ينتقل المؤلف ستيفن كنزر هنا من استعراض حالات التدخل الأميركي السافر في شؤون الدول الأخرى إلى اعتماد آليات التحرك السري كأدوات لتحقيق الأهداف نفسها المتعلقة بالتحكم في مقدرات الأمم والشعوب، ويلقي الضوء بصفة خاصة على التحركات الأميركية في الشرق الأوسط في هذا الإطار، وعلى وجه التحديد ذلك الحشد الهائل من المؤامرات والتدبير والتخطيط الذي استهدف إسقاط حكومة دكتور محمد مصدق، وهو النموذج الذي يستمد أهميته من أن آثاره وتبعاته لا تزال تترك بصمتها حتى اليوم، كما أن الأميركيين لم يترددوا في محاولة تكرار هذا النموذج من العمل التآمري في أكثر من مكان من العالم.
يحمل الباب الثاني من كتابنا ذي الأبواب الثلاثة والفصول الخمسة العنوان المثير «العمل السري» يفتح الستار على أول مشاهد هذا الباب (ص 111)، فإذا بالمؤلف وقد وضع في مقدمة المسرح شخصية محورية كان لها تأثيرها البالغ وبعمق شديد على تشكيل مسار السياسة الخارجية الأميركية غداة انتصاف القرن العشرين، مرحلة الخمسينات التي شهدت فورانا عجيبا في قارات العالم كله سواء من خلال ثورات التحرر الوطني وتطلع شعوب العالم الثالث إلى غد أفضل وحياة أقل فقرا حتى لا نقول أوفر رغدا أو رخاء.
هذه الشخصية التي تتحرك بكل وزنها وخطورتها على مسرح أحداث الباب الثاني من الكتاب تحمل الاسم واللقب التالي جون فوستر دالاس، وزير خارجية الولايات المتحدة خلال معظم سنوات عقد الخمسينات. صحيح أن القارئ صادفه في فصول سبقت ليس بهذا العنف وليس بهذا التركيز ذلك لأن المؤلف يرى أن الوزير الأميركي يشكل رمزا أو يجسد مسلكا أو منعطفا في مسارات السياسة الخارجية للولايات المتحدة،
هو ذلك الذي تحولت فيه واشنطن من أسلوب إلى أسلوب، من الأسلوب القديم الذي كان يدفع أميركا إلى التدخل المباشر لتغيير النظم والحكومات.. على نحو ما تابعناه من مؤلفنا في أقطار صغيرة أو مهيضة واقعة داخل منطقة النفوذ الإقليمي للولايات المتحدة في البحر الكاريبي أو المحيط الباسيفيكي إلى الأسلوب الجديد الذي يصفه المؤلف كما يقول عنوان الباب الثاني الذي نفتتح سطوره وهو «العمل السري» بمعنى نشاط المخابرات وعمليات التآمر بليل وتنفيذ المخططات التي تتم تحت جنح الظلام.
أول صورة فوتوغرافية
يبدأ المؤلف بالإشارة إلى المكتبة الحافلة التي تضمها جامعة تكساس في مدينة أوستن، هذه المكتبة تستضيف مجموعة مقتنيات ثمينة وفريدة منها مثلا: أول صورة فوتوغرافية في العالم وكان قد تم طبعها في عام 1826.. كتاب مقدس تم إعداده بواسطة غوتنبرغ شخصيا.. وهو مخترع آلة الطباعة الحديثة ولا يوجد من هذا الإنجيل في طول أميركا وعرضها سوى خمس نسخ فقط لا غيرها، وهناك أيضا نسخة من أول كتاب مطبوع باللغة الإنجليزية، ويصف المؤلف هذه المجموعة الثمينة قائلا:
ـ إنها تعكس موجات من أثير التاريخ.. وتبعث من ثم شعورا بالرهبة ومن الأحاسيس المعقدة والمركّبة.. بل وتثير ذكريات تحفها هالات من الغموض.
ما علاقة هذه المجموعة بالسيد فوستر دالاس الذي يهتم المؤلف بسيرته وأعماله وقد ألمحنا إليه في مستهل هذه السطور؟
هي علاقة غريبة على أقل تقدير، ذلك لأن هذه المجموعة ضمن مقتنيات مكتبة الجامعة.. تشمل أيضا نموذجا حيا وبالمقاييس الحقيقية لغرفة مكتب جون فوستر دالاس شخصيا وقد أعادوا بناءها لتحاكي تماما المكتب الحقيقي وقد أهدت أسرة دالاس غرفة المكتب هذه للمكاتبة بكل ما تحويه من كتب ومذكرات وأثاث وأدوات وهدايا كان دالاس قد تلقاها من كبار شخصيات عصره.
هنالك يستحضر مؤلفنا شخصية جون فوستر دالاس في إطارها الواقعي الذي كان، بل ويؤرخ لمنشأ أسرته التي يقول إنها كانت أسرة يمتد أصلها إلى الإمبراطور شارلمان الذي خلفت دولته الشاسعة إمبراطورية الرومان. ولقد عمل دالاس محاميا في مكتب واسع النفوذ وعميق الصلات مع كبار الشخصيات من الساسة والاقتصاديين.
وعندما دخل السياسة من باب البرلمان لم يتورع عن كسب ود الناخبين بشعار يصف نهجه الجديد قائلا: أنا عدو الحمر (بمعنى عدو الشيوعيين).
كان ذلك في عام 1949 وكان في ذلك تمهيد لأسوأ مرحلة طورد فيها مثقفو أميركا ومبدعوها وفنانوها بتهمة الانتماء الأحمر، وحملت اسم مرحلة المكارثية.
بين القانون والسياسة
جمع دالاس بين حرفة القانون واحتراف السياسة ولكن هذا كله كان يستند - كما يقول مؤلفنا - إلى خلفية مبشر ديني شديد التمسك بأفكاره إلى حد التصلب إن لم نقل التعصب في كثير من الأحيان. ومن المعروف أن والدة فوستر دالاس كانت تود لو نشأ ابنها كاهنا قبل أن يلتحق بجامعة برنستون لدراسة القانون، وإن كان دالاس قد ظل يتحرك في إهاب كاهن حتى ليوصف عند مترجمي سيرته بأنه أشد القيادات ووزراء خارجية أميركا تمسكا برؤيته الدينية.
دالاس نفسه كان يردد مقولة إن أهم ركائز وجود وسياسة أميركا «تتمثل في تراثها الديني». ومع هذه المقولة كان يرفع شعارا يعلن فيه أنه «يحارب ضد الأساليب والمخططات الشريرة للشيوعية السوفيتية (يسترعي الانتباه في هذا السياق بالذات أن كاتبي خطب الرئيس الأسبق ريغان رددوا على لسانه شعارات مماثلة وكان أشهرها وصف الاتحاد السوفيتي بأنه «إمبراطورية الشر والظلام».
ثم يرصد المؤلف سيرة دالاس وقد أصبح وزيرا لخارجية أميركا مع حقبة الرئيس إيزنهاور. كان الوزير في الثالثة والستين وكان نتاجا لعوامل أساسية ثلاثة هي:
(1) أصل عائلي شديد التميز.
(2) علاقات عميقة واسعة مع أغنى أغنياء زمانه.
(3) عقيدة دينية راسخة تضمر عداء شديداً للقطب الشيوعي السوفييتي.
هذه الخلفية الأسرية والمهنية فضلا عن اليسر المادي والتقدم النسبي في العمر كانت حائلا كما يقول مؤرخوه بين فوستر دالاس وبين أن يعيش حقائق عصره وأن يتفاعل مع الواقع الموضوعي في زمانه.
لا عجب أن عاش وسط قوقعة الذات وكان يتخذ قراراته منفردا أو شبه منفرد عن أقرب مساعديه ناهيك بنزعة متأصلة من رفض الحلول الوسط أو محاولات التراضي أو التوافق بين الأطراف.. ومن الطريف أن يصفه رئيسه أيزنهاور قائلا: كان فوستر دالاس يرى أن وزير الخارجية لا يجوز أن يكون متسامحا أو متهاونا، ولهذا جاء سلوكه أقرب إلى المدعي العام على المستوى الدولي.
ثم إن دالاس لم يتورع عن اتهام الإدارة الديمقراطية السابقة عليه - وهي إدارة الرئيس ترومان، بالضعف أو الجبن أو الخور إزاء السوفييت. وفي هذا السياق يقول مؤلف الكتاب (ص 117): خلال حملة أيزنهاور للرئاسة عام 1953 ظل جون فوستر دالاس يبشر الناخبين بأن الإدارة (الجمهورية) الجديدة سوف تعمل على تفكيك الشيوعية وتحرير الدول من نير الاستبداد والإلحاد والإرهاب.
وفور دخول البيت الأبيض، سارع جون دالاس إلى التفتيش عن موقع يستطيع من خلاله أن يوجه ضربة مدوية ضد الآفة أو اللعنة السوفييتية.. وربما جاءته عطية من السماء حين وصل إلى واشنطن مسئول كبير من المخابرات البريطانية يحمل في حقيبته السرية اقتراحا يبشر بتحقيق ما كان يطمح إليه جون فوستر دالاس بشكل كامل.
لم يكن قد مضى على دالاس في الخارجية الأميركية سوى بضعة أيام حين زاره المسؤول البريطاني الكبير، كانت الزيارة وكانت المحادثات وكانت القرارات مغطاة بأكبر غلالة ممكنة من السرية نظرا لخطورة الخطة التي شرع الطرفان في مناقشة تفاصيلها. وكانت الخطة تدور حول بلد بعينه من أقطار الشرق الأوسط وكان البلد هو.. إيران.
بريطانيا وتحديات البترول
في تلك الفترة بالذات كانت بريطانيا تواجه تحديا خطيرا يفسره الكتاب على النحو التالي: كانت قدرتها على استخدام قوتها العسكرية وإمداد صناعاتها بالوقود وإتاحة مستوى معيشة مرتفع لمواطنيها ـ كان هذا كله يعتمد على البترول المستخرج من.. إيران. فمنذ عام 1901 ظلت تحتكر الموارد الإيرانية النفطية جهة وحيدة هي شركة النفط الأنجلو ـ إيرانية التي تمتلك حكومة داوننغ ستريت في لندن معظم أسهمها وكانت الشركة تحقق أرباحها الطائلة من عمليات استخراج وتكرير وبيع البترول الإيراني.
أما العقد المبرم بين لندن وطهران، أو بالأدق بين حكومة انجلترا ونظام ملكي إيراني كان فاسدا في تلك الفترة الباكرة من القرن العشرين، فكان طبيعيا أن يكون عقدا مجحفا حيث كانت إيران تتقاضى نسبة 16 في المئة فقط لا غير من أرباح بيع بترولها كله في الأسواق الخارجية وربما كانت النسبة المدفوعة أقل من ذلك ولا أحد يعرف لأنه ما من أحد كان يتيسر له الاطلاع على دفاتر حسابات الاحتكار البريطاني في ذلك الحين.
وعندما حّل منتصف القرن استطاعت شركة النفط البريطانية ـ الإيرانية هذه أن تحقق في عام 1950 وحده أكثر مما دفعته لإيران من عائدات بموجب اتفاق الامتياز على مدى السنوات الخمسين الأولى من القرن العشرين.
لكن بقاء الحال بداهة من المحال.
ولذلك فقد اندلعت الحرب العالمية الثانية فأحدثت نوعا من الحراك السياسي بين شعوب العالم. وعندما وضعت تلك الحرب أوزارها بدأت أقطار الدنيا - في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية بالذات - تشهد صعود دعوات المطالبة بالاستقلال وحركات المد الوطني والوحدة القومية، ولم تكن إيران بعيدة عن هذا كله حيث اجتاحتها موجات المد الوطني التي حملت إلى سدّة السلطة الدكتور محمد مصدق في عام 1951.
يصف المؤلف الدكتور مصدق بأنه «كان إيرانيا مثاليا وكان يجسد دعوة التحرر في بلاده وكان مصمما على طرد شركة النفط الانجلو ـ إيرانية وعلى تأميم صناعة النفط الإيراني واستخدام عائد ذلك التأميم من أجل تنمية إيران» ويضيف المؤلف أيضا (ص 118): كان مصدق ارستقراطيا تعلم في أوروبا وقد بلغ التاسعة والستين عندما تولى رئاسة الوزراء منطلقا من مبدأين أساسيين آمن بهما وهما: الوطنية، والديمقراطية والوطنية كانت تعني استلام مقاليد السيطرة على موارد البلاد النفطية.
* أما الديمقراطية فكانت تعني تركيز السلطة السياسية في ساحة البرلمان المنتخب وأيضا في يد رئيس الوزراء بدلا من شاه إيران محمد رضا بهلوي. مع المبدأ الأول تحولت بريطانيا إلى عدو لدود ضد الدكتور مصدق. ومع المبدأ الثاني أثار محمد مصدق سخط الشاه.
والحاصل أن جاء ربيع عام 1951 فإذا بمجلسي البرلمان في طهران يصوتان بالإجماع على تأميم صناعة النفط وكانت لحظة تاريخية مشهودة احتفلت بها البلاد من أقصاها إلى أقصاها وأذاع راديو تعليقا قال فيه المذيع: كل ما عانته إيران من بؤس ومشقة ومن فساد، خروج على القانون عبر السنوات الخمسين الماضية كان سببه البترول من ناحية وضغوط واستغلال شركة النفط من ناحية أخرى»
والحقيقة أن إيران أعلنت من جانبها أنها ستعوض الإنجليز عن كل ما أنفقوه على مرافق الشركة بل كان الدكتور مصدق لا يكف عن تذكير القاصي والداني بأن بريطانيا ذاتها لم تتورع عن تأميم صناعات الفحم والصلب في بلادها ومن ثم فكل ما تفعله حكومته هو النسج على منوال الإنجليز بمعنى تحويل ثروة البلاد إلى ما يحقق منفعتها وإجراء إصلاحات تحول بين الناس ومن اللجؤ إلى الثورة.
عنجهية الإنجليز
بيد أن الدبلوماسيين الإنجليز في الشرق الأوسط لم يقبلوا هذا الكلام ولا راقت لهم مثل هذه التصريحات وربما كانوا يخشون تكرار النموذج الإيراني خاصة وقد تجاوبت معه من مصر قرارات حكومة الوفد برئاسة الزعيم مصطفى النحاس بإلغاء المعاهدة مع بريطانيا ومن عجب أن يقول قائلهم بغير مواربة: نحن الإنجليز لدينا خبرة 100 سنة في كيفية التعامل مع هؤلاء السكان الأصليين (يقصد الوطنيين أبناء إيران) أن الاشتراكية (يقصد التأمينات) سياسة سليمة في انجلترا ولكن هنا (في الشرق) عليك أن تكون سيد الموقف تماما.
بل أن المؤلف يصل إلى حد القول إن الإنجليز رفضوا حتى تقاسم أرباح النفط الإيراني بنسبة 50 في المئة لكل طرف على نحو ما كان الأميركان يفعلون في أقطار مجاورة لإيران. لقد أصر الإنجليز على المقاومة.
ومشكلة الإنجليز أنهم كانوا قد اعتادوا السيطرة على مقاليد إيران على مدى أجيال استطاعوا خلالها أن يجدوا أعوانا وصنائع من العسكريين والصحافيين والقادة الدينيين ممن كان بوسعهم أن يطيحوا بحكومة مصدق إذا ما دعت الحاجة إلى ذلك.
وهكذا دبرت لندن في الخفاء مخطط الإطاحة بالحكومة. وبينما كان العملاء يستعدون، وصلت الأخبار إلى رئيس الوزراء الإيراني الذي لم يجد بدا، كما يوضح المؤلف، من أن يأمر بإغلاق السفارة الإنجليزية في 16 أكتوبر 1954 وأن يعمل على ترحيل جميع الرعايا الإنجليز وأتباعهم بمن في ذلك العملاء الذين كانوا أيامها عاكفين على تدبير الانقلاب.
هنالك أسقط في يد بريطانيا، وعمدت دعاياتها الإعلامية إلى إطلاق كل ألفاظ الاستهانة والتشهير برئيس وزراء إيران المثقف الوطني العجوز، هكذا أطلقوا على الدكتور مصدق أوصافا من قبيل: المنفلت، المتعصب، الأحمق، زعيم العصابة، المعدوم الضمير، ثم فاقد الرشد والاتزان، الخ.
لكن الإعلام الأميركي وقتها كان له رأي آخر، ها هي مجلة «التايم» تختاره في يناير عام 1952 وتضع صورته على غلافها باعتباره «رجل العام» حيث كان يسبق في الاختيار زعامات وأسماء مدوية ما بين ترومان إلى تشرشل وما بين إيزنهاور إلى الجنرال ماك آرثر. صحيح أن المجلة الأميركية وصفته بـ «الانتهازي العنيد» إلا أنها أطلقت عليه لقب «جورج واشنطن الإيراني» بمعنى، محرر إيران.
في تلك الأيام اسودت الدنيا في أعين الحكومة البريطانية. لكن سحابات السواد ما لبثت أن انقشعت حين أعلن الرئيس الأميركي (الجديد) دوايت أيزنهاور أنه اختار لوزارة الخارجية سياسيا اسمه جون فوستر دالاس. في نفس الأيام كان كرميت روزفلت رئيس عمليات المخابرات الأميركية في الشرق الأوسط يمر بلندن عائدا من طهران في طريقه إلى أميركا. وحين التقى «بالأخوة الزملاء» في الاستخبارات البريطانية قدموا له اقتراحا غريبا يبدأ بسؤال: ما رأيكم لو قمتم بالإطاحة بحكومة مصدق؟
بمعنى أن تنفذ أميركا الانقلاب الذي فشلت انجلترا في تنفيذه. بعدها سارعت لندن إلى إيفاد مبعوثها السري إلى أميركا اسمه كريستوفر وود هاوس وكان أن زار دالاس واستخدم حنكة الانجليز كي يدخل في روع الوزير الأميركي الجديد أن في وجود مصدق على رأس حكومة طهران تمهيدا لاستيلاء الشيوعية على مقاليد الأمور في إيران، وهو أمر لا ترضى عنه طبعا أميركا، زعيمة العالم الحر، ولا فوستر دالاس الذي كان يضمر مقتاً شديداً لموسكو وسياساتها وبالتالي يكره أي أصدقاء لها على مستوى العالم كله.
أول استجابة من جانب دالاس كانت استبعاد الغزو العسكري المباشر لإيران، ذلك أمر كفيل بإثارة الدب السوفييتي المجاور لأرضها. وإذن يكون اللجوء إلى السبيل الآخر، وهو العمليات السرية والمخططات التحتية وأداتها هي وكالة المخابرات المركزية التي كان جون فوستر دالاس، كما يؤكد المؤلف سعيدا للغاية بالاتصال بها والتعاون معها، لماذا؟
ببساطة لأن رئيس تلك الوكالة واسمه ألين، كان الشقيق الأصغر لوزير الخارجية الأميركية.
الشقيقان دالاس
يوضح المؤلف في هذا السياق أن موافقة الرئيس أيزنهاور على مثل هذه الإجراءات السرية للإطاحة بحكومة مصدق لم تكن بالأمر السهل. وكان على الشقيقين وزير الخارجية ومدير المخابرات إقناع أيزنهاور بأن كل هذه المخططات والتدابير لم تكن تقصد سوى وجه الحرية ومحاربة الشيوعية، صحيح أن مصدق لم يكن شيوعيا ولكن من كان يضمن اغتياله فجأة فإذا بالجماعة الحمر يحلون محله؟
أما آخر وسائل الإقناع داخل مجلس الأمن القومي الأميركي فقد تمثلت في العبارات التي أكدها الوزير دالاس وقال فيها: أيها السادة، إن المسألة لن تقتصر على حرمان العالم الحر (يقصد أوروبا وأميركا بالذات) من أرصدة هائلة يمثلها بترول إيران إنتاجا واحتياطيات. بل الخطر كفيل بأن يتسع مداه فإذا بنا في الأجل الزمني القصير نرى مناطق أخرى بالشرق الأوسط تضم نحو 60 في المئة من احتياطيات النفط العالمي وقد سقطت في براثن الشيوعية.
على هذا المشهد يعلن المؤلف قائلاً بوضوح أيضاً: كان جون فوستر دالاس يصدر في مواقفه تلك عن اثنين من الأفكار الثابتة التي أصبحت وسواسا يلح عليه في كل لحظة، الأولى حملت عنوان محاربة الشيوعية والثانية تجسدت في حماية حقوق الشركات العملاقة والاحتكارات متعددة الجنسيات في مجال النفط وفي غيره من المجالات.
والمهم أن بدأت العجلة الانقلابية في الدوران، وكان المشرف على دورانها هو الشقيق الأصغر، الين دالاس، وقع اختياره على جنرال إيراني متقاعد اسمه فضل الله زاهدي ليكون «القائد الشكلي» كما يصفه المؤلف للعملية، أرسل مليون دولار (مبلغ طائل بمقاييس نصف القرن الماضي) إلى محطة المخابرات الأميركية في طهران فيما بعث وزير الخارجية إلى سفيره في إيران لوي هندرسون بأن يتصل مع أي عناصر محلية تهتم بأمر المشاركة في التخطيط والتنفيذ وفي تقاسم الثمار وفي قبرص كانت قاعدة الانطلاق التي عمل على صعيدها الزميلان دونالدو ليور الأميركي ومعه نورمان داربشاير الانجليزي.
ويصف المؤلف (ص123) عملية التخطيط في عبارات يقول فيها: كانت الخطة غير مسبوقة ولم تماثلها أي خطة أخرى في أي بلد، كانت حساباتها تتم بعقلية باردة وأعصاب فولاذية مثل أي عملية طبية يجريها جراح. وكان هدفها ببساطة هو الإطاحة بالدكتور محمد مصدق بعيدا عن شعبه،
وكانت الخطة تقضي بأن تدفع أميركا رشاوى بمبلغ 150 ألف دولار تقدم إلى جموع من الصحافيين والناشرين وغيرهم من قادة الرأي العام والوعاظ في حين كان الهدف حرفيا هو «إيجاد ونشر وإذاعة وتشجيع ما يذكي روح وموقف العداء وعدم الثقة والتخوف إزاء الدكتور محمد مصدق وحكومته».
بعدها يتم استئجار البلطجية كي يعمدوا إلى شن «هجمات مخططة سلفا» على الشخصيات الدينية ومن في حكمها من أعيان الإيرانيين وكأنهم مأمورون بذلك من جانب مصدق شخصيا! في نفس الوقت يمنحون الجنرال زاهدي مبلغ 135 ألف دولار لكسب المزيد من المؤيدين والتأثير على كبار الشخصيات،
إضافة إلى مبلغ 11 ألف دولار تدفع أسبوعيا لرشوة من يقبل من أعضاء البرلمان. أما يوم الانقلاب ذاته فتدفع أجور ومكافآت إلى آلاف المتربحين كي يخرجوا في مظاهرات تتجه إلى البرلمان وتطالب بطرد حكومة مصدق، وبعدها يصدر البرلمان قرارا بذلك شريطة أن يخلع عليه ثوب الشرعية وإن رفض مصدق الانصياع والاستقالة تقوم باعتقاله العناصر الموالية للجنرال زاهدي.
كل هذه الترتيبات كانت بحاجة إلى قيادة متمرسة وقد اختاروا لها كرميت روزفلت خريج هارفارد البالغ من العمر وقتها 37 عاما وكان في طليعة خبراء الشرق الأوسط فيما كان أيضا حفيدا للرئيس تيودور روزفلت الاستعماري العتيد الذي ينسبون إليه تاريخيا أنه الرئيس الذي أدخل فكرة تغيير نظم الحكم ضمن سلوكيات ومصطلحات سياسة الولايات المتحدة.
نخب الانتصار
اختار روزفلت الحفيد 19 أغسطس 1953 يوم التنفيذ الذي تم وفق المخطط الموضوع وببراعة تامة. ولهذا جاء رد الفعل المبدئي من جانب الشاه للمقيمين معه وقتها في فندق بالعاصمة الإيطالية روما عبارة عن سؤال هتف به قائلا: هل الأمر صحيح حقا؟
بعدها عاد الشاه إلى طهران واستعاد عرشه ولم يلجأ بالطبع إلى اللقاءات السرية مع المبعوث الأميركي السوبر، كرميت روزفلت بل استقبله في قاعة القصر الفارهة معبراً عن عرفانه بالجميل. يقول المؤلف: كانوا ثلاثة احتسوا نخب الظفر من أقداح الفودكا، الشاه وروزفلت وزاهدي رئيس الوزراء الجديد، كانوا يعرفون أنهم استطاعوا تغيير مسار التاريخ في البلاد. بعدها كتب روزفلت سطوراً (في مذكراته) تقول: جمعت بيننا الابتسامات وأحسست وقتها بأن مشاعر الوفاء والصداقة كانت تخيم على أجواء المكان.
عرض ومناقشة: محمد الخولي

