في ختام هذا الكتاب، يلقي المؤلف ستيفن كنزر الضوء على الأضرار الجسيمة التي تتعرض لها الأمم والشعوب جراء التدخل الأميركي في شؤونها ومصائرها، ويمضي بنا في رحلة لرصد جانب من هذه الأضرار، حيث يشير إلى الأوضاع عقب الغزو الأميركي لغرينادا وبنما وأفغانستان، ويحذر المؤلف فيما يشبه لحن الختام من ان الميديا الأميركية بمساهماتها المروعة تقف وراء ما يمكن وصفه بالنجاح الكارثي حيث تنهال على القراء والمشاهدين والمستمعين بأوصاف النجاح التي يتمتع بها وضع كارثي نجم عن تدخل أميركي آخر في هذه المنطقة او تلك من العالم.

في تحليله النقدي لهذا الكتاب (نيويورك تايمز، عدد 2/5/2006) كتب البروفيسور ريتشارد بتز من جامعة كولومبيا مؤكدا على حقيقة أن أسلوب واشنطن، وقد دام أكثر من قرن من الزمن في محاولة تغيير النظم الحاكمة فوق خارطة العالم، ألحق أضرارا بالغة بالأقطار التي تعرضت لذلك التغيير بقدر ما أصاب بأضرار جسيمة أيضا الولايات المتحدة ذاتها.

بيد أن الناقد يتوقف مليا عند الدور المنسوب إلى واشنطن ـ وإلى الدكتور كيسنجر وزير خارجيتها مع مطالع السبعينات ورئيسه ريتشارد نيكسون ـ في الانقلاب الدموي الذي أطاح بنظام الرئيس التتشيلي، سلفادور الليندي بل وأدى أيضا إلى نقل الرجل شخصيا إلى عداد الأموات.

يقول البروفيسور ريتشارد بتز ان التحقيقات الشهيرة التي أجراها الكونغرس الأميركي بمعرفة السيناتور فرانك تشيرش عام 1975 لم تعثر على قرينة وجيهة تشير إلى أن واشنطن قد حرضت أو ساعدت على الانقلاب العسكري الذي قاده في سنتياغو الجنرال أواوغستو بينوشيه في عام 1973.

وقد يتعارض هذا الرأي مع ما كشفت عنه وثائق أذيعت في العام الماضي وتشير بأصبع اتهام بشكل أو بآخر إلى ضلوع هنري كيسنجر ولو بصورة غير مباشرة في تلك الأحداث الدموية التي شهدتها تشيلي.

من ناحية أخرى يلتمس ناقد الكتاب بعض العذر للذين اتهموا واشنطن بهذا التواطؤ حين يضيف قائلا في تحليله الذي ألمحنا إليه: ـ إن فظائع نظام بينوشيه الذي لم يكتف باغتيال رئيسه بل تكشفت مؤخرا حكاية تجارته في الهيروين (الغارديان، عدد 12/7).

ناهيك عما شاهده المتفرجون في أحداث فيلم «المختفون أو المفقودون» الذي يصور حالات اختطاف واختفاء معارضي ذلك النظام الذي أطاح بحكومة الليندي وفرضه حكما أقرب إلى عنف ودموية الفاشية فضلا عما ذاع عن الرئيس نيكسون من مشاعر الغبطة والارتياح إزاء الإطاحة بالرئيس الليندي، كل ذلك أوجد الحكاية الفولكلورية التي تشير إلى ضلوع واشنطن في انقلاب تشيلي تماما، بقدر ضلوعها في الانقلاب على الدكتور محمد مصدق في إيران ثم الانقلاب على الرئيس أربنز في غواتيمالا (نلاحظ من جانبنا في هذا السياق أيضا أن كلا من تلك «العمليات» كان وراءها واحدة من أكبر الشركات المتعددة الجنسيات: في تشيلي كان الدور منسوبا إلى شركة الاتصالات السلكية واللا سلكية (آي. تي. تي.)، وفي إيران كان الدور منسوبا إلى شركة النفط الأنجلوـ إيرانية أما في غواتيمالا فكان القائم بالدور هو شركة الفواكه المتحدة.

رصد السلوكيات الحاكمة

مع ذلك يبقى للكتاب قيمته في أن مؤلفه، وعبر 385 صفحة من القطع المتوسط، عمل على تسجيل ورصد سلوكيات حكومات بلاده إزاء تغيير ما لم يكن يروق لها أو يتفق معها أو مع سياستها من نظم وحكومات.. لا تستثني في ذلك دولة في الشرق الأوسط، ولا بلدا في أميركا اللاتينية ولا دويلة جزيرة في مياه الكاريبي.

ولا شك أن مؤلف الكتاب استثمر في هذا كله محصلة خبرته الطويلة كمراسل خارجي مخضرم لكبريات الصحف الأميركية، فضلا عن براعته في عرض الأفكار بأسلوب صحافي جذاب يحرص فيه ـ على طريقة صحافة بلاده ـ على متابعة وإبراز العوامل الشخصية والمقابلات الخصوصية والآراء المتعلقة بالأفراد والشخصيات وكأنه كان يصنع بذلك ضفيرة يجدلها من واقع الحدث المسجل أو المعروف، وأيضا من واقع السلوك الشخصي القابع في أحيان كثيرة وراء ستار.

وبعد أن ينجز المؤلف البابين الأول والثاني من كتابه.. يودع قارئيه في الباب الثالث والأخير من خلال 4 فصول ختامية يضمها عنوان يتعلق بالتحول في سلوك واشنطن إلى حيث الغزو المسلح والتدخل السافر المباشر.

وبعيدا عن الإغراق في أحداث الماضي.. يبدأ المؤلف في آخر أبواب الكتاب بلمحة عن قرار الرئيس الأسبق ريغان بغزو غرينادا، كان ذلك في خريف عام 1983 وفي 21 أكتوبر بالذات جاءت الأنباء من غرينادا الجزيرة التي تبعد عن سواحل أميركا نحو 170 كيلومترا لتقول إن انقلابا قد وقع ضد حكومة الجزيرة وإنه تم على عجل وبغير محاكمة إعدام رئيس وزرائها. بعدها مباشرة بدأت بورصة التوقعات والتكهنات السياسية في العمل، وكان أول التوقعات يدور حول نظام الحكم الجديد في أعقاب تلك الأحداث.

لقد كان رئيس الوزراء السابق يساريا وكان مؤيدا لكوبا ورئيسها كاسترو الذي تكرهه أميركا كراهية التحريم.. لكن التوقعات ما لبثت أن اتخذت مسارا مختلفا حين قيل إن قادة الانقلاب أو «الخونتا» ـ العصبة الجديدة التي تريد السيطرة على مقاليد الأمور أعلنت أنها عاقبت رئيس الوزراء السابق ـ اليساري لأنه لم يكن يساريا بالقدر الكافي(!)، ومن ثم أعلن القادة الجدد أنهم سيفرضون نظاما شيوعيا يعلن مبادئ الماركسية ـ اللينينية على جزيرة غرينادا(!). بهذا حكم هؤلاء القادة على أنفسهم، فلا الجزيرة الوادعة في مياه المحيط كانت بحاجة إلى مثل هذا التطرف أو فلنقل الطفولة اليسارية ولا كان من حسن السياسة مثلا العمل عن عمد ومع سبق الإصرار على معاداة دولة كبرى في حجم الولايات المتحدة.. بوصفها الدولة الأكبر في المحيط الإقليمي الذي تتواجد فيه الدولة ـ الجزيرة التي كانت في السابق مستعمرة بريطانية.

والعكس كان هو الصحيح.. فقد هيأ قادة الجزيرة الجدد إحدى الفرص التي كان يتطلع إليها، بل كان يتلمظ من أجلها ريغان شخصيا.. وفي هذا يقول مؤلف كتابنا: أدرك مستشارو ريغان ـ على الفور أن أزمة غرينادا أتاحت للولايات المتحدة فرصة غير متوقعة لتسجيل نقطة أو إحراز نصر استراتيجي في سياق الحرب الباردة. وكان الأميركيون بدورهم تستبد بهم اللهفة إلى مثل هذه الفرصة.

أكثر الأميركيين كانوا فريسة الإحباط من جراء الهزيمة التي أصابتهم في فيتنام فضلا عن أزمة الرهائن في إيران التي طال أمدها وآلامها على السواء ومن ثم عاشوا عقدا بأكمله من الزمن يعانون ما كانوا يعتبرونه شعورا بالمهانة على الصعيد العالمي. ولم يكن أحد ينسى أنهم حين صوتوا لصالح ريغان في عام 1980 ما كان ذلك سوى لأن الرجل وعدهم بأن يستعيد «مكانة» الولايات المتحدة في العالم. وها هي غرينادا تتيح له هذه الفرصة.

شرع المعاونون في الإدارة الأميركية يفتشون عن أسباب وذرائع ومبررات للغزو. كان هناك مثلا بضع مئات من الطلاب يدرسون في كلية الطب في الجزيرة الكاريبية (تقليد متبع نظرا لرخص التكاليف مقارنة بكليات أميركا نفسها) وربما كان الموقف المتوتر في الجزيرة يقتضي إجلاؤهم ويقفل الملف بعد ذلك. لكن معاوني الرئيس ريغان كانوا يرغبون في التصعيد وفي التلويح بالسيوف والخناجر، كما يقول المثل المتواتر، وفي إظهار رئيسهم في إهاب رجل الدولة الحازم الصارم.. فما بالك بفرصة سنحت لكي يصدر أوامر غزو بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة!..

البحث عن ورقة التين

كان القوم بحاجة إلى ذريعة ـ تكئة أو مبرر ولو كان بسيطا واهيا ـ ورقة توت (في المصطلح الأميركي يسمونها ورقة تين) وهكذا تم الاتصال برؤساء وحكام سائر دول الكاريبي الذين أقلقتهم ولا شك تطورات الموقف في غرينادا دع عنك خطورة تحويل دفتها إلى اليسار الماركسي ـ اللينيني وبعدها أعلنوا موافقتهم على قيام أميركا بغزو الجزيرة.. الذي تم فعلا.

صحيح أن الجمعية العامة للأمم المتحدة عارضت غزو غرينادا واصفة العملية بأنها «انتهاك سافر للقانون الدولي» لكن الصحيح أيضا أن الرئيس ريغان لم ينتظر سوى بضعة أسابيع لكي يدلي بخطاب مفعم بالعواطف أمام جمعية الكونغرس في نيويورك ويومها جهد معاونوه ـ كما يقول مؤلفنا ـ مؤكدين أن الرئيس هو الذي صاغ بنفسه سطور هذا الكتاب الذي اختتمه رونالد ريغان بحديث عن درس غرينادا المستفاد للأميركان وللعالم حيث قال: هكذا انتهت أيام ضعفنا، وها هي قواتنا المسلحة تقف من جديد على قدميها وتطاول قامتها عنان السماء.

بعدها جاء الدور على بنما، وهي بدورها الدويلة المجاورة للعملاق الأميركي في منطقة أميركا الكاريبية الوسطى. هي موضوعيا تتسم بأهمية إستراتيجية بالنسبة لواشنطن باعتبار أنها تحتل أولا موقعا مفصليا في منطقة ما بين الأميركيتين الشمالية والجنوبية ثم تمر بإقليمها ثانيا قناة بنما التي تصل ما بين المحيطين الهادي والأطلسي بصورة أو بأخرى (بالمناسبة المهندس الذي أشرف على حفر قناة بنما في أميركا الوسطى وقناة السويس في مصر العربية مهندس واحد هو الفرنسي فرديناند دي ليسبس).

غزو والجنرال

وبنفس المقياس جاء الدور على الرئيس جورج بوش ـ الأب الذي خلف ريغان وكان محتاجا بدوره إلى أزمة تتم معالجتها وتؤدي إلى رفع معنويات الناخبين الأميركيين. أما التاريخ فكان ختام عام 1989 وجاءت هذه الأيام الباردة لتشهد الفصول الختامية لمأساة دولة لاتينية صغيرة هي مأساة الصراع بين أميركا وبين عميل سابق لها اسمه نورييغا كان يتولى وقتها منصب قائد الجيش في بنما وكان يعد رجل بلاده القوي..

يفرض من يشاء من رؤساء الجمهوريات وضد إرادة الناخبين.. يتواصل مع أميركا بدرجة عميل لدى مخابراتها ويتواصل مع كولومبيا بدرجة شريك في تجارة المخدرات مع عصابات مهربيها ـ وبلغ راتبه السنوي من المخابرات المركزية 110 آلاف دولار بوصفه ـ كما يؤكد المؤلف ـ كان أهم محور للعمالة في أميركا اللاتينية بأسرها. لكن ها هو الجنرال العميل يشق عصا الطاعة ويبدي سلوكيات التمرد على مخدوميه ويصل الأمر إلى مصادمات لم يعالج أمرها بين جنوده وبين جنود المارينز الأميركان المرابطين في بلاده.. بل يصل إلى حد مقتل عدد من هؤلاء المارينز في منطقة القناة التي تتمتع بوضع دولي إقليمي خاص.

