صدر هذا الكتاب أخيراً في 384 صفحة من القطع المتوسط وقد اهتم به النقاد بوصفه عملا فكريا يجمع لأول مرة بين 14 حالة من الحالات التي عمدت فيها واشنطن إلى تطبيق مبدأ تغيير النظام الحاكم في أكثر من بلد بأكثر من منطقة من أقاليم العالم. وعلى الرغم من أنه من تأليف صحافي أميركي مخضرم إلا أن من النقاد أيضا - البروفيسور ريتشارد بتسل الأستاذ بجامعة كولومبيا مثلا - من توقف عند موضوعية هذا الكتاب فأطلق عليه عبارة «إنه استعراض لقرن من التدخلات ولكن بعيون باردة».
أما المؤرخ البارز جيمس شليزنجر فيرصد أسباب هذه التدخلات ويرى في بعضها أسبابا معقولة وفي بعضها الآخر أسبابا متهافتة ولكن التدخلات في كل حال تفضي في معظمها - كما يقول الناقد وكما أوضح المؤلف أيضا - إلى عواقب مشكوك في جدواها على المدى الزمني الطويل.
والمؤلف هو كاتب صحافي أميركي يتمتع بخبرة ميدانية طويلة حيث عمل في 40 بلدا في 4 قارات وتعامل مع أوضاع الشرق الأوسط حين تولى رئاسة مكتب صحيفة نيويورك تايمز في تركيا. وقد أصدر كتبا سياسية عديدة نال عنها جوائز مرموقة كمراسل خارجي ومنها كتابه الشهير عن إيران بعنوان «كل رجال الشاه».
يعترف مراقبو ومحللو المشهد السياسي الراهن في الولايات المتحدة بأنهم لم يفاجأوا ولا انتابتهم أي دهشة أو استغراب عندما سمعوا الرئيس الأميركي الحالي جورج بوش يتكلم عن أهمية ما يصفه بأنه «تغيير النظام» في هذا البلد من العالم أو ذاك.
يبادر مؤلف الكتاب الذي نفتح صفحاته في هذا السطور ليفسر هذا الموقف من جانب المحللين السياسيين في أميركا فيقول: لأن الأمر لم يكن جديدا بحال من الأحوال: فقد جاءت كلمات بوش أو جاء وعيده السياسي بمثابة حلقة معتادة في سلسلة استغرقت من عمر زماننا الراهن نحوا من 110 من السنوات التي بدأت بتغيير نظام كان حاكما في جزيرة هاواي (هاوائي كما ينطقها الأميركان).
وكان ذلك تحديدا في عام 1893 وبعدها عملت واشنطون على تحقيق مصالحها السياسية والاقتصادية وما يماثلها فكان أن نفذت 14 تغييرا أو إطاحة