ولت الحرب الباردة وانقضت منذ زمن ليس بالقصير. لماذا إذن أصبح الجو على كلا الجانبين بعيداً كل البعد عن السعادة؟ فلنضع جانباً الآن التحول المخيف والمخيب للآمال لروسيا وفلاديمير بوتين. دعنا نتحدث عوضاً عن ذلك عن الغرب كما يراه الشرق- بعيون أولئك الذين قاموا- من الجانب الآخر من الستار الحديدي- بكل ما بوسعهم لتحطيم هذا الستار.

لم يكن «الغرب» يوماً فكرة جغرافية بحتة للمستغربين الروس، سواءً من الانتلجنتيس الديمقراطية التي تعود بداياتها إلى بطرس الأكبر أو الإصلاحيين الذين دخلوا معترك الحياة السياسة في موجة البيرسترويكا التي نادى بها ميخائيل غورباتشوف. إن فكرة «وطن أوروبي مشترك» التي طرحها غورباتشوف تصورت وحدة روسيا مع التاريخ الأوروبي والحضارة الغربية، التي ستمتد حدودها الجغرافية من فانكوفر إلى فلاديفوستوك. حيث أعلى من شأن وعد بمستقبل مشترك.

كانت انطلاقة مشروعه- الذي تطلب ثورة داخلية ديمقراطية وتحريراً من النظام الدكتاتوري- هي التي قادت إلى الانفتاح على الغرب وأخيراً نهاية الحرب الباردة. وبالنسبة لغورباتشوف، فإن نهاية الحرب الباردة لم تعن هزيمة الاتحاد السوفييتي. ففي نظره كان ذلك فوزاً مشتركاً للعقل والحكم الصائب والسياسات الجديدة.

ولكي يثبت للرئيس الأميركي جورج بوش عندما التقيا في مالطا في ديسمبر 1989 أنه «عبر نهر روبيكون» ـ أنه كان يعتقد أن الصراع بين الشرق والغرب والمواجهة «التافهة» بين جمهوريات الاتحاد السوفييتي الاشتراكية والولايات المتحدة الأميركية كانا في نهايتهما تماماً- لم يقل لبوش إن الاتحاد السوفييتي لا تعتبر الولايات المتحدة عدوة لها فحسب، وإنما - بعيداً عن خط الاتحاد السوفييتي الاستراتيجي الذي تبناه طويلاً- أعلن عن أن موسكو تنظر إلى وجود القوات الأميركية في أوروبا باعتباره مساهمة إيجابية باتجاه الاستقرار العالمي.

وقال غورباتشوف أيضاً إنه قضى مع الرئيس الأميركي بوش بعض الوقت في مالطا ودخلا في نقاش أقرب إلى الفلسفة حول القيم التي سيبنى على أساسها عالم جديد في أعقاب الحرب الباردة. ولكن عندما تحدث بوش عن انتصار «القيم الغربية»، قال غورباتشوف إنه ينظر إلى الديمقراطية، أولوية القانون وحقوق الإنسان ليس باعتبارها قيماً غربية فحسب، وإنما بحسبانها قيماً عالمية.

لهذا السبب ربما كان غورباتشوف في غاية الأسى ـ فقد وجد نفسه في وضع حرج في صيف 1991 ـ عندما قوبل التماسه المقدم إلى مجموعة السبع في لندن بدعم إصلاحاته على غرار «خطة مارشال» برفض مهذب لكنه صريح.

فيما يبدو، اعتبرت واشنطن أن غورباتشوف لم تبق له أية أوراق، بالتالي ليس مهماً فيما يتعلق بالاستثمار السياسي أو المالي. وقال لمستشاريه بمرارة فيما بعد: «عندما توجب عليهم إنفاق 100 مليار دولار من أجل حرب الخليج، لم يكن ذلك مشكلة بالنسبة لهم، ولكنّ الآن بينما الحديث لا يدور عن الحرب وإنما حول الإنفاق لدعم شريك استراتيجي جديد، يصبح الأمر مشكلة عظمى». وبخروج غورباتشوف من الساحة، فقد الغرب فرصة فريدة لكسب شريك في الكرملين «هو مستغرب» روسي ملتزم (رغم أن غورباتشوف لم يستسغ هذا الوصف) سيتمكن القادة الغربيون من التحدث معه بلغة واحدة.

وبعد 15 عاماً من الانتصار المشترك للقوى الديمقراطية في الشرق والغرب، فإن روسيا - ما بعد الشيوعية - وشركاءها الغربيين ليسوا عاجزين فقط عن إيجاد لغة مشتركة ولكن يبدو أن بإمكانهم فهم بعضهم بعضاً بدرجة أقل.

لم يحدث ذلك؟ ولماذا يبتعد المستغربون الروس- الذين يوصفون في أغلب الأحيان هذه الأيام باعتبارهم «وكلاء للنفوذ الأجنبي»- عن الحياة السياسية المحلية الروسية، والتي تم تحديدها أكثر فأكثر من قبل القوى المناهضة للغرب وذات النزعة القومية المفرطة؟

يكمن جانب من التفسير في الطريق الذي اختارته روسيا وتصرف الساسة الروس. لكن هناك تفسيراً آخر وهو السياسة الغربية نحو روسيا، وتصرف الدول الغربية وأولها الولايات المتحدة، منذ نهاية الحرب الباردة.

فقد أعلنت نفسها القوى الوحيدة المنتصرة، ودرجت على التعامل مع مجتمع كان يأمل «باجتماع في الألب» باعتباره عدواً مغلوباً. وعلى الرغم من أن كل الأمور الصحيحة سياسياً تقال في اجتماعات القمة التي تعقد بين القادة الغربيين والروس، فإنه ما من شك على الإطلاق في روسيا بأن الغرب قد اختار الإضعاف الاستراتيجي الروسي لدفعها إلى هامش المعترك السياسي العالمي.

إن التوسيع المتعجل لحلف الناتو، الانسحاب الأميركي الأحادي الجانب من اتفاقية الصواريخ المضادة للصواريخ البالستية، القواعد العسكرية بجانب الحدود الروسية من دول البلطيق وبولندا إلى القوقاز وآسيا الوسطى والدعم الفعال «للثورات البرتقالية» ذات التوجه المعادي لروسيا، كل هذه خطوات منتظمة من قبل الإدارة الأميركية ـ بغض النظر عن دوافعها ـ تم النظر إليها من جانب موسكو على أنها عناصر استراتيجية «احتواء» لروسيا، وباعتبارها نسخة منقّحة من السياسة القديمة التي تنادي إلى «صد الشيوعية».

ولكن ذلك سيخلف لدى المرء انطباعاً بأنه بعد أن تُركت أميركا من دون عدو سوفييتي، فإنها فقدت كل اهتمام بالدفاع عن تلك القيم الأخلاقية والمبادئ الديمقراطية التي مهدت الطريق لفوز العالم الغربي على الأيديولوجية الشيوعية. وقد كان التأثير هو تقويض مصداقية القيم الديمقراطية بتحويلها إلى مجرد تكتيكات سياسية عادية. أما التأثير على القوى الديمقراطية في داخل روسيا- وليس هناك فحسب ـ فقد كان إضعافها ضد المحافظين، القوميين وخصومهم الأصليين.

وديمقراطيو روسيا بحاجة إلى الغرب، لكن ليس كمدافع عنها ضد نظام دكتاتوري (لأن عليهم أن يتصدوا له بأنفسهم) وليس كممول ( حيث أن الدعم الكبير كفيل بتشكيل خطر عليهم)، وإنما كقدوة. فهذا تماماً ما حُرموا منه. هذه بعض أسباب تحول بوتين ـ التي أدهشت الغرب كثيراً- من كونه صديقاً حميماً لهم إلى شريك ثقيل ومثير للمشكلات. في الواقع، لم يتغير بوتين البتة. لأنه أصبح حاكماً أوراسياً أكثر تقليدية.

وقد كان الدور الحاسم في ذلك هو تحول روسيا من قوة عظمى عسكرية إلى قوة عظمى منتجة للطاقة، التي لم تعمل فقط على إضفاء الشرعية على مطلب استضافة قمة الدول الثماني، وإنما استخدام أوراق النفط والغاز الجديدة من دون تردد لكي تملي المواقف ليس فقط على الدول المجاورة، بل على الغرب الذي استبعد روسيا في وقت أسرع مما ينبغي.

واليوم، حيثما يشير الاصطلاحيون إلى النماذج الغربية، يقال لهم : «انظروا، إنهم لا يتصرفون أفضل مما نفعل نحن . وإذن ليس هناك ما نتعلمه منهم». ولذا وللمرة الأولى، أصبح الغرب مفهوماً جغرافياً، قطباً للنفوذ العسكري والاقتصادي يجب التعامل معه، وليس لروسيا مستقبل مشترك معه.

بقلم: أندريه جراتشيف

ترجمة: كوثر علي

عن«هيرالد تريبيون»