هكذا، وبينما كان أطفال بنما يرددون أنشودة «فليس نافيداد» احتفالا بمقدم عيد الميلاد استدعى الرئيس بوش ـ الأب كبار مساعديه وأعلن عزمه على توجيه ضربة إلى بنما بشكل عام وضد الجنرال نورييغا بشكل خاص وحملت الخطة التي وضعها رئيس الأركان الأميركي اسم «الملعقة الزرقاء» وكان رئيس الأركان هو الجنرال كولن باول الذي أصبح وزيرا للخارجية في مستقبل الأيام.

وتم تنفيذ خطة غزو بنما وأدت الملعقة الزرقاء إلى إزاحة رجلها القوي الذي كان طاغية وعميلا ومهربا للمخدرات ولم تفلح مناوشاته دون أن يسلم نفسه ويتحول إلى سجين في أحد محابس ميامي بولاية فلوريدا.

بعدها ينقلنا مؤلف كتابنا إلى أحد الأيام المشهودة في تاريخ القارة الآسيوية وربما تاريخ واحد من أشد الصراعات مرارة في العالم، وهو 27 سبتمبر عام 1996 اليوم الذي يصفه الكاتب بأنه شهد زحف قوات «طالبان» الظافرة لكي تستولى على كابول، عاصمة أفغانستان وتفرض عليها نظاما جديدا ترعاه أميركا وباكستان ودول أخرى.

في هذا الإطار يتقصى المؤلف الأميركي جذور هولاء الحكام الجدد في أفغانستان.. على صفحة 272 وما بعدها ـ قرب نهايات هذا الكتاب يوضح ستيفن كنزر «كيف تخلت باكستان مع أوائل التسعينات وبعد الانتصار على قوات الروس (السوفييتية سابقا) وطرد فلولها من أرض أفغانستان ـ تخلت عن جماعات المجاهدين الأفغان ولم تتحمس لإعلان واحد من رموزهم، وهو حكمتيار لتسلم السلطة العليا في البلاد، وإنما لجأت باكستان ـ يضيف المؤلف ـ إلى تجنيد اللاجئين الأفغان المتشددين وكانوا ملتحقين بآلاف المدارس الدينية في باكستان وقامت بتنظيمهم ضمن وحدات عسكرية مدربة وجيدة التسليح. وفي نهاية عام 1994 كانت هذه الوحدات وقد حملت اسم طالبان نسبة إلى طلاب العلم الديني قد بلغ قوامها نحو 20 ألف مقاتل سرعان ما تلقوا تمويلا سخيا من مصادر شتى».

يضيف المؤلف قائلا في هذا السياق: كان طالبان يدينون بالكثير للولايات المتحدة ذاتها، لأن بعض قادتهم كانوا قد تعلموا فن الحرب خلال الثمانينات وفي معسكرات تولت أمرها المخابرات المركزية الأميركية في إطار الحملة المناهضة للغزو والاحتلال السوفييتي. ومنهم أيضا من تحول إلى جادة التشدد (وربما التعصب) وسط أجواء هيأتها المخابرات الأميركية أيضا مع ذلك ورغم أن مساعدات أميركا وباكستان كانت كفيلة بتوصيل طالبان إلى قمة السلطة في كابول إلا أنهم تلقوا عونا إضافيا من مصدر لم يكن متوقعا واسمه بن لادن الذي عاد إلى أفغانستان بعد سنوات أمضاها في السودان ومعه جماعة «القاعدة» أياها.

ولفوره بادر إلى الاعتراف بحركة طالبان بوصفها «تجسيدا للأفكار التي كان يدعو إليها» وقدم 3 ملايين دولار لدفع انتصار تلك الحركة إلى الأمام.. وتطورت الأحداث إلى أن جاء يوم السابع والعشرين من سبتمبر 1996 حين اجتاحت مفرزة طالبان مجمع الأمم المتحدة في العاصمة الأفغانية حيث كان يعيش «نجيب الله» الرئيس الأفغاني المخلوع وقبضت عليه ثم أعدمته شنقا وظلت جثته معلقة تتأرجح في الهواء في ميدان عام.

فتش عن «أونوكال»

فيما كانت سلوكيات طالبان في حكم بلادهم تثير كثيرا من علامات الاستفهام والاستغراب، إلا أن أميركا ـ على نحو ما يؤكد المؤلف (ص 273) ـ ظلت تحتفظ بعلاقات جيدة معهم.. ولدرجة يقول معها دبلوماسي أميركي مخضرم ومتمرس بأحوال تلك المنطقة واسمه «مارتن أيوانس» أن واشنطن ظلت تلتزم الصمت إزاء ما كانت تقدم عليه عناصر طالبان الحاكمة من تصرفات وصلت إلى حد بالغ من الغلو والتطرف.

نلاحظ أن المؤلف يسوق، على عادته مبررا لهذا السكوت أو الاغضاء حين يقول: السبب الواضح في هذا هو أن شركة نفط أميركية هي «أونوكال» أرادت أن تشيد خط أنابيب بتكلفة ملياري دولار لنقل الغاز الطبيعي من حقوله الغنية في تركمانستان (الجمهورية الإسلامية ـ السوفييتية سابقا في آسيا الوسطى) إلى أسواق باكستان الناشطة وربما إلى الهند نفسها وكان يتعين على الخط المنشود أن يجتاز أراضي أفغانستان التي كانت الشركة الأميركية النفطية الكبرى تريد أن ترى في كابول حكومة (ولو على شاكلة طالبان) تستطيع أن تبسط السيطرة وتشيع الأمن في أرجاء البلاد.

وسط هذه الملابسات يظهر اسم «وين رافيل» وكانت تتولى في حقبة كلينتون منصب مساعد وزير الخارجية وكانت اهتماماتها بالأمر ذات طابع وهدف تجاري بالقطع على نحو ما يذكر مؤلفنا. وأثناء زيارتها إلى كابول في عام 1996 أعربت عن أملها في العمل على تسهيل الأمور أمام مصالح البزنس الأميركية. وبعد عودتها حذرت مسؤولي واشنطن من أن عدم التعامل (التفاهم) مع طالبان بشأن شبكة خطوط الغاز معناه ضياع فرصة اقتصادية سانحة.

ثم جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر فتحولت معها الدفة من التفاهم والتجاوز إلى العداء السافر العميق بين واشنطن ـ بوش وتشيني وبين كابول ـ طالبان. كان العالم متعاطفا إزاء ما حاق بأميركا في تلك الكارثة التي لا يقبلها المنطق الإنساني بحال.. وكان الغضب يكاد يحرق نفوس الجماهير الأميركية إزاء سقوط رمزها في المركز التجاري في نيويورك وإزاء ضياع أرواح بريئة من أبنائها.

وكانت قوى ومصالح وملابسات وتشابكات بغير حصر تشير إلى أن منشأ العنف ومن ثم الكارثة قد جاء من أفغانستان التي صدر أمر الرئيس بوش ـ الابن بغزوها لإسقاط طالبان في 7 أكتوبر عام 2001 وبعد قتال دام 78 يوما من فاجعة الحادي عشر من سبتمبر أعلنت واشنطن انتصارها مع اكتمال الاستيلاء على قندهار والعاصمة كابول وجاء هذا الانتصار حلقة جديدة ضمن سلسلة السلوك السياسي الأميركي التي تحمل عنوان «تغيير النظم» وهي السلسلة التي يحرص مؤلف كتابنا على أن يؤكد بحكم خبرته الصحافية والسياسية الطويلة، أنها دامت واستطالت عبر قرن ويزيد من عمر الزمان المعاصر.

بقي في هذا الكتاب الحافل فصلان يكادان يشكلان في سطورهما وأفكارهما وأحكامهما لحن الختام في موضوع الكتاب. في أول الفصلين (يحمل الرقم 13 في مسلسل فصول الكتاب) يتوقف المؤلف، والعهدة عليه طبعا ـ وعلى صفحة 289 عند مشهد حواري مختصر جمع بين الرئيس بوش وبين مساعده الأول لشؤون مكافحة الإرهاب ريتشارد كلارك.. دار الحوار في غرفة العمليات بالبيت الأبيض وكان ذلك بعد أيام قلائل من حادثة سبتمبر 2001.. عمد الرئيس إلى ركن في القاعة ثم بادر إلى حديث خاص مع ريتشارد كلارك قائلا: أريدك أن تسترجع الأحداث بأسرع ما تستطيع كل الأحداث وترى إذا ما كان صدام قد ارتكب هذا الأمر (قصف المركز التجاري) كي نعرف إذا ما كان له أي صلة بالمسألة بأي طريقة.

رد ريتشارد كلارك وهو راوية هذا الحوار في الكتاب:

لكن يا سيادة الرئيس. القاعدة هي التي فعلتها.

أعرف ذلك.. أعرف.. لكن استوضح من جانبك إذا ما كان صدام مشاركا، مجرد جهد تبذله أريد أن أعرف أي شاردة أو واردة.

بالقطع سوف نعاود النظر من جديد.

وقتها كان الموقف مشحونا وكان حافلا بالتوتر ولا سيما في عقابيل حوادث سبتمبر سواء في المنطقة زيرو في نيويورك أو في طائرة محلقة فوق ولاية بنسلفانيا أو مبنى البنتاغون في واشنطن.

مع ذلك فمن مفارقات هذا الموقف المشحون بالتوتر أن يدور حوار آخر بين كلارك، أكبر مسؤولي مكافحة الإرهاب في الإدارة الأميركية وبين كولن باول وزير الخارجية وقتها، وهو كما يعرفه الجميع رجل عسكري محنك ويفهم بالطبع في قضايا الاستراتيجية وخباياها. وعندما تناثرت الأحاديث ـ الأقاويل عن ضرورة غزو العراق.. قال كلارك مخاطبا الجنرال الوزير كولن باول:

أما وقد هاجمتنا «القاعدة» فنحن عندما نتجه من جانبنا إلى قصف العراق في معرض الرد على هذا الهجوم سنكون كمن قام بغزو المكسيك بعد أن تعرضنا لهجوم اليابان في (ميناء) بيرل هاربور.

الفاصل بين هجوم أفغانستان والهجوم على العراق هو 7 أشهر لا غير.. وبهذا أيضا ـ يوضح ـ مؤلفنا ـ نفذت أميركا 4 عمليات غزو لأقطار أجنبية في غضون 20 سنة، هي الفترة الفاصلة بين عامي 1983 و2003 ما بين غزو غرينادا إلى بنما وما بين غزو أفغانستان إلى غزو العراق. وكان الهدف دائما يحمل شعار «تغيير النظام» وإن كان الأمر لا يخلو ـ إعلاميا بالطبع من الحديث عن الديمقراطية والانتخاب الحر وضرورات السهر على الأمن القومي للولايات المتحدة.

النجاح الكارثي

من ناحية أخرى يحذر المؤلف في الصفحات الأخيرة من أن هذه التغييرات التي ترّوج لها الميديا في أميركا أو في غيرها لا تلبث أن تخلّف في أعقابها مشاعر تجمع بين المرارة ومعاناة الآلام بمعنى أنها لا تحقق الاستقرار ولا تضمّد الجراح ولا تدفع البلد ـ الهدف إلى الأمام في مجالات المصالحة الوطنية أو التنمية الاقتصادية أو الوئام الاجتماعي أو الاستقرار السياسي بشكل عام.

من جانبها تعمد الميديا الأميركية، الموالية للإدارة الحاكمة بالذات إلى تصوير الأمر على أنه نجاح باهر بصورة أو بأخرى.. يشهد بهذا لقطة الرئيس بوش في عام 2005 وقد وقف أمام إحدى قطع الأسطول الأميركي ومن خلفه ارتفعت لافتة تقول بأن المهمة قد نفذت وبمعنى أن الأمر قد تكلل بالنجاح.

هنالك نشعر ونحن نودع سطور الكتاب بأن المؤلف يتربص بهذه الدوائر التي تحدثت وما زالت تتحدث عن الإنجاز والنجاح ومن ثم فهو يطلق عليه وصفا غريبا هو: النجاح... الكارثي.

والمؤلف في هذا يحاكم المسار الذي آلت إليه تطورات الأحداث، وهو أيضا يحتكم إلى النتائج السلبية التي نجمت عنها وإلى الطموحات التي لم تتحقق بعد من عمليات الغزو بكل ما تنطوي عليه من مغارم فادحة وتكاليف باهظة تتحملها وتكابدها كل الأطراف على السواء.

وهو يدعو بلاده وقومه وقادة شعبه إلى أن يعطوا الفرصة أساسا ومليا إلى الحلول الدبلوماسية وإلى مد الجسور مع الشعوب بدلا من المبادرة إلى التهديد بتدمير تلك الجسور ناهيك بنسفها فعلا. وبهذا يختتم الكاتب ستيفن كنزر مرافعته (ص 320) قائلا: ثمة تدابير حصيفة ورشيدة كان لها فعل السحر والمعجزة في حل مشكلات مع أقطار شتى: تدابير تجمع بين: بناء المجتمع المدني، ودعم روح الاستثمار المنتج، وتعزيز التبادل التجاري، وتشجيع اللجوء إلى الحلول الدبلوماسية للمشكلات التي تواجه المجتمع الدولي.

عرض ومناقشة: محمد الخولي