القوات المسلحة اليوم مطالبة بالقيام بطيف عريض من المهام، وإظهار اليقظة والمرونة في قدرتها على إعداد قواتها بالطرق الملائمة للقيام بعمليات تتراوح بين أعمال الإغاثة الإنسانية ومهام حفظ السلام إلى الحرب بمستوياتها المتفاوتة. ولتغطية هذا الطيف العريض من المهام، يتجه المذهب العسكري الحديث إلى التركيز بشكل خاص على «العمليات الموجهة بالمعلومات الاستخبارية».
وبهذا التركيز اتجاه العمليات المعتمدة على المعلومات الاسخباراتية، يتساءل المرء ما الجديد في هذا. أليس هذا ما نقوم به منذ وقت طويل؟ وعلى سبيل المثال، فإن المؤرخ الاستراتيجي الصيني القديم صن تسو أقر بالحاجة لأن «تعرف عدوك» منذ زمن بعيد. ومن المؤكد أن القادة من أمثال مونتغومري في معركة أم العلمين وأيزنهاور قبل يوم إنزال نورماندي أمضيا قسطاً كبيراً من الوقت في جمع المعلومات الاستخبارية قبل إطلاق العمليات العسكرية.
وخلال الحرب الباردة كان هناك تركيز كبير على جمع المعلومات الاستخبارية كجزء من مقاربة اعتمدت على جمع إشارات الخطر والمؤشرات على أية مناورات واسعة النطاق محتملة من قبل القوات المسلحة لحلف وارسو.
وكان هذا عملياً بمثابة تبن لمقاربة استباقية لجمع المعلومات الاستخبارية. وتمثل العنصر الأساسي في الدمج بين المعرفة بإصدار العدو أمر المعركة، والمعلومات الاستخبارية التي تشير إلى توقيت الهجوم وهدفه. وهكذا يمكن للقادة العسكريين نشر قواتهم واتخاذ وضعية مصممة لاستخدام القوات لإيقاع الفوضى في صفوف العدو والتشويش عليه وحرمانه من تحقيق أهدافه في مقاربته الكلاسيكية للحرب.
وفي مسارح الحروب مثل أفغانستان، العراق وكوسوفو، تواجه قواتنا طيفاً عريضاً من التحديات في القيام بمهامها. وهذه التهديدات لا علاقة لها باحتشاد القوات المعادية، كما قد يحدث في الحروب عالية الكثافة. بل أن أهم ما يميزها رشاقتها وقدرتها على الاندماج مع خلفيتها، بالاختباء بين الناس.
والآن أصبحت مهمة التعرف على هوية العدو، مكان تمركزه، حقيقة نواياه وجدوله الزمني أصعب مما كانت عليه في العمليات ضد المتمردين في الماضي على غرار تلك التي كانت تجري في اليمن ومالايا وبورنيو - حيث كان يتم على الأغلب التعامل مع العدو بعيداً عن المناطق المدنية. وهذه العمليات كانت مختلفة كل الاختلاف عن تلك التي كانت تنفذ في أيرلندا الشمالية في محيط مدني بشكل رئيسي، مع أن معظم العمليات ضد المسلمين هناك كانت تجري في المواقع الريفية النائية.
وفي عالم من اللاعبين العابرين للحدود الوطنية - حيث تتعاون المنظمات المتشددة العالمية مع عصابات الجريمة المنظمة عبر مسارح عملياتنا - فنحن بحاجة ملحة لضمان فعالية عمليات جمع المعلومات الاستخبارية وتحليلها عبر المسارح المختلفة وعدم التعامل مع كل منطفة عملياتية ككيان منفصل.
وسوف يمكننا هذا من تكوين صورة شاملة عبر المسارح العملياتية تظهر الروابط بين جماعات التمرد وأنشطة الناس على الأرض، مثل أنماط الهجمات الانتحارية أو أية أشكال أخرى من الهجمات - والتي يعطي تحليلها بعض المؤشرات على نوايا المسلمين، بما قد يمثل تحذيراً من زيادة الهجمات على أرض الوطن بعيداً عن مسارح العمليات.
وعند محاولة تشكيل صورة استخبارية مشتركة، من المهم التعرف على الإسهامات التي يمكن أن تقدمها الأقسام الحكومية الأخرى في تطوير فهمنا لما يجري من حولنا. وبالنظر إلى تعقيد التهديدات التي تواجه قواتنا، متجسدة مثلاً في التنظيمات الإرهابية المختلفة التي تبرز ولدى كل منها أجندته وأفكاره الخاصة، فإن بوسع وكالات الاستخبارات الاستفادة من أية عملية تحليلية يقترحها أي طرف ذو قيمة في مجال معين.
ونظراً للخلفية الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية المعقدة التي يعمل عليها جنودنا الآن، فمن الطبيعي أنه قد تكون هناك أطراف ليست لها علاقة بعمل الاستخبارات لكن ربما تكون قادرة على الإدلاء بدلوها لتحسين عملية تحليل المعلومات الاستخبارية ضمن ظروف محددة.
وعلى سبيل المثال، فإن الأكاديميين قد يكونون قادرين على تقديم رؤى استراتيجية وعملياتية مهمة حول الاتجاهات التي تتطور بها الأوضاع في مسرح العمليات، اعتماداً على تقويمهم للمصادر المفتوحة، وذلك باستخلاص المعلومات من وسائل الإعلام والدوريات المتخصصة. وربما يستطيعون أيضاً الإسهام على المستوى التكتيكي، لكن وتيرة العمليات التي تجري على هذا المستوى، ربما تحول دون ذلك.
وفي محاولة تجميع مثل هذه المجموعة يمكن تصور إيجاد فرق تقييم افتراضية تشترك في تطوير تقييم محدد، بناء على طلب من قائد في مسرح العمليات. ويمكن لتلك الفرق ان تضم أي شخص يمكن أن يسهم في بناء التقييم. ومن الطبيعي أنه كلما زاد عدد الأشخاص في المجموعة كلما زادت احتمالات تضارب آرائهم، لكن الحاجة لتداول وجهات النظر وفهم جملة الانعكاسات والنتائج التي قد تنشأ عن القيام بعمليات تكتيكية محددة، يتطلب أوسع استشارات ممكنة بين أشخاص من خلفيات ذات صلة بالموضوع ويملكون القدرة على تقديم إسهامات ذات قيمة مضافة.
وتقدم تقنية الإنترنت إمكانية إيجاد مثل هذه المقاربة لجمع المعلومات الاستخبارية وتحليلها. وفي بيئة إلكترونية آمنة تضمن للأشخاص المساهمة أينما كانوا، يمكن دعوة الأفراد للانضمام إلى مؤتمرات افتراضية بالصوت والصورة والكتابة، لتقديم نصائحهم وآرائهم حول المشهد الاستخباراتي الآخذ بالتبلور.
وقد يطلب منهم التعرف على الثغرات التي يمكن أن توجه عمليات جمع المعلومات الاستخبارية في المستقبل، بما يضمن تطوير الفهم الأكثر فعالية لخصائص التهديد والتمعن في نوايا القادة. أي أننا عملياً سنوجد حيزاً افتراضياً آمناً لعقد المناقشات حول تقويم وضع محدد له أهمية في تحليل المعلومات الاستخبارية. وهذا سيسمح أيضاً بحفظ المعارف والخبرات ذات الصلة بمسرح عمليات معين ليتم الاستفادة منها عند مناقشة الأوضاع في مسارح أخرى.
ويمكن للمساهمين من خلال هذه الهيكلية، مثل الأكاديميين والأشخاص الضالعين في تحليل المعلومات الاستخباراتية، المساهمة أيضاً بتقييماتهم المستخلصة من تحليلاتهم الخاصة لمعلومات المصادر المفتوحة.
ومن خلال إشراك بقية أعضاء المجموعة في مثل هذه التحليلات قد يكون من الممكن أيضاً النظر في التهديدات المستقبلية، طرح الأسئلة حول المصادر المحتملة لظهور المشكلات، نقل عملية تحليل المعلومات الاستخباراتية من النهج التفاعلي إلى النهج الاستباقي في إعداد عمليات التقويم الاستخبارية للمستقبل. ومن شأن مثل هذه المقاربة أن تكون التتويج المثالي لمقاربة العمليات العسكرية المعتمدة على المعلومات الاستخبارية.
ترجمة: علي محمد
عن: «جينز دفنس ويكلي»