في هذا الكتاب يقدم باسكال بونيفاس، الباحث المعروف دوليا في ميدان الإستراتيجيات وأحد مستشاري الأمين العام للأمم المتحدة عن قضايا التسلح ونزع السلاح في العالم، رؤيته للعلاقة بين كرة القدم والعولمة. وهو يبحث في دور هذه اللعبة في التقريب بين الشعوب والأمم، وفي تداخلاتها مع مفاهيم السيادة الوطنية... والعنصرية... والسياسة... والمقاومة انه كتاب في منتهى الجدّية عن لعبة... كرة القدم.

ليست هناك اليوم أية ظاهرة أخرى أكثر عولمة من كرة القدم. إنّ إمبراطوريتها لا تعرف الحدود، وأكثر ما في هذه الظاهرة من ندرة هي أنّها الإمبراطوريّة «الشعبيّة» الوحيدة في العالم، ثمّ إنّ الشعوب لا تناضل ضدّها بل على العكس تسعى جاهدة كي تكون من تلامذتها النجباء، بدأت رياضة بريطانيّة لكنّها أصبحت رياضة عالميّة. قامت الإمبراطوريّة الرومانيّة حول البحر الأبيض المتوسّط، وقامت إمبراطوريّة المغول حول آسيا الوسطى. واليوم تسيطر الإمبراطوريّة السياسيّة والعسكريّة الأولى، أي الولايات المتّحدة الأميركيّة، على مقادير العالم أكثر من أيّة قوى أخرى في تاريخ الإنسانيّة، لكنّ شعبيّتها وامتداد نفوذها لا يُقاسان بما تعرفه إمبراطورية الكرة المستديرة. إنّ هذه الإمبراطوريّة، الأكثر كونيّة، وصلت إلى ما وصلت إليه من قوّة بواسطة الرياضة وليس بواسطة الأسلحة، وبتقديم القدوة وليس عبر القسر، ولا شكّ لو أنّ البريطانيين كانوا قد أرادوا فرضَ هذه الرياضة بالقوّة ما كان لها أن تكون سوى مجرّد لعبة محليّة محدودة أو قليلة الانتشار في أفضل الأحوال.

هكذا «ربما كان على جورج دبليو بوش، وأكثر منه دون شك على توني بلير، وقبل الانطلاق في حرب مفجعة من أجل إدخال الديمقراطيّة إلى العراق، الاستلهام من نموذج كرة القدم والنجاح الذي لا يُضاهى لتوسّعه الدولي»، كما يكتب باسكال بونيفاس. فلماذا اكتسبت كرة القدم مثل هذه الشعبيّة؟

أوّلاً: لـ «بساطتها» وإمكانيّة ممارستها في كلّ مكان، في الشوارع والساحات. ويمكن لعدد اللاعبين أن يتغيّر.. وقواعد اللعب نفسها بسيطة أيضاً باستثناء «التسلّل»، بلّ إنّ هذه القاعدة نفسها يتمّ التغاضي عنها في المباريات «العفويّة». والتجهيزات المطلوبة لممارسة كرة القدم متواضعة، وتكاد تكون غير موجودة أصلاً. ولا تتطلّب كرة القدم «معايير» بدنيّة صارمة، وإنّما الموهبة... هكذا نجد لاعبي كرة قدم مشاهير من أمثال دييجو مارادونا الذي يبلغ طوله 166 سنتيمترا فقط وجان كولير الذي تفوق قامته المترين..

ثمّ إنّ إيمرسون ارانتس دونا سمنتو المعروف بـ «بيليه» «الملك بيليه» لم يكن ذا بنية بدنيّة خارقة واستطاع مع ذلك أن يترك بصماته على تاريخ كرة القدم. ان ميشيل بلاتيني اللاعب الكبير، كان قد جرى استبعاده من مركز تكوين لاعبي كرة القدم المبتدئين في مدينة «ميتز» الفرنسيّة بسبب «عدم لياقته البدنيّة» فذهب إلى مدينة «نانسي» ليبدأ سلّم صعوده.

تاريخ لعبة

تتطلّب كرة القدم قبل كلّ شيء الجمع بين الموهبة الفرديّة القدرة الجماعيّة للفريق.. هكذا مثلاً لم يُشارك «جورج بيست» أحد أفضل لاعبي كرة القدم في كلّ الأزمنة، بأيّة منافسات على كأس العالم.. ذلك أنّ المنتخب الوطني الأيرلندي لم يستطع أبداً التأهّل لذلك.

كذلك لم يُشارك النجم الإفريقي «جورج ويا» الذي فاز بالكرة الذهبيّة التي تمنحها مجلّة «فرنسا لكرة القدم» لأفضل لاعب في أوروبا مهما كانت جنسيّته، كلّ سنة، بمباريات كأس العالم، ذلك أنّ فريق بلاده «ليبيريا» أضعف من أن يتأهّل لذلك. المواصفات السابقة كلّها تجعل من كرة القدم لعبة تستجيب لما هو فردي وما هو جماعي.

تأسّست أوّل فيدراليّة لكرة القدم في إنكلترا عام 1863، وبعدها في اسكتلنده ثمّ أيرلندا وهولندا وبلجيكا وسويسرا، ثمّ في ألمانيا عام 1900، وانتقلت لعبة كرة القدم إلى الخارج عبر البحار والمحيطات حيثُ كان البحّارة الإنكليز يمارسونها في المرافئ..

وهكذا تشكّلت أوّلى فرقها على مستوى أوروبا في المرافئ مثل الهافر في فرنسا وجنوه في إيطاليا وبرشلونة في اسبانيا هامبورغ في ألمانيا. وساهمت شركات بناء السكك الحديديّة في نقل اللعبة إلى العديد من بلدان العالم خاصّةً في أميركا الجنوبيّة مثل البرازيل والأرجنتين. كذلك ساهم المستعمرون الأوروبيّون في نقلها إلى آسيا وإفريقيا. وكان هناك دور للإذاعات منذ سنوات 1930 في انتشار اللعبة، ثمّ جاء التلفزيون ليجعلها ذات بعد كوني حقيقي.

لكنّ كان لا بدّ من انتظار عام 1950 لنقل أوّل مباراة لكرة القدم في فرنسا كانت مع ألمانيا، ولم يكن يوجد في فرنسا آنذاك سوى 1500 جهاز تلفزيوني. أمّا أوّل مباريات على كأس العالم جرى نقلها تلفزيونيّاً كانت عام 1954 في سويسرا، وازداد عدد مبيعات أجهزة التلفزيون 20% عام 1958 في فرنسا، إذ كان قد تقرّر نقل 12 مباراة كاملة من كأس العالم، وملخّص صوّر لـ 6 مباريات أخرى.

وفي عام 1962 فازت البرازيل بكأس العالم لكن لم يكن ممكناً آنذاك القيام بأيّ نقل مباشر لمباريات كانت تجري في الطرف الآخر من العالم، ثمّ تزايد عدد مشاهدي المباريات عبر التلفزيون وصولاً إلى أكثر من 2 مليار بالنسبة لمباراة الدور النهائي عام 1998 بين البرازيل وفرنسا.

إنّنا لم نعد نعيش اليوم بالطبع في العهد الذي كان يمكن فيه لرئيس ناد إنجليزي التهديد بـ «حرق جميع عدسات التصوير التلفزيوني التي قد يتم إدخالها إلى الملعب». هذه الحالة تغيّرت مع «تدويل» المباريات، مع أنّ المباراة الدوليّة الأولى لم تكن في الواقع دوليّة، إذ تواجهت فيها بريطانيا ضدّ اسكتلنده عام 1872 النتيجة النهائيّة هي التعادل بدون أهداف أي كانت بين مكونين داخل إطار نفس الدولة، وكان لا بدّ من انتظار عام 1929 كي نشهد أوّل هزيمة إنجليزيّة أمام بلد غير بريطاني هو اسبانيا بـ 4 أهداف مقابل 3.

لم تتقبّل بريطانيا المشاركة في مباريات كأس العالم لكرة القدم إلاّ اعتباراً من عام 1950، ولحقت بها يومذاك هزيمة فاجأت الجميع من قِبَل الولايات المتّحدة. وهذا ما علّق عليه الصحافي الإنجليزي شارل يومان بالقول: «لقد هزمت الولايات المتّحدة بريطانيا بكرة القدم... أمر لا يُصدّق، ولكنه صحيح.

إنّها أكبر ضربة لمكانتنا يمكنني أن أتذكّرها». وفي تلك السنة لم يذهب الفريق الوطني الفرنسي إلى البرازيل بحجّة أنّ منظّمي الكأس برمجوا أن يلعب مباريتين خلال 4 أيّام في مكانين تبلغ المسافة بينهما 3500 كيلومتر من بورتو اليجري إلى ريسيف كذلك لم تذهب إيطاليا للمشاركة في أول كأس لبطولة العالم في الأوروجواي عام 1930، بالمقابل رفضت الأوروجواي أن تأتي إلى إيطاليا للمشاركة في كأس العالم عام 1934. أمّا اليوم فليس هناك أيّة دولة لا تحلم بالمشاركة في هذه البطولة ذات البعد الكوني.

كانت منافسات كرة القدم في البداية ذات طابع محلي، وفي أحسن الحالات إقليمي. هكذا لعبت البرتغال أوّل مباراة لها مع اسبانيا عام 1923 وخسرتها بثلاثة أهداف مقابل هدف واحد، ولعبت كوستاريكا ضدّ السلفادور بنفس السنة. ولعبت السويد ضدّ جارتها النرويج أول مباراة عام 1908 وفازت فيها بـ 11 هدفا مقابل لا شيء. وبنفس السنة لعبت البرازيل ضدّ الأرجنتين، ولعبت السنغال ضدّ مالي عام 1965 بعد استقلال البلدين بفترة وجيزة.

هذه الرؤية الإقليميّة للرياضة حيث كانت الأولويّة للانتماء الجغرافي هي بالتحديد التي وضع لها مفهوم كأس العالم حدّاً نهائيّاً ومثّل بنفس الوقت مؤشّراً على تسارع التقدّم التقني لوسائل الاتصال في القرن العشرين، وممّا يُساعد على التبادل الثقافي بنفس الوقت.

ويكفي لأدراك مدى هذه التقدّم القيام بمقارنة بين الظروف التي جرت فيها البطولة الأولى لكأس العالم وما تعرفه هذه البطولة في الحقيقة الراهنة، حيثُ شارك ثلاثة عشر فريقاً في البطولة الأولى بالأوروجواي عام 1930 من بينها أربعة فرق أوروبيّة قامت برحلة طويلة ومنهكة في المحيط الأطلسي، ولم تكن النتائج وتوصيفات سير المباريات تصل إلى بلدان الفرق المشاركة إلاّ بعد مرور زمن طويل نسبيّاً، أمّا اليوم فالمسألة مختلفة تماماً، فالعالم كلّه يتابع سير المباريات وبنفس اللحظة.

وُلِدَت كرة القدم في إنكلترا، ثمّ غدت لفترة طويلة حكراً على قطبين أساسيين هما أوروبا أميركا اللاتينيّة.. لكنّها امتدّت اليوم لتطال آسيا وإفريقيا وأوقيانوسيا، وأخيراً إلى أميركا الشماليّة، أي الولايات المتّحدة الأميركيّة التي قبلت «وعلى غير العادة» كما يُشير المؤلّف، الانتماء إلى عالم كرة القدم دون أن تسيطر عليه.. ومثل هذا الانتماء يترافق مع تبدّل في الذهنيّات وبالانفتاح على العالم. وشهَدَ شهر أكتوبر 2000 تفوّق في عدد مشاهدي كرة القدم في اليابان على عدد مشاهدي كرة «البيسبول» للمرّة الأولى كرياضة وطنيّة.

وفي عام 2002، كانت المباراة النهائيّة لبطولة كأس العالم لكرة القدم بين ألمانيا والبرازيل، لكن بنفس اليوم جرى تنظيم مباراة أخرى بين بوتان وجزيرة مونسيرات «إحدى جزر الأنتيل البريطانيّة»، أي البلدين الأخير وما قبل الأخير في تصنيف الفدراليّة الدوليّة لكرة القدم ـالفيفاـ وهذا ما يُعلّق عليه المؤلّف بالقول: زأي مثال أكثر بلاغة يمكن تصوّره للدفع في طريق العولمة يمكن أن يقيم صلة بين بلدين صغيرين وفقيرين ومتباعدين أحدهما عن الآخر، ولا يبدو أنّ هناك سبباً آخر كان يمكنه أن يفعل ذلك؟.

عولمة الأندية

ظاهرة العولمة وصلت حتّى إلى الأندية المرتبطة بهذه المدينة أو تلك مثل: ريال مدريد وجوفنتوس في تورينو وأجاكس أمستردام وغيرها... وإن بقيت مرتبطة بـ «مدينتها» التي تتنافس باسمها في مباريات الكؤوس الوطنيّة أو على المستوى الإقليمي...

هذه الأندية أصبحت تميل إلى تقليد الشركات متعدّدة الجنسيّات التي لم تعد الأسواق الوطنيّة تكفيها، ونفس الظاهرة تتكرّر بالنسبة لأكبر أندية كرة القدم في العالم ، فهذه صحيفة نادي «مانشستر يونايتد» البريطاني توزّع 15000 نسخة في تايلاند وحدها، وهناك 1200 ناد للمشجّعين في مختلف أنحاء العالم يلتفّون حول نادي جوفنتوس الإيطالي...

وقناة ريال مدريد الإسباني تبثّ في نحو أربعين بلداً. ولا شكّ أنّ قادة هذا النادي لا يريدون أن يقتصر نفوذه على المئة وثمانين ألف مقعد التي يحتويها ملعبه في العاصمة الاسبانيّة، وإنّما يريدون أن يُصبح نفوذه خارجيّاً وعالميّاً، وهم يمتلكون الإمكانيّات من أجل ذلك من قناة تلفزيونيّة «مأجورة» وموقع انترنت فيه قسم باللغة الصينيّة.

ويقول رئيس نادي ريال مدريد عنه بأنّه «الشركة العالميّة الأولى لكرة القدم» والمدير المفوّض لنادي جوفنتوس الإيطالي وهو مدير سابق لشركة فيات لصناعة السيّارات يريد أن يجعل منه شركة لرياضات أوقات الفراغ. ولم يتردّد المدير التجاري للنادي في التأكيد : «كان نادي جوفنتوس نادراً تقليديّاً منذُ ثماني سنوات، لكنّه اليوم مشروع وسائل اتصال، ويريد أن يُصبح شركة للألعاب الرياضيّة». أمّا سبب ذلك فهو انّ العائدات التي تؤمّنها «الأسواق» الداخليّة ليست كافية وبالتالي يتمّ البحث عن «أسواق» جديدة.

ويهدف نادي «بينيفيكا» البرتغالي إلى إيجاد 300000 منتسب له بحيثُ يُضاهي ريال مدريد على صعيد الشعبيّة العالميّة ويجعل من نفسه «الناطق باسم سلسلة من «بيوت بينيفيكا» في العديد من البلدان»، كما تبحث الأندية الرياضيّة عن مساهمين جُدد فيها من أصحاب الشركات والفعاليّات الاقتصاديّة الأخرى المتنوّعة.

وخيرُ مثال على هؤلاء: بيتر كينتون، رئيس نادي «تشلسي» البريطاني الذي يدير النادي الرياضي ولكنه يتحدث عن المباريات والحصة من السوق أما أنصار النادي ومشجعوه فهم بالنسبة له مجرد مستهلكين ينقل المؤلف في هذا السياق عن خوسيه انجيل سانشيز مدير التسويق في نادي ريال مدريد قوله في الواقع ستكون هناك في النهاية ست ماركات عالمية يدعم الناس على المستوى المحلي من يمثل إحدى هذه الماركات الست الكبرى. وينبغي بالتالي تحديد المواقف في أفق ذلك.

ويضيف سانشيز إننا نقدم منتوجات مثل ستوديو لصناعة الافلام. وان يكون لدينا فريق فيه زين الدين زيدان يماثل فيلم لتوم كروز.

في الواقع ليس مفهوماً كثيراً أن يقوم صيني أو ياباني بدعم نادي ريال مدريد أو مانشيستر يونايتد ذلك أن مثل هذا الدعم لا يبرره التاريخ ولاسيما الانتماء الجغرافي ويبدو أن الآلية الوحيدة وراء ذلك هي التماثل مع النجم . يقول بيتر كينتون رئيس نادي تشيلسي :إننا نهدف الوصول إلى عدة أسواق هامة باسم ماركة تشيلسي، ونريد التواجد في الصين وليس فقط عبر إجراء مباريات رياضية وإنما عبر تحقيق شراكة حقيقية.ويمثل الوصول إلى روسيا احد أهدافنا أما في أميركا فقد حددنا ثلاث مدن رئيسية أعطيناها الارجحية في توجهنا وهي نيويورك ولوس انجلوس وشيكاغو.

وقال سيرجيو كرانيوتي عندما كان رئيساً لنادي لازيو روما ما يلي : إن كرة القدم هي الأمر الأكثر شمولاً في عصر العولمة وانتصار رياضات الفراغ، إذ ما هي السلعة الأخرى التي يشتريها ثلاثة مليارات من المستهلكين وحتى لو كانت الكوكا كولا؟إن اقتصاد الكرة في حالة توسع وكذلك جمهورها الذي يمكن أن يزيد عدده من ثلاثة مليارات إلى خمسة بفضل أسواق جديدة مثل الشرق والولايات المتحدة. إنني أول من أدخل كرة القدم إلى سوق البورصة ذلك أن مهنتي هي تقييم الأشياء حسب قيمتها الصحيحة.

الفيفا

إن الامبرطورية العالمية لكرة القدم لها أيضا حكومتها التي تتمثل في الفيدرالية الدولية لكرة القدم فيفا. كانت هذه الفيدرالية قد تأسست عام 1904 من قبل مندوبين ينتمون إلى سبعة بلدان هي بلجيكا والدانمارك واسبانيا وفرنسا وهولندا والسويد وسويسرة. قاطع الانجليز الحدث واعتبروا انه ينبغي عليهم كمخترعين للعبة البقاء جانباً.

وهذا يمثل،حسب توصيف المؤلف، صفة انكليزية خاصة، وهي الانتظار حتى ينطلق القطار كي يستقلوه كما فعلوا مع البناء الأوربي الموحد، ولا يتردد في أن يؤكد ضمن نفس السياق أن الفرنسيين كانوا وراء قيام الفيفا وكأس العالم وكأس أوروبا للأندية البطلة والكرة الذهبية.

لا تعترف الفدرالية الدولية لكرة القدم- الفيفا- إلا بفدرالية واحدة في كل بلد. وتحتكر الفدراليات الأعضاء الاهتمام بشؤون كرة القدم على مستواها الوطني، ولا يحق لها في حالة عدم انتسابها إلى الفيفا تنظيم مباريات دولية . وعدد أعضاء الفيدرالية الدولية أكبر من عدد أعضاء منظمة الأمم المتحدة بواقع 207 مقابل 191 عضوا. وهونغ كونغ وماكاو لا تزالان في عداد أعضاء الفيفا وليس في عداد أعضاء الأمم المتحدة بعد انضمامهما إلى الصين عامي 1997 و 1999.

والوضع نفسه بالنسبة لتايوان. هكذا نجحت الفدرالية الدولية لكرة القدم في أن تجمع داخل إطار منظمة عالمية واحدةالصين الشعبية وتايوان بينما فشلت الأمم المتحدة في ذلك. وكان جواو فيلانج رئيس الفيدرالية الدولية لكرة القدم ما بين عام 1974 وعام 1978 قد أجاب على سؤال : ما هو أكبر انجاز حققتموه؟ بالقول:دخول الصين إلى الفدرالية بعد خمس وعشرين سنة من استبعادها، وقد بذلت جهوداً لمدة خمس سنوات للوصول إلى ذلك. هذا ولم تشترط الصين عند انتسابها طرد تايوان، مع أنها حريصة على مثل هذا الشرط في جميع المنظمات الدولية التي تنتسب إليها.

وتم قبول فلسطين كأحد أعضاء الفدرالية الدولية لكرة القدم لكنها لم تصبح حتى الآن عضواً في الأمم المتحدة كدولة. هذا ومهما يكن المستقبل الذي ينتظر هذه المنطقة القلقة من العالم فإنه يمكن القول ان الفريق الوطني الفلسطيني لكرة القدم قد قام قبل قيام الدولة، كما كان الفريق الوطني الجزائري قد قام قبل قيام الدولة الجزائرية المستقلة.

إن القاسم المشترك بين مختلف الكيانات التي لها علاقات تنازعية مع الدولة المركزية هو أنها تريد كلها تأكيد تمايزها عن تلك الدولة، وذلك كخطوة سابقة على الاستقلال السياسي، وهناك 18 من اعضاء الفدرالية الدولية لكرة القدم ليسوا أعضاء في الأمم المتحدة من بينها فلسطين وتايوان وايرلندا وبورتوريكو وماكاو وهونغ كونغ وبرمودا...الخ، بالمقابل هناك ستة من أعضاء الأمم المتحدة ليسوا أعضاء في الفدرالية الدولية، أي دول مكرونيزيا المتحدة وجزر مارشال وموناكو ونورو وبالاواس وتوفاكو.

وهناك مظهر آخر لعولمة كرة القدم يتمثل في الاهتمام الإعلامي العالمي بما يجري من نشاط كروي في هذا الميدان والقنوات التلفزيونية الأساسية تقدم في برامجها الرياضية أخبار دوري كرة القدم في العديد من البلدان.

والنتيجة المباشرة لمثل هذا الواقع الجديد هو أن الأطفال يعرفون أسماء الأندية العالمية الكبرى عن ظهر قلب، فمن لا يعرف مثلاً أندية مثل ريال مدريد ومانشيستر ويوفنتوس واياكس وانترميلانو؟

لقد اتسع الأفق كثيراً، وأصبح عالميا، مع ذلك بقيت الفرق الوطنية في بلدانها رمزاً للهوية بل وتعزز هذا الرمز، فرغم وجود الاتحاد الأوروبي الذي يضم اليوم 25 دولة لا يزال أفق قيام فريق أوروبي لكرة القدم بعيداً مع أن هناك مؤسسات أوروبية وعملة أوروبية موحدة، على العكس ازداد الحماس للفرق الوطنية في مختلف البلدان ويكفي للبرهان على ذلك ملاحظة مدى التفاف الجماهير حول فريقها الوطني في مباريات كأس العالم.

كان اللاعبون في الماضي يمضون في الواقع مسيرتهم في نفس الفريق الذي كان غالباً هو الأقرب إلى مكان ولادتهم. بعد الحرب العالمية الثانية تسارعت عملية انتقال اللاعبين من ناد إلى آخر على الصعيد الوطني للبلدان الأوروبية.

وحتى سنوات الثمانينات لم يكن هناك سوى عدد ضئيل من اللاعبين الأجانب في أوروبا، وكان معظمهم من المستعمرات السابقة ومن يوغسلافيا التي كانت قد تبنّت سياسة انفتاحية بالمقارنة مع البلدان الاشتراكية الأخرى آنذاك. وكان اللاعبون الأوروبيون الذين يلعبون خارج بطولات بلدانهم الوطنية قلائل حتى أواخر الثمانينات، وكان من بينهم ميشيل بلاتيني الذي التحق بنادي يوفنتوس الايطالي أي في البلاد التي تعود لها جذور عائلية. لكن اعتبارا من منتصف التسعينات أصبح هناك نوع من السوق الأوروبي لكرة القدم.

واعتبارا من مطلع القرن الحادي والعشرين أصبحت العولمة إحدى سمات كرة القدم وهكذا كانت نسبة اللاعبين الأجانب في الأندية الأوروبية التي فازت ببطولة بلدانها لعام 2005 تفوق 50% وقد وصلت النسبة إلى 63% من الأجانب في فريق برشلونة الاسباني و 72% في فريق تشلسي البريطاني و 72% أيضا في فريق بايرن ميونخ و 85% في فريق لفربول، هذه الأندية المذكورة كلها فازت بكؤوس بلدانها لموسم عام 2005.

خارج عباءة أميركا

يركز مؤلف هذا الكتاب على القول أن كرة القدم هي إحدى ظواهر العولمة النادرة التي لا تخضع للسيطرة الأميركية، إذ عندما يتم الحديث عن التكنولوجيا الجديدة يبرز وادي السيلكون ، وعن البورصة يتم الحديث عن وول ستريت ، ومعبد السينما في هوليود والإعلام تمثله محطة «سي إن إن» التلفزيونية ، أما كرة القدم فإنها تشذ عن هذه القاعدة، وحتى لو كانت الولايات المتحدة قد أظهرت كفاءة عالية أثناء مباريات كأس العالم لكرة القدم عام 2002.

أن القوة العظمى في ميدان كرة القدم هي البرازيل وليست الولايات المتحدة الأميركية، والقوى الكبرى هي ألمانيا والأرجنتين وايطاليا فرنسا وانجلترا وهولندا.

ويشير الباحثون في علم الاجتماع إلى وجود رياضات أميركية لها الأولوية مثل البيسبول والهوكي كانت قد تأصلت في أميركا خلال الفترة الواقعة بين عام 1870 عام 1930 بحيث أنها لم تترك هامشاً كبيراً للألعاب الأخرى. وكان ينظر إلى كرة القدم على أنها لعبة مهاجرين، وبالتالي كان اندماجهم في المجتمع يتم عبر تبنّي الرياضات الوطنية.

كذلك جرى نوع من الرفض الأولي لكرة القدم في أميركا على أساس أنها اختراع انجليزي، بينما يريد الأميركيون خلق نموذجهم الرياضي الخاص بهم، ولو كان ذلك عبر تبني أشكال محرّفة من رياضات أخرى فالبيسبول مثلاً هو نوع من لعبة انجليزية تسمى كريكيت، لكن هذا لا يمنع واقع أن كرة السلة الباسكيت بول هي صناعة أميركية بحتة. كانت بدأت عام 1892 في الإطار الجامعي بحيث يستطيع الطلبة ممارسة رياضة في مساحة محدودة ومغطاة طيلة فصل الشتاء.

وكان اللاعبون الأميركيون الذين يمارسون كرة القدم هم في البداية أولئك الذين جرى إقصاؤهم من الرياضات الكبرى، ثم نُظر إليها على أساس أنها لعبة نسائية بالدرجة الأولى، وهكذا فاز الفريق الوطني الأميركي النسائي بالبطولات العالمية خلال السنوات الأخيرة. و تُمارس لعبة القدم في أميركا في المناطق الميسورة خاصة المحيطة بالمدن، وهذا ما عبر عنه صحافي أميركي بالقول :

هذه ليست لعبة أولئك الذين يريدون المكافحة من أجل النجاح، أنها لعبة ممتعة يمارسها شباب ميسورون، وهي لا تتطلب كفاءة بدنية استثنائية ولا قامة فارغة ولا قوة ولا سرعة خاصتين. باختصار هي رياضة لسد أوقات الفراغ يمارسها حوالي 14 مليون أميركي يوم الأحد كتسلية أكثر مما هو كمنافسة يمكن أن تساهم في الارتقاء الاجتماعي.

كان الأميركيون قد وصلوا مع ذلك إلى المرتبة الثالثة ببطولة كأس العالم، وشاركوا فيه في عامي 1934 و 1950، وتأهلوا لعام 2006، وكانوا قد شاركوا في جميع بطولات كاس العالم منذ عام 1990. وبعد أن كانوا قد تأهلوا لمباريات ربع النهائي لكأس عام 2002 وجه الرئيس جورج بوش رسالة للفريق جاء فيها : ان العديد من الأشخاص الذين لا يفهمون أي شيء بكرة القدم مثلي متحمسون جداً لكم ويدعمونكم.

في المحصلة يقول المؤلف : لم تعد كرة القدم مجرد رياضة من المستوى العالمي وإنما أصبحت بمثابة هوى كوني، وأحد العناصر النادرة ،بل العنصر الوحيد، لثقافة عالمية ذكورية يفهمها الجميع وتعم المناطق والأمم والأجيال.

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف