا، ثم إننا لم نخرج من الحرب إلا منذ فترة وجيزة. وفقد الناس فيها أبا أو أخا أو ابنا، وفقدوا منازلهم.

إن شعبي الصغير يحس بالحرمان لكنه شعب شجاع وقد وضع آماله كلها في منتخبنا الوطني لكرة القدم». وكان الرئيس الكرواتي فرانجو توجمان نفسه قد طلب تغيير اسم نادي «دينامو» كي يصبح «كرواتيا» وصرّح بأن هذا سوف يساهم في تعزيز كرواتيا بينما أن تسمية «دينامو» قد تعني بنظر العالم الغربي «أننا لم نتحرر بعد من الإرث البلشفي والإرث البلقاني».

وكان تفجر الإمبراطوريات ذات الإثنيات المتعددة قد أدّى آليا إلى زيادة كبيرة في عدد الفرق الوطنية الأوروبية لكرة القدم. لقد انتهت الفرق السوفييتية واليوغسلافية والتشيكية وأخلت المكان لعدد أكبر بكثير من الفرق الوطنية. وقد بدا بوضوح أن الدول المستقلة حديثا سارعت بطلب انتسابها إلى عضوية الفيدرالية الدولية لكرة القدم ـ الفيفا ـ وبدت حريصة على ذلك مثل حرصها على الانتساب لمنظمة الأمم المتحدة. وذلك على أساس أن مثل هذا الانتساب يعطي للمواطنين الذي قاسوا من أحداث سياسية مأساوية الإحساس بأنهم يعيشون مرحلة جديدة من تأكيد هويتهم الوطنية.

ما بين قوسين

ويفتح مؤلف الكتاب قوسين في هذا السياق كي يشير أنه يمكن لكرة القدم أن تبدو بمثابة عامل في تهديم دول كان يمكنها الاستمرار، مع ما ترتب على ذلك التهديد من ثمن سياسي وإنساني باهظ. ويرد على مثل هذا الرأي بالقوة أن كرة القدم قد شكّلت في الواقع «كاشفا» للعوامل التي أدت إلى نشوب الأزمة. وأنها أظهرت فقط المشاعر الوطنية التي لم تكن قد ذابت في إطار سياسي (فيدرالي) واسع. وعندما انفجر هذا الإطار برزت كرة القدم مثل «إسمنت سريع» لتعزيز المشاعر الوطنية.

وبدا من جهة أخرى أنه من الأسهل أكثر بالنسبة للمواطنين التعبئة حول فريق وطني رياضي أكثر مما هو حول إقامة سفارة لدى الأمم المتحدة. ثم إن كرة القدم وحدها قد نجحت في إقامة صلة وطيدة بين مفهوم السيادة الوطنية والحياة اليومية. ثم لا شك أن عملية النقل التلفزيوني قد غيّرت من مكانة الفريق الوطني لمختلف البلدان إذ أصبحت البلاد كلها تشاهد المباريات وليس فقط المجموعة القليلة من المشجعين الذين يرتادون الملاعب عند كل مباراة. ويؤكد المؤلف في هذا الإطار على أن كرة القدم قد عززت (أكثر مما يُظن) المشاعر الوطنية التي كانت لا تزال هشة ومهددة لدى الدول الفتية، وخدمت بذلك في توحيد صفوف الشعوب التي عاشت تجارب قاسية.

وكان «بافيل كتشاتريان»، رئيس الفيدرالية الأرمنية لكرة القدم قد صرّح عام 1995: «بكل ما جرى، وبعد كل الخسائر في البيوت والبشر، أمكن للرجال وهم في صالات ارتداء ملابس كرة القدم أن يكوّنوا بلادا»، ثمّ أضاف مشيرا للمباراتين اللتين كان فريقه قد تعادل فيهما ضد أيرلندا الشمالية والبرتغال: «إن الأهداف المسجّلة هي من الذهب بالنسبة للبلدان الوليدة. إنها ترمز إلى الأمة، وتنتزع الاعتراف بها. إنها مصدر اعتزاز كبير».

وفي أوكرانيا، كان الانتصار الذي حققه الفريق الوطني يوم 5 سبتمبر 1998 على روسيا بثلاثة أهداف مقابل هدفين، بمثابة «مباراة القرن». وينقل المؤلف عن مسؤول أوكراني كبير قوله: «يمكن لبلد فتي مثل بلادنا أن يكبر بواسطة كرة القدم. ويلعب الشعور الوطني دورا كبيرا في انتصاراتنا». وبهذا المعنى أعطت كرة القدم نوعا من الثقة وتأكيد الذات بالنسبة لبلد مثل أوكرانيا يعرف صعوبات اقتصادية، ولكن أيضا صعوبات على صعيد الهوية، لاسيما وأن هذه البلاد ممزقة بين روسيا وبقية أوروبا.

من جهة أخرى ترى الحركات الانفصالية أو الداعية للاستقلال الذاتي النسبي في كرة القدم واجهة استثنائية لتأكيد تطلعاتها. هكذا تحاول منطقتا كاتالانيا والباسك في إسبانيا خلق فرق لكرة القدم على أساس الهوية «الخاصة»، وبدأت مثل هذه الظاهرة تشق طريقها بالنسبة للأندلس وجزر الكاناري؛ وبالمقابل تبذل مدريد كل جهدها من أجل تجنب توصل المجموعات الاثنية المعنية إلى المشاركة،

بصفة مستقلة عن إسبانيا، في المباريات التي تنظمها الفيدرالية الأوروبية أو الفيدرالية الدولية لكرة القدم. ويشير المؤلف إلى ما كتبه أحد الصحافيين الإسبان عن إمكانية انتساب سبع عشرة منطقة إسبانية إلى الفيدرالية الدولية لكرة القدم، وجاء فيه: «إن الممثلين السبعة عشر للاثنيات المستقلة ذاتيا في إسبانيا قد يشكلون فرقا تضاهي على الأقل الفريق الوطني الذي لم يحقق تاريخيا حتى الآن انتصارات كبيرة».

هذا وفي الوقت الذي تحقق فيه الأندية الإسبانية نجاحات كبيرة، فإن المنتخب الوطني الإسباني اكتفى بالفوز في بطولة الأمم الأوروبية عام 1964. وكان عدد من المسؤولين الكاتالونيين قد أكّدوا الدور الكبير لكرة القدم في تأكيد مطالبهم «الوطنية»، مثل تصريح مدرّب المنتخب الكاتالوني: «إننا ننظّم مباريات ضد فرق وطنية هامة من أجل أن تثبت على الأرض شرعية منتخبنا».

ثم أضاف: «إن الاعتراف الرسمي بالمنتخب الكاتالوني هو حلم بالانتساب إلى منظمة دولية مثل الأمم المتحدة. وطالما أن المنظمة الدولية لا تعترف بكاتالونيا كبلد كامل الحقوق، فإنه لا يمكن إعطاء الصفة الرسمية لمنتخبنا. إننا أناس منضبطون يحترمون النظام القائم. لكننا لن نستسلم.

وقد أثبت نظام الجزر البريطانية وحيازتها على منتخبات وطنية في أيرلندا الشمالية وسكوتلندا وبلاد الغال أنه يمكن لكل منطقة التمتع بمنتخب وطني يمثلها». ثم إن منطقة جبل طارق هي أيضا مرشحة للانتساب إلى الفيدرالية الأوروبية لكرة القدم ـ اتحاد الجمعيات الأوروبية لكرة القدم ـ تؤكد بالتالي، رغم أن عدد سكانها لا يتجاوز الثلاثين ألف نسمة، أنها تفضّل الاستقلال، وليس فقط حيال الوضع الحالي المتمثل في ارتباطها ببريطانيا، وإنما أيضا حيال ما تطالب به إسبانيا بعودتها إلى ظل سيادتها.

بكل الحالات تمثل عملية تشكيل منتخب لفريق كرة قدم تُطلق عليه على عجالة صفة «فريق وطني» وسيلة لتأكيد هوية ليست واضحة بالضرورة. وفي عام 2001 أنشئت منظّمة من قبل أحد المحامين بهدف استقبال الفرق «الوطنية» التي يتم رفضها من قبل الفيدرالية الدولية لكرة القدم لأسباب سياسية مثل الفريق الشيشاني، الذي اعترضت روسيا بالطبع على انضمامه، وفريق التيبت بسبب المعارضة الصينية أو جبل طارق. ثم إن الفيدرالية الدولية تعاقب كل الفرق التي تعترف بها إذا لعبت مباريات ضد فريق لا تعترف به.

وكانت الفيدرالية الدولية لكرة القدم تقبل سابقا «الجمعيات الرياضية» التي تمثل كيانات لم تحقق بعد استقلالها السياسي، أصبحت تتطلب من الآن فصاعدا الحصول المسبق على الاستقلال السياسي الواضح قبل قبول الأعضاء الجدد. هذا يعني أن كرة القدم هي في صميم عملية ولوج طريق الاستقلال السياسي. وقد يحصل ويتواجد فريق كرة القدم قبل قيام الدولة مثل فريق جبهة التحرير الوطني الجزائرية الذي كان يلعب خلال الفترة الواقعة بين 1958 و1961 باسم «دولة» لم تكن قد قامت وحيث كان الشعب يناضل من أجل الحصول على استقلاله. لم تعترف الفيدرالية الدولية لكرة القدم بالفريق الجزائري طيلة تلك الفترة مع أنه لعب 91 مباراة في ظل العلم الجزائري الذي لم يتم الاعتراف به إلا بعد اتفاقيات إيفيان عام 1962.

وبتاريخ 15 أبريل 1958 خرجت صحيفة «الإيكيب» الفرنسية وعلى صدر صفحتها الأولى العنوان التالي: «تسعة لاعبي كرة قدم يختفون». كان هؤلاء في عداد ال53 لاعبا محترفا الأهم في فرنسا ومن بينهم مصطفى زيتوني ورشيد مخلوفي، اللذين كانا بين أعضاء الفريق الوطني الفرنسي. وقالت الصحيفة الفرنسية في تعليقها على «اختفاء» اللاعبين الجزائريين: «إن فريق فرنسا باقٍ، وحتى لو أن كلمة فرنسا تأخذ دلالة أكثر اختزالا».

لم «يختف» أولئك اللاعبون الجزائريون وإنما كانوا في واقع الأمر قد هربوا سرا عبر سويسرا إلى تونس حيث كان يتواجد مقر الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية. وقد صرّح يومها فرحات عباس رئيس تلك الحكومة: «من الواضح أننا نولي أهمية قصوى لسلوك هذا الفريق؛ ذلك أنه يقدم عبر لعبه في الخارج صورة شعب يناضل من أجل استقلاله».

كان رشيد مخلوفي قد فاز بكأس فرنسا مع فريق مدينة سانت اتيين، كان عمره آنذاك 22 سنة وكان يُفترض أن يشارك بمباريات كأس العالم لعام 1958، لكنه ضحّى بهذا كله من أجل الدفاع عن قضية شعبه. وقد علّق على ذلك فيما بعد عام 2001 بمناسبة اللقاء الشهير بين الجزائر وفرنسا في إطار دورة المتوسط وقالف: «هذا يثبت أن الشعب الجزائري كله كان متضامنا وأن جميع الجزائريين، وحتى الأكثر يسرا منهم والأكثر امتيازا منهم من قبل فرنسا، كانوا معنيين. وإذا كانت بلدان المغرب قد اعترفت سياسيا بجبهة التحرير الوطني الجزائرية، فإن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة للبلدان الأوروبية الشرقية. لذلك قمنا بتنظيم مباريات في هذه البلدان من أجل الاعتراف بمطالبنا وإقامة علاقات دبلوماسية».

فاز ذلك الفريق الجزائري ب65 مباراة وعرف 13 هزيمة ونفس العدد من التعادل. لكن عدم اعتراف الفيدرالية الدولية به حرمه من اللعب مع الفرق الوطنية للدول الأخرى، حسب التعليمات النافذة. وفي كل مرّة كان الفريق الجزائري يلعب فيها كان يعرّف بالمطالب السياسية الجزائرية وكان يرافقه أحد ممثلي جبهة التحرير الوطني الجزائرية.

النموذج الفلسطيني

وينقل المؤلف هنا عن «كابتن» الفريق الفلسطيني لكرة القدم قوله: «إن شعبي يقاتل بالحجارة. وأنا أقاتل من أجله عبر لعبة كرة القدم». وبهذا المعنى تقدّم كرة القدم للفلسطينيين فرصة لتأكيد تطلعاتهم إلى الاستقلال. إن منظمة التحرير الفلسطينية، وعلى غرار جبهة التحرير الجزائرية، أنشأت فريقا لكرة القدم عام 1964. ومنعت السلطات الإسرائيلية بعد الانتفاضة جميع مباريات كرة القدم كي لا تسمح لهذه الرياضة بأن تكون «حاملا» لتأكيد الهوية الوطنية الجزائرية.

وعندما جرت عام 1995 مباراة بين المنتخب الفلسطيني وفريق من عدد من اللاعبين الفرنسيين، بينهم ميشيل بلاتيني، بدا ذلك بمثابة خطوة على الطريق الطويل الذي يأمل الفلسطينيون أن يقودهم من اعتراف بهم إلى آخر وأخيرا نحو الاستقلال.

وكانت فلسطين قد أصبحت عضوا في الفيدرالية الدولية لكرة القدم عام 1998، أي في الوقت الذي كانت فيه المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين تبدو وكأنها قد تؤدي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة في أفق قريب. ويومها منحت الفيدرالية الدولية مبلغ 5,6 ملايين فرنك فرنسي للفيدرالية الفلسطينية. لم يكن ذلك المبلغ يكفي بالكاد مرتب شهرين لأحد نجوم كرة القدم في أوروبا، لكنه كان مبلغا هاما بالنسبة للفيدرالية الفلسطينية ذات الموارد المادية المتواضعة جدا.

وكان اللاعبون الفلسطينيون هم أبناء الانتفاضة. وينقل المؤلف عن الصحيفة الفرنسية لكرة القدم ما كتبته يوم 6 مارس 2001 وجاء فيه: «لقد كبروا - أي اللاعبون الفلسطينيون- في قلب المواجهات التي كانت تقوم يوميا تقريبا بين الشباب الفلسطينيين والجنود الإسرائيليين. وكان يومها مجرد رفع شارة وطنية مميزة قد يؤدي إلى السجن». لكن في كل مباراة كان يتم رفع العلم وترديد النشيد الوطني الفلسطيني. وقد صرّح وزير الرياضة الفلسطيني قائلا: «إن اسمنا موجود اليوم على الخارطة العالمية للرياضة».

وفي أوروبا التي عرفت في إطار مسيرة توحيدها الوصول إلى عملة أوروبية موحّدة في «اليورو» تبقى كرة القدم هي عامل مقاومة من أجل المحافظة على الهوية؛ المقاومة وليس الانغلاق على الذات. ثم إن كرة القدم تسمح في واقع الأمر للأمم وللبلدان الصغيرة أن تؤكد نفسها على المسرح الدولي. فبالنسبة للارجواي، المحصورة بين العملاقين البرازيلي والأرجنتيني، كان تنظيم أول كأس بطولة العالم عام 1930 وسيلة ممتازة لتأكيد هويتها.

وكانت قد تحمّلت النفقات المترتبة على التنظيم والنقل والإقامة كلها، لكنها فازت أيضا بالكأس في المباراة النهائية التي جرت في ملعب بُني بتلك المناسبة وسُمي «ملعب الاستقلال». كانت الرسالة واضحة في مواجهة شهية الأرجنتينيين الذين كان الكثيرون منهم لا يرون في الأرجواي سوى «زائدة» تابعة لهم.

ويمكن لكرة القدم خاصة، وللرياضة عامة، أن تخدم في تعزيز لحمة بلدان تعاني من وجود نزعات انفصالية في داخلها. هكذا يمثل الفريق الوطني البرازيلي رابطة وطنية في بلد شاسع ومنقسم اجتماعيا واثنيا مثل البرازيل. ولذلك تحاول كندا تطوير الرياضة كرمز للوحدة الوطنية يتجاوز الانقسام بين الناطقين بالإنجليزية والفرنسية.

ولا يزال الفريق الوطني لكرة القدم في بلجيكا «فريق الشياطين الحمر» آخر العوامل المشتركة والموحّدة في البلاد، إلى جانب التاج الملكي. وكان اللاعب الأيرلندي الكبير «جورج بيست» قد «وحّد الشعب الأيرلندي أكثر مما وحّده أي مسؤول سياسي»، حسب تعبير الوزير البريطاني المكلّف بشؤون أيرلندا الشمالية في الحكومة البريطانية. ونفس الدور «الوطني» تلعبه كرة القدم في بلدان مثل نيجيريا وكوريا حيث «احتفل الجنوب والشمال معا للمرّة الأولى» عندما وصلت كوريا الجنوبية إلى دور نصف النهائي لبطولة كأس العالم عام 2002.

عاصفة سترو

في شهر ديسمبر عام 2000 أطلق وزير الداخلية البريطاني «جاك سترو فكرة توحيد الفرق الوطنية الإنجليزية والاسكوتلندية والأيرلندية والغاليّة لكرة القدم في فريق بريطاني واحد يمكنه تحقيق نتائج أفضل على المستوى الدولي. وقد أثار بذلك عاصفة حقيقية، ووصل الأمر بصحيفة «الجارديان» البريطانية الجدّية إلى القول: «لا يمكن لهذا التصريح العبثي أن يصدر إلا عن إنسان قد فقد رشده وأمضى نصف حياته على كوكب المرّيخ أو في غابات الأمازون».

وفي محصلة القول عن الدور «الوطني» لكرة القدم يعتبر مؤلف هذا الكتاب أن الأمم والشعوب تلتف حول فرقها الوطنية وأن اللاعبين يصبحون «أبطال الأمة» بكل ما تحمله هذه الصفة من معنى، وأحيانا قد يأخذون دور المدافعين عن قضايا شعوبهم ويجسدون تطلعاتها وقيمها وأفكارها. إنهم «أحد عشر بطلا» تتطلع إليهم أنظار أممهم وشعوبهم لتأكيد مكانتها في وجه عولمة تريد أن تفرض قوانينها... وقوانينها وحدها.

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف