السناتور هنري كابوت لودج يشغل في حوليات التاريخ السياسي الأميركي مكانة مميزة. كان عضوا في مجلس الشيوخ في بلاده خلال السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر. ما زالت هذه الحوليات السياسية تذكر له مقولته الشهيرة التي لخصها بعبارة شهيرة هي »علينا أن نتبع السياسة العظمى«.
وهي العبارة التي تلقفها مؤرخون عديدون – كما يوضح مؤلف كتابنا لكي يفسروها على أوجه شتى ومنها:
سياسة التوسع
سياسة الهيمنة (الإمبريالية)
سياسة الاستعمار الجديد
ثم يعلق مؤلفنا قائلا: وأيا كان التفسير فإن العبارة في كل حال تمثل إرادة الأميركيين في توسيع دائرة اتصالهم وحضورهم في العالم ولم يكن هذا الأمر عبثا ولا لهوا.. لقد طالب السناتور المذكور أعلاه صراحة بأن تعمل واشنطن على ضم.. كندا ضمن الولايات المتحدة..
وظل الرئيس تيودور روزفلت مع مطلع القرن العشرين يفكر مليا – كما يضيف المؤلف – في مهاجمة أسبانيا وكان زعماء البرتغال يضعون أيديهم على قلوبهم خوفا من أن تستولي أميركا على جزر الآزور وكانت التجارب مع الولايات المتحدة تؤكد هذه الخشية وذلك القلق العميق.
يقول مؤلف الكتاب: قبل أن تظهر أميركاعام 1898 بوصفها قوة عالمية كانت قد لجأت مرات عديدة إلى استخدام قوتها العسكرية لإجبار أقطار خارجية على قبول بضائعها. هكذا قاد الكومودور ماثيو بيري أسطولا من البوارج الحربية إلى اليابان عام 1854 فأجبر أهلها على توقيع معاهدة تفتح أسواق ومراكز اليابان أمام التجار الأميركيين. وفي عام 1882 فعل الأميركيين نفس الشيء مع كوريا.
وفي هذا الصدد يقول المؤرخ الكبير شارلز بيرد:
- إن حرية التصرف في التوسع إلى حيث الأسواق الخارجية أمر لا غنى عنه لرخاء التجارة والأعمال في أميركا. ولهذا فالدبلوماسية الحديثة لها طابعها التجاري ويتمثل هدفها الرئيسي في تعزيز المصالح التجارية فيما وراء البحار.
نزعة التبشير الأميركية
من ناحية أخرى يرى المؤلف أن الأحكام الموضوعية لا بد وأن تفضي إلى القول بأن الأميركان لم يكن دافعهم الوحيد لهذا التوسع خارج الحدود هو التجارة أو الأسواق أو التماس الموارد اللازمة للتصنيع.
إلى جانب هذه الدوافع المادية كان هناك – كما يحرص مؤلفنا على توضيحه – دوافع معنوية يصفها بعض رؤساء أميركا بأنها حتميات التاريخ بمعنى أن الأمم العظيمة لا بد وأن تؤدي رسالة ما خارج حدود دولتها. تلك كانت النزعة التبشيرية
كما يصفها مؤلف الكتاب مضيفا أن هذه النزعة متأصلة في صميم النفسية الأميركية وخاصة منذ أن أطلق جون ونثروب، وهو من رواد استيطان الأرض الجديدة في الساحل الشرقي الشمالي لأميركا شعاره الشهير قائلا: أريد أن أشيد مدينة فوق التلال.
وكان ونثروب يعني بهذا صرحا مستجدا يأخذ بأسباب العقيدة الدينية والتربية الروحية ويتطلع إليه العالم كمصدر للإلهام، وهو نفس الشعار الذي جعل الأميركيين يعدون أنفسهم - وكما يضيف المؤلف أيضا – شعبا خاصا ولدرجة أن كثيرين منهم انتهى بهم القرن التاسع عشر
وهم يعتقدون أن من واجبهم تمدين البرابرة الذين يعيشون على الفطرة وتحرير الجماهير المقهورة من نير الاستغلال.. وعندما قررت واشنطن السيطرة على جزر الفلبين وجدت تشجيعا لهذه الروح التوسعية التي رفعت شعار »رسالة الرجل الأبيض« من جانب شاعر الاستعمار البريطاني الشهير رديارد كبلنغ حين أنشد قصيدته التي يقول فيها:
ألا فاحملوا عبء الرجل الأبيض
وابعثوا زهرة الناشئة إلى هناك
كي يلبوا حاجة المقهورين
تلك الشعوب اليائسة التي سيطرتم عليها
نصفها طفل ونصفها شيطان.
هذه الرسالة اختار الرئيس الأميركي أن يحمل تبعاتها وربما أثرت فيه أبيات الشاعر الإنجليزي فكان أن ضمت أميركا هاواي وكان أن تطلعت أيضا إلى ضم جزيرة شهيرة أخرى اسمها كوبا. على نحو ما ألمحنا إليه في سطور سابقة.
يقول مؤلف الكتاب: أصبحت كوبا جمهورية في 20 مايو عام 1902 ولكن أيام الجمهورية الأولى شهدت اضطرابات وقلاقل وصراعات وهجمات على ممتلكات الأميركيين في الجزيرة. وهكذا أنزلت واشنطن قواتها وفرضت حكما عسكريا على كوبا في عام 1906 ولمدة 3 سنوات.
وبعدها شهد عقد العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي حركات رفض وسخط ومعارضة ضد أميركا من جهة مع تنامي المشاعر القومية في كوبا من جهة أخرى لا سيما وقد شهدت الجزيرة أيضا اشتداد حركة نقابات العمال واكبها أمواج عالية من ثمار الفكر والثقافة والكتابة والتنوير والإبداع باللغة الأسبانية.
وكان أكبر المستفيدين من هذا كله هو الحزب الشيوعي الكوبي الذي بدأ نشاطه عام 1925 ثم نجح في إقناع الكوبيين بأن قياداته وأعضاءه هم أفضل الوطنيين المخلصين لقضية الجزيرة.
ومع مطالع الثلاثينات قرر الرئيس روزفلت أن ديكتاتور كوبا وقتها غيراردو ماشادو كان يشكل عبئاً محرجا لواشنطن فكان أن شجعت واشنطن الجيش الكوبي على إطاحته ليحل محله صف ضابط بدرجة رقيب اسمه فولجنسيو باتستا الذي قُيّض له أن يصوغ أقدار كوبا وسياساتها على مدى ربع قرن كامل قطع فيه العلاقات مع الاتحاد السوفييتي وطارد الحزب الشيوعي الكوبي واستعان بأفواج من المستشارين العسكريين الأميركيين،
وشجع أفواجا من المستثمرين القادمين من الولايات المتحدة بعضهم كان شريفا وأغلبهم كان بخلاف ذلك مما أنعش أشد الأنشطة تدنياً وفي مقدمتها صناعة كازينوهات المقامرة وتجارة البغاء.
ولكن أبرز قراراته كان المرسوم الذي أصدره في عام 1952 بإلغاء انتخابات البرلمان الكوبي وإبطال عضوية مرشحيه وكان من بينهم اسم فيديل كاسترو الذي يصفه المؤلف على النحو التالي: كان كاسترو محاميا شابا يتمتع بجاذبية كاريزمية
وكان جديرا بأن يواصل نشاطه داخل البرلمان الكوبي، ولكن بعد أن وجه باتستا ضربته الانقلابية بإلغاء الانتخابات، وبها استحال على المحامي الشاب أن يدخل البرلمان.. تحوّل فيديل إلى.. الثورة.
عند هذا المنعطف من سطور الكتاب لا بد أن نتوقف عند أكثر من عبرة مستقاة من صحائف التاريخ المعاصر، تلك العبرة مرتبطة عضويا وموضوعيا بنشاط وطروحات ومعلومات الاستخبارات في أميركا بالذات.
يقول المؤلف: لوقت طويل وبشكل يدعو إلى العجب، ظل صانعو السياسة الأميركيون يخدعون أنفسهم تحت وهم التصور بأن كل شيء على ما يرام في كوبا.
وفي عام 1957 أفاد مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض بأن العلاقات بين واشنطن وهافانا لا تواجه أي مشكلات ولا تعقيدات. بعدها بسنة واحدة ليس إلا..
أعلن ألين دالاس رئيس المخابرات المركزية في إحدى جلسات الاستماع بالكونجرس أن من المستبعد وجود أي نفوذ سوفييتي في أي مكان في أميركا اللاتينية ومنها بالطبع كوبا..
لم تمض سوى أشهر أو أسابيع.. وفي أول أيام 1959 كاد الأميركيون يصعقون عندما سمعوا خبر هروب باتستا من هافانا عاصمة كوبا التي بدأت تفتح ذراعيها كي تستقبل ثورة فيديل كاسترو ورفاقه.
تكررت نفس الوتيرة عندما زار الرئيس الأميركي كارتر طهران أوائل عام 1978 والتقطوا له صورا ظافرة مع الشاه وهما يحتسيان نخب الاستقرار والهدوء في إيران والشرق الأوسط.. ولم تمض سوى أشهر أو أسابيع حتى اندلعت الثورة الإيرانية.
عادت نفس الوتيرة إلى التكرار مؤخرا عندما أفادت المخابرات المركزية بأن الموقف في العراق يدفع شعبه إلى الترحيب بنزول جنود أميركا والتحالف على أراضي الرافدين كي تكون الزهور والرياحين في استقبالهم وكي يكون مبرر وجودهم في العراق هو القضاء على أسلحة الدمار الشامل... الخ
والحاصل أن الأمر لم يصبح مجرد نزهة ولا نعم العراق بالاستقرار ولا عثر القوم على أسلحة دمار.. وبدلا من حسابات الديمقراطية والرخاء ما زال الوضع في العراق يجسد علامة استفهام كبرى تستعصي على الافهام.
بين التوسع والبراءة
يحاول مؤلفنا أن يشخص هذه المشكلات وأن يتقصّى جذورها وأسبابها العميقة.. ثم يلخص هذا التشخيص في عبارة واحدة هي: نزعة التوسع ورغم أن التوسع في حد ذاته أمر يغري باعتباره يضيف مساحات وموارد وقوى عاملة وكفاءات بشرية جديدة إلى الدولة التي تباشر التوسع وطبعا على حساب جموع الناس والأمة والموارد التي تخضع لهذه النزعة –
رغم هذا كله فإن ظاهرة التوسع تحمل في طياتها ما يمكن أن نصفه من جانبنا بالعبارة التالية: جدل التوسع وعلى سبيل التفسير نحيل إلى سطور كتابنا حيث يقول المؤلف على صفحة 104:
- لقد انتهى التوسع بالولايات المتحدة إلى أن وضعها أمام أزمة خانقة ومشكلات مستحكمة وهي نفس المشكلات والأزمات التي ما برحت تتحدى الدول والقوى الاستعمارية عبر التاريخ. لقد أتاح هذا التوسع لقوى ديمقراطية أن تنمو وتتفاعل في نفس البلدان التي خضعت للهيمنة
وفي ظل هذا النمو والتفاعل نشأت وتطورت ونضجت قوى وفصائل وطبقات من أهل المستعمرات ممن أرادوا أن يحددوا مصير بلادهم وأن يحققوا لها مصالحها القومية. ولم تكن تلك المصالح تتفق بالضرورة مع مصالح الولايات المتحدة التي مارست التدخل واستهدفت التوسع وحاولت تجذير نفوذها في تلك الأصقاع،
ولكن ما لبث هذا النفوذ أن شرع في التضاؤل وباتت أميركا بكل القيم التي كانت قامت على أساسها وظلت ترفع شعارها، باتت حائرة أمام خيار أن تترك تلك الأقطار كي تصبح ديمقراطية أو أن تظل ممسكة بمقاليد سيطرتها وهيمنتها على مقاليد تلك البلدان.
ومن عجب ـ يقول المؤلف ـ إن الخيار كان سهلا ومن الأعجب – يضيف المؤلف – أن واشنطن لم تتوقف عند الخيار السليم.ومرة أخرى يشرح المؤلف موقفه قائلا: لو كانت واشنطن تطل على مثل هذه الأمور من منطق بعيد النظر لالتمست سبيلا للحوار والتفاهم بل والتبني بالنسبة لدعاة الإصلاح في الأقطار التي كانت داخلة في دائرة تأثيرها (بمعنى نفوذها) الإقليمي، أقطار من قبيل كوبا، هندوراس..
بورتوريكو، نيكاراغوا، دع عنك الفلبين: كان من شأن ذلك الأسلوب أن يفضي إلى نظم اجتماعية أكثر عدلا وإنصافا في تلك البلدان وكانت هذه النظم جديرة بأن تؤدي بدورها إلى نتيجتين: الأولى تحسين حياة أهل تلك البلاد ممن كانت كثرتهم تعيش وتموت في ربقة الفقر المدقع، والثانية كانت جديرة أيضا أن تخفف من وطأة بل وحمّى الصراعات الاجتماعية المحتدمة التي كانت تندلع مما اضطر أميركا إلى جولات من بعد أخرى من التدخل بكل ما كان يعنيه ذلك من مغارم وتكاليف.
صحيح ـ يضيف كاتبنا ـ أن هيمنة أميركا على مثل تلك البلدان جلبت لها هيمنة وموارد وأموالا هائلة لكن مفعول هذا كله كان يسري مثل السم البطيء داخل أوصال المناخ السياسي في تلك البلدان وضد الولايات المتحدة ودعاواها الديمقراطية.
وأدى هذا في نهاية المطاف (كوبا نموذجا وعبرة) إلى انتعاش الأفكار الراديكالية واليسارية والمتطرفة كبديل عن أحوال الركود والهيمنة الخارجية بل عن حماية أميركا للحكام الطغاة المستبدين في تلك البلدان.
ويمضي المؤلف قائلا بالحرف: ولو كان القوم قد سمحوا باستمرار انتخابات عام 1952 في كوبا لأتيحت الفرصة للمحامي المرشح الشاب فيديل كاسترو أن يصل إلى مواقع العمل أو المنصب العام من أجل استخدام المؤسسات الديمقراطية لتحديث كوبا
ولما أتيحت الفرصة لقيام النظام الشيوعي في الجزيرة ولو لم تصر أميركا على إسباغ حمايتها باستمرار على كل ديكتاتور من حكام نيكاراغوا، لما تعين عليها مواجهة حركة الساندانيستا اليسارية التي ثارت في ذلك البلد مع عقد الثمانينات.
دور صحافة الإثارة
مرة أخرى يثور السؤال عند هذه النقطة: وماذا عن أميركا – الداخل بمعنى الشعب ومشاعره والمثقفين وطروحاتهم؟
يوضح المؤلف أن شعار»تغيير النظم« الذي مارسته واشنطن ـ كما أسلفنا ـ لأول مرة مع غروب القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين كانت له تأثيرات مدوية في طول الولايات المتحدة وعرضها:
من الناحية الإيجابية أدى الشعار إلى المزيد من توطيد وترسيخ وحدة البلد الكبير الذي كان قد خرج منذ أقل من عقدين من معارك الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب داخل أميركا لكن من الناحية السلبية أدى الشعار،
ومن ثم أدت نزعة الهيمنة ومطامع التوسع الخارجي، إلى تشجيع ما وصفه كتابنا بأنه صحافة الإثارة، وكان رمزها منذ تلك الفترة (ولعله رمزها عبر تاريخ الإعلام) هو »ويليام راندولف هيرست« الذي ظل ينشر مقالاته وتحقيقاته التحريضية هادفا إلى إقناع جماهير قارئيه إلى أن قدر أميركا المكتوب على جبينها كما يقال هو أن تكون قيادة كوكبية. (ص 106).
لكن هذه الأفكار والدعوات سلبت الأميركيين – كما يؤكد المؤلف – أعز ما كانوا يملكون وهو البراءة، سمعوا يومها عن حكايات التعذيب الذي لقيه أهل الفلبين على يد جنود أميركيين، لكنهم سمعوا أيضا دعوات داخل بلادهم تؤكد أن تداول مثل هذه الحكايات، أو إدانتها لن تكون سوى علامات تشير إلى الضعف بل وإلى انعدام الروح الوطنية.
صحيح أن قادة أميركا منذ تلك الفترة رفعوا شعارا يقول أن هدفهم من تغيير الحكومات في الأقطار الأجنبية كان يتمثل في تحرير الشعوب المقهورة من نير الظلم والاضطهاد.
بيد أن مؤلف كتابنا، وهو صحافي أميركي محنّك ومخضرم، يعلق على هذه الشعارات بعبارات تقول: في واقع الأمر كانت هذه التدخلات تتم أساسا لأسباب اقتصادية.
لقد عمدت أميركا إلى ضم (بمعنى إلحاق) كل من هاواي والفلبين باعتبار أن كلا منهما كانت منطلقا نموذجيا إلى تجارة شرق آسيا، واستولت واشنطن على بورتوريكو لحماية الطرق التجارية وإنشاء قاعدة بحرية على أرضها وأطاحت برئيس كل من نيكاراغوا وهندوراس (في أميركا الوسطى) لأن كلا منهما رفض السماح للشركات الأميركية بحرية النشاط التجاري أيضا في بلده.
وكان من نتائج هذه التصرفات زعزعة الاستقرار في الأقطار المستهدفة، فضلا عن إثارة سخط سكانها. والغريب الذي يوضحه المؤلف أن هذه المصالح التجارية، وهي أهداف مادية بالدرجة الأولى كانت تتداخل وتتشابك إلى درجة العناق مع أهداف معنوية أو نوازع غير مادية مؤداها تلك الروح التي تملكت الأميركيين بأن بلدهم يمثل قوة باعثة على الخير في العالم.
وعليه، ومهما بلغت عمليات التدخل من الخشونة أو القسوة فقد درجت أجيال من الأميركان – وخاصة من قيادات السياسة والبيزنس على ترديد النغمة التي تقول بفكرة عن رسالة إنسانية تتضوع نبلا وكرما وتنبع من الوضع الاستثنائي لأميركا.
شخصية الرئيس
هكذا فعندما يتدخلون في الخارج، سواء كان لأغراض أنانية أو مصلحية، فهم يصرون ـ كما يؤكد مؤلفنا ـ على أن أفعالهم جديرة في نهاية المطاف بأن لا تفيد الولايات وحسب بل تصّب أيضا لمصلحة مواطني البلد الذي يتدخلون فيه وبالقياس تدعم قضايا السلام والعدالة على صعيد العالم بأسره.
في نفس السياق يؤكد المؤلف عند خواتيم هذا الفصل من الكتاب ذلك الدور المحوري الذي يضطلع به الرئيس، أي رئيس أميركي، في صياغة سياسة بلاده وفي تشكيل مسارات عملها في المجالين السياسي والعسكري – الخارجي والداخلي على السواء.
ومهما أسهبنا في الحديث عن أوضاع أميركا ـ دولة المؤسسات ـ أو أميركا دولة الفصل الديمقراطي بين السلطات، أو أميركا دولة التوازن الدقيق بين السلطة التنفيذية الحكومية ـ الإدارة ـ البيت الأبيض، والسلطة التشريعية (الكونغرس بمجلسيه النواب والشيوخ) فإن المؤلف لا يلبث أن يؤكد أن شخصية رئيس الدولة الأميركية، قناعاته،
تكوينه الفكري وانتماؤه الحزبي وطروحاته السياسية، وعلاقته بالرأي العام بين الأنصار المحازبين وبين الخصوم المعارضين، نظرته إلى العالم الخارجي ورؤيته لدور بلاده على صعيد هذا العالم، كل هذه الأمور تؤثر في صوغ السياسات وبلورة التوجهات وصنع القرارات سلبا وإيجابا.
أما العامل الثاني الذي يرصده المؤلف (ص 108) فهو أن تلك التدخلات الأميركية – أياً كانت مقاصدها أو شعاراتها – إلا أنها لم تكن تولي الاعتبار الواجب لآراء ومشاعر الشعوب التي خضعت بلدانها لذلك التدخل.
ولدرجة أن غابت تماما عن سياسة أميركا في تلك الفترة التي يكاد ينقضي عليها الآن 100 سنة، فكرة الإصغاء إلى الرأي في أقطار أميركا اللاتينية أو شرقي القارة الآسيوية: لقد كان الساسة والناس في واشنطن يتصورون تلك الشعوب من خلال ما كانوا يطالعونه في رسوم كاريكاتير تلك المرحلة: أطفال في أسمال باليه.. وجوه ملونة وبشرة داكنة غير بيضاء وجهالة مخيمة لا تعرف الفرق بين الخير والشر.
لكن هذه الأفكار، التصورات، الطروحات كان لا بد وأن تتغير، وذلك هو حكم التاريخ.
عرض ومناقشة: محمد الخولي