ينطلق المؤلف ستيفن كنزر هنا متابعاً المخططات الأولى من بين المخططات الأربعة عشر الكبرى التي نفذتها الولايات المتحدة على امتداد 110 سنوات، ومن الطبيعي أن تكون هذه المخططات الأولى في مناطق غير بعيدة عن أميركا، حيث نجد البداية في هاواي، ومن ثم ننتقل إلى كوبا، وأخيراً إلى نيكاراغوا قبل أن تبدأ مخططات أميركية أخرى أوسع بكثير في نطاقها وأكبر في طموحاتها.
14 يناير عام 1893 أسدل الليل سدوله على هونولولو عاصمة هاواي، الدولة ـ الجزيرة التي كانت منذ تلك الفترة مقصدا للسياح ومصرفا للمستثمرين ومرتعا للمغامرين والمقامرين.. زيارة ليلية قام بها رجلان يرتديان ثيابا أنيقة إلى بيت أنيق بدوره في العاصمة. كل منهما جاء وفي جعبته فكرة محورية تتلخص في ضرورة تغيير الأوضاع في الجزيرة بأي وسائل ممكنة.
صاحب البيت المضيف لم يكن لا مقاتلا ولا ممولا ولا حتى سياسيا محترفا ولا تاجر سلاح.. كان اسمه جون ستيفن وكان يشغل وظيفة الوزير المفوض للولايات المتحدة لدى بلاط ملكة هاواي في ذلك الحين. دارت أحاديث كثيرة أو خطيرة وكان محورها ضرورة الإطاحة بملكة هاواي والعمل على ضم الجزيرة لتصبح جزءاً من الولايات المتحدة ذاتها.
يقول مؤلف هذا الكتاب: هاواي كانت وقتها تعيش ملحمة من الاضطراب والتحولات والمواجهة بين القديم والجديد.. بين الموروث والحداثة، وبالتحديد بين نظامها القبلي العتيق وبين طموحات صناعة السكر التي تريد أن تزدهر مع بدايات القرن العشرين وكان طبيعيا أن يسيطر على القطاع الحديث في الجزيرة وهو قطاع التصنيع والحكومة عائلات من أوروبا ومن أميركا، وكان من الطبيعي أيضا أن تكون هذه السيطرة غير مباشرة حفاظا على الشكليات على الأقل، ومن ثم كانت السيطرة من خلال سلسلة من الأمراء والمسيطرين المحليين.
هذه الصفوة المحظوظة
هذه الأوضاع ظلت تصب في صالح الصفوة التي كانت تستأثر بخيرات الزراعة والصناعة لكنها كانت على حساب الغالبية من أبناء هاواي من العاملين والفقراء والمحرومين، هكذا ـ يوضح مؤلفنا ـ نادى منادي الإصلاح وتقويم الأوضاع في هاواي، ومن عجب أن دعوة الإصلاح هذه باتت مهمة عاجلة عند حاكمة الجزيرة، الملكة «ليلوكالاني» التي وجهت الدعوة في أحد أيام يناير من نفس العام إلى مجلس وزرائها وأذاعت بينهم إعلانا مدويا وصاعقا كما يصفه مؤلف الكتاب: قالت إنها سوف تعلن من جانبها دستورا جديدا يعطي لكل من مواطني هاواي حق التصويت بصرف النظر عن حجم ممتلكاتهم أو ثرواتهم على نحو ما جرى عليه العرف القديم.
من جانبهم حذرها وزراؤها الأربعة من أن مثل هذا الأمر كفيل بأن يشعل غضب المستثمرين والمتربحين الأميركيين. وإذ أصّرت الملكة على رأيها استأذن منها وزير الداخلية وهرع لفورة إلى إبلاغ أصدقائه من جنس البيض في الجزيرة واتفق الجميع على دعوة ممثل أميركا الدبلوماسي لتأييدهم من أجل الإطاحة بالملكة باستخدام قوة أميركا التي كانت عفية وفتية وجبارة طبعا بالقياس إلى جزيرة وادعة في مياه المحيط.
هكذا أعلنوا العصيان ضد الملكة «ليلوكالاني»®. ولم يكن هذا الإعلان مجديا إزاء حاكمة تمتعت بولاء قطاعات غفيرة من أهل جزيرتها لولا أن تطلع المعنيون إلى الأفق المحيط جزيرة هاواي فإذا بهم يلمحون عند المرسى البحري القريب السفينة التي تحمل اسم «بوسطون» وتبلغ حمولتها 3000 طن وكانت أحدث قطع الأسطول الأميركي في ذلك الحين.
كان وجود السفينة رادعا حاسما ومؤثرا وشديد البلاغة.. هيكل بحري ضخم على متنه نحو 200 بحار، وترتفع منها ساريتان ومدخنتان سامقتان ثم بطارية مدافع من كل جانب ويعلوها بالطبع العَلم الأميركي، ولو أراد المبعوث الأميركي المفوض أن يستدعي هذا الحشد من البحارة لكان في ذلك قوة لا يستهان بها ـ والأمور نسبية ـ لدعم النظام الحاكم الجديد.
(هنا قد نفتح قوسا لحاشية جانبية نلحظ فيها أن مرسى السفينة «بوسطون» المذكورة كان ـ كما يشير المؤلف ـ قرب منطقة قيض لها بعد ذلك أن تكون حديث العالم واسمها ميناء بيرل هاربور الذي شهد ـ كما هو معروف ـ تحطيم جميع قطع الأسطول الأميركي بضربة يابانية واحدة وقاصمة وكان ذلك يوم 7 من ديسمبر عام 1941 وما زالت الحوليات الأميركية تذكر عبرة هذا اليوم الذي وصفه الرئيس الأميركي الأسبق روزفلت بأنه اليوم الشائن في تاريخ بلاده.
المهم أن نشبت ثورة فوق جزيرة هاواي، والأهم أن الذين أشعلوها كانوا يرغبون في المواجهة ولكن الملكة كان لها رأي آخر، لقد عادت إلى جمع وزرائها ومؤيديها ثم وقفت في شرفة القصر تخاطبهم قائلة: كنت اليوم على وشك إصدار دستور جديد ولكن الظروف حملتني على تأجيله، فعودوا إلى بيوتكم والزموا الهدوء.
ورغم هذا التنازل من جانبها، إلا أن الرافضين الذين حملوا وقتها وصف الثائرين لم يسعدهم هذا التنازل.. كانوا سعداء باستغلال سكان هاواي الأصليين وما يتبعها من جزر عديدة وسط المحيط وكانوا ينظرون باستعلاء إلى هؤلاء الملونين الذين لا يستحقون في رأيهم سوى أن يعملوا ويكدحوا ويرضوا بما يلقيه إليهم السادة البيض من مهاجري الجزيرة ومستوطنيها الجدد من فتات.
السيطرة المطلوبة
في هذا الصدد يحيل الكتاب إلى التعداد السكاني لعام 1890 الذي أحصى من سكان الجزيرة الأصليين 40612 نسمة في حين أحصى من أهل النخبة المسيطرة على مقاليدها قلة لا تزيد على 6220 فردا من الأميركيين والبريطانيين والألمان والفرنسيين والنرويجيين: هؤلاء البيض ظلوا يحكمون هاواي على مدى عقود وقد طبقوا عليها دستورا غريبا يحمل وصفا أغرب وهو: دستور الحرية أو حكم السيوف.
كان هذا هو النظام الذي يضمن للبيض القادمين من أوروبا وأميركا كل أسباب النفوذ السياسي والسيطرة والاستغلال الاقتصادي.. ومن ثم كانت فكرة دستور عادل يضمن صوتا لكل مواطن، وبصرف النظر عن الأصل العرقي أو لون البشرة أو حجم الممتلكات، فهو أمر مرفوض بكل مقياس.
المهم أنه دارت عجلة الأحداث على أرض الجزيرة والأهم أن عمد المتمردون الرافضون للدستور الإصلاحي إلى طلب العون من الولايات المتحدة.. أقرب الكيانات الكبرى إلى هاواي.
وهكذا أنشأوا حكومة جديدة ومؤقتة وسارع المندوب الأميركي ستيفن للاعتراف بها بديلا عن حكومة الملكة التي أجبروها على توقيع صك كتبته بيد ثابتة وحروف بارزة واحتجت فيه على معاملة المتمردين لها واعترفت فيه بالتسليم إلى حكومة الولايات المتحدة بعد أن استدعى وزيرها فوق العادة قوات من بلاده كي ترابط فوق أرض الجزيرة.
والغريب أن هذا الوزير المفوض فوق العادة كان يتصرف من تلقاء نفسه وبغير الرجوع إلى رئيسه المباشر «بلين وزير الخارجية، ولا الرئيس الأعلى هاريسون في البيت الأبيض». يعلق المؤلف في هذا السياق (ص 30) قائلا: لم يكن لديه تعليمات صريحة لا من وزير الخارجية ولا من رئيس الجمهورية.
ومن المؤكد أنه تجاوز حدود سلطته بزعم أن الجزيرة كاد يسودها العنف والإرهاب. ومع ذلك فقد كان المبعوث المفوض يفعل ما كان يريد الوزير والرئيس أن يفعله. وهكذا استخدم سلطته وسلطتهما لينهي حكما كان قائما في جزيرة هاواي وهذا بالضبط هو الذي جعله أول أميركي ينفذ مخططا للإطاحة بحكومة أجنبية.
بعدها ينتقل مؤلف الكتاب إلى كوبا.. وهي بدورها الجزيرة التي لا تبعد سوى بضع عشرات من الأميال عن سواحل ولاية فلوريدا الأميركية وبهذا كانت أميركا (وربما لا تزال) تعدها داخلة في محيط النفوذ الإقليمي لواشنطن. وفي الأيام الأخيرة من عام 1898 كانت هافانا، عاصمة كوبا تجتاحها موجات من الفرح، وكان سكانها ـ بدمائهم اللاتينية الفّوارة في حال من المرح الصاخب والمهرجانات الملونة..
السبب هو وصول القوات الأميركية إلى جزيرة كوبا ومساعدتها السكان على إنهاء ثلاثة قرون كاملة من سيطرة الأسبان على مقاليدها. لكن هذه الأفراح ما لبثت أن تحولت إلى أحزان لأن «الصديق الأميركي» لم يشأ الاعتراف بجيش التحرير الكوبي الذي خاض معاركه ضد الأسبان واستعان بالأميركيين في تحرير البلاد. هكذا اعتملت مشاعر السخط العميق في نفوس الآلاف من الوطنيين الكوبيين. يقول المؤلف في هذا الصدد:
عرفوا أن أميركا اختطفت منهم جائزة الاستقلال التي طالما قاتلوا من أجل الحصول عليها ـ وسوف يشهد الزمن أحفاد هؤلاء الوطنيين من مقاتلي كوبا وهم يرقبون تعاظم سيطرة أميركا على جزيرتهم ويصابون بالإحباط حين يرون هذا الطرف المسيطر وهو يضع عملاءه وزبانيته في مواقع السلطة من أجل إدامة السيطرة الأميركية على كوبا.
حكاية البحار الفيلسوف
من ناحيتهم كان ساسة أميركا يتصرفون في أواخر القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين وفق طروحات وأفكار تربط بين عظمة بلادهم ورفاه سكانها وبين ضرورة أن تعمد واشنطن إلى نظرة توسعية من شأنها أن تبسط سيطرة أميركا خارج الحدود. وفي غمار هذه الدعوات يصدر كتاب مهم في تلك الفترة الباكرة تحت العنوان التالي: تأثير القوة البحرية على مسار التاريخ.
مؤلف هذا الكتاب كان فيلسوفا بحارا كما يصفه المؤرخون وقد تولى إدارة الكلية البحرية الناشئة وقتها وقد تجسدت دعوة كتابه فيما يلي: لم تحظ أي دولة ولا أي أمة بالمجد والعظمة إلا عندما بسطت سيطرتها على الأسواق الخارجية وعلى موارد المواد الطبيعية (الأولية ـ الخام) الموجودة في أراضي الدول الأجنبية. ولكي تستطيع الدولة الطموحة تحقيق هذا الهدف، يتعين عليها أن تستجمع كل أسباب القوة البحرية (لم تكن هذه الدعوة تحلم بالقوة الجوية وقتها) والمهم أن تكون هذه القوة كافية لحماية أسطولها التجاري ولإجبار الدول غير المتعاونة على فتح أسواقها أمام التجارة والاستثمار.
الفيلسوف البحار، واسمه بالمناسبة هو الكابتن ألفرد ماهان، يواصل نصائح الهيمنة والسيطرة التي يسوقها إلى ساسة بلاده ومسؤوليها فيقول: بيد أن أسطولا بمثل هذا الطموح سيكون بحاجة إلى شبكة من قواعد الإمداد والتموين في كل أنحاء العالم. ولو طبقنا هذا على أميركا لأكدنا أنها بحاجة أولا للمسارعة إلى حفر قناة عبر أميركا الوسطى (هي طبعا قناة بنما) فضلا عن الحاجة إلى إنشاء قواعد تابعة لأميركا في مياه البحر الكاريبي والمحيط الهادئ وفي أي بقعة ترغب أميركا بالمتاجرة فيها.
وعندما طرحوا على الفيلسوف ماهان السؤال الافتراضي: ترى لماذا يتعين على أميركا أن تقوم بهذا كله؟ أجاب في سطور كتابه القديم: إن الإنتاج المتعاظم للبلد يقتضي هذا الأمر.
ثم يضيف مؤلف كتابنا في معرض التعليق: هذا الفيلسوف ـ البحار ـ ألفرد ماهان كان محور اهتمام واشنطن في تسعينات القرن التاسع عشر ـ يظهر أمام لجان الكونجرس وينشئ صداقات حميمة مع كبار الساسة لدرجة أن بعضهم كان يرى أن كتاباته من نوعية «المرشد المقدس» ولدرجة أن السياسي تيودور روزفلت كان يتراسل معه بشأن مواضيع التوسع الإقليمي والقوة البحرية وأهمية ضم جزر في أصقاع مترامية.
ولعل هذه الأفكار هي التي صاغت الفكر التوسعي ـ الإمبريالي عند الرئيس تيودور روزفلت (1858 ـ 1919) الذي زار مصر والسودان في عام 1910 وأثار بدوره سخط أركان الحركة الوطنية في القاهرة لأنه أعلن اعترافه، وربما اعتزازه بسيطرة الاستعمار الإمبريالي البريطاني وقتها على شطري وادي النيل.
- في ضوء هذه الدعوات.. دخل رئيس جديد البيت الأبيض هو ويليام ماكنلي في عام 1897، كان ينتمي إلى الحزب الجمهوري وكان يجنح إلى السلام والمفاوضات بعيدا عن مشاكل الحرب الساخنة واحتدام الصراع.. لكن الأمور في جزيرة كوبا، وهي كبرى جزر البحر الكاريبي ودرة التاج الاستعماري الأسباني في سالف الأيام..
كانت على غير ما يرغب رجال المال والأعمال في الولايات المتحدة. لقد ثار الوطنيون في كوبا بزعامة محام موهوب كان دبلوماسيا وكان شاعرا وكان كاتبا اسمه «خوسيه مارتي» عاش في نيويورك ولكنه آثر أن يعود لقيادة انتفاضة تحريرية في بلاده..
بل واختار أن يهبط أرض الجزيرة وأن يقود طابورا عسكريا مما أودى بحياته وأن واصل رفاقه ومناصروه المسير بل ورفعوا لافتة يراها القاصي والداني تحمل سطورا من آخر رسالة كتبها الشاعر الدبلوماسي الثائر ولم يكملها.. وفي الرسالة يقول خوسيه مارتي الذي أصبح رمزا للتحرير الوطني في تاريخ شعوب أميركا اللاتينية: لا تكتفوا بتحرير بلادنا من نير أسبانيا فقط: بل اعملوا على استقلال كوبا ومن ثم على منع الولايات المتحدة من الانتشار والتوسع في جزر الهند الغربية.
خائفون من الإصلاح
وسط هذه الظروف كان لا بد للرئيس المسالم ماكنلي أن يتصرف، وأن يختار ـ على غير عادته ـ أساليب الحرب والضرب والقتال، وكان لدى الرئيس الأميركي المذكور أسباب تدعو للقلق والانشغال على حد ما يذهب إليه مؤلف كتابنا الذي يوضح (ص 35) أن زعماء التمرد الكوبي كانوا يبشرون جماهيرهم بأنهم ما أن يصلوا إلى السلطة حتى يبدأوا حملة ساحقة من الإصلاحات الاجتماعية يأتي في صدارتها إعادة توزيع الأراضي (الإصلاح الزراعي) وكان هذا يمثل طعنة غائرة كما يصفها المؤلف في صدور رجال المال والأعمال (البزنس) الأميركان الناشطين في كوبا.. كيف لا وقد كانوا يملكون أكثر من 50 مليون دولار (أسعار 110 سنوات ماضية) من الاستثمار في الجزيرة ومعظمها كان مستغلا في مجال الزراعة.
ولم يكذب ماكنلي خبرا، كما يقال، قرر التصرف فأصدر أوامره إلى السفينة الحربية «مين» بأن تفترق عن سائر قطع الأسطول العاملة في الأطلسي وأن تيمم وجهها شطر جزيرة كوبا وباعتبار ذلك رسالة قوية حازمة موجهة إلى الطرفين في كوبا: أهل التمرد وأهل البزنس على حد سواء.
وبينما كانت السفينة «مين» راسية في ميناء هافانا روع السكان ليلة 14 فبراير 1898 بخبر تفجيرها وإغراقها وهلاك أكثر من 250 بحارا فوق متنها.
صحافة نيويورك وجدت الفرصة سانحة. كان على رأسها ويليام راندولف هيرست الذي يعده الأكاديميون الأب الشرعي (!) لصحافة التهييج والإثارة فكان أن تابع نشر مقالات تحريضية شديدة الالتهاب ـ وأغرق صفحات جرائده مع مطلع كل صباح بقصص ومقابلات «مفبركة» كما يؤكد مؤلفنا مع مسؤولين غير محددي الأسماء محورها أن السفينة الأميركية تم تدميرها بفعل الخيانة من جانب عدو جهنمي.. وغد.. زنيم.. الخ
يقول المؤلف معلقا: زاد توزيع جرائد هيرست إلى الضعف في 4 أسابيع وانضمت إليه الجرائد الأخرى وأدت هذه الحملة المحمومة إلى أن أصيب الأميركيون بحالة أقرب إلى.. الهستيريا.. وانتهى الأمر بأن طلب الرئيس ماكنلي إلى الكونجرس تفويضا «بالتدخل الإلزامي» في كوبا.
تلك هي الظروف التي أشعلت لهيب الصراع العسكري بين أميركا بوصفها القوة البازغة في الكاريبي والباسيفيكي وبين أسبانيا ـ القوة الإمبراطورية التي طالما بسطت سلطانها ومعها جارتها البرتغال على أصقاع وبقاع شتى في تلك المنطقة.. ما بين كوبا إلى الفلبين ـ إنها قوى الاستعمار العتيق التي كان لا بد أن تفسح المجال سواء لقوى الاستعمار العتيد وهي انجلترا وفرنسا، فما بالك بقوة الاستعمار الجديد ممثلة في الولايات المتحدة الأميركية، والمصطلحات من إبداع العلامة العربي ـ المصري الراحل جمال حمدان.
وجاء دور نيكاراغوا
ثم جاء دور نيكاراغوا، كان ذلك في مستهل رئاسة ويليام تافت في عام 1909، وقد نلاحظ أن رؤساء كثيرين في البيت الأبيض عمدوا إلى أن يكون اختيارهم لمنصب وزير الخارجية، وهو كبير الوزراء حسب البروتوكول، من صفوف كبار المحامين أو كبار رجال المصارف ومثل هؤلاء وأولئك تربطهم مصالح حيوية مع دوائر الصناعة والتجارة و.. البزنس بشكل عام.
في تلك الفترة كادت الأوساط في واشنطن تصاب بجنون السخط أو الحنق أو الغضب إزاء رئيس نيكاراغوا خوسيه سانتوس زيلايا.. كان رجلا محبا لبلاده، تراوده طموحات كثيرة وأحلام أكثر. ولكن هذه الطموحات والأحلام ما لبثت أن تصادمت مع مصالح البزنس الأميركية وخاصة الشركات التي كانت تستغل مناجم الذهب في شرق نيكاراغوا.
وهكذا ظلت الأوساط الأميركية تترصد لرئيس نيكاراغوا وتتصيد له أخطاء صغيرة مثل إيداع تاجر دخان أميركي في السجن ومن ثم جاء تضخيم الأخطاء إلى حد إعلان أن نيكاراغوا بات يسودها عهد الإرهاب، وأن الرئاسة الأميركية لم يعد بمقدورها التعاون مع زيلايا «ذلك المستبد المنتمي إلى القرون الوسطى» كما وصفوه. وكان هذا الوصف ـ كما يؤكد مؤلف كتابنا أشبه بحكم بالإعدام السياسي على رئيس نيكاراغوا.
وفي يوم 10 أكتوبر من عام 1909 أعلن الجنرال استرادا حاكم أحد الأقاليم نفسه رئيسا جديدا في ماناغوا العاصمة تحت شعار الثورة على الرئيس القديم وهي ثورة استندت إلى تمويل سخي من شركة مناجم الذهب الأميركية وإلى دعم عسكري من جانب القوات العسكرية الأميركية أيضا.
ومن ثم لم يجد الرئيس زيلايا بدا من التسليم والاستقالة وقبل أن يصعد إلى سفينة تحمله إلى المنفى ـ آثر أن يوجه خطابا وداعيا إلى الجمعية الوطنية في بلاده اختتمه بعبارة قال فيها: رغم أنني كنت آمل في أن توقف الولايات المتحدة عملياتها العسكرية فإنني لا أشك في أنها سوف تواصل تدخلها بكل سبيل في مستقبل هذا البلد.
عرض ومناقشة: محمد الخولي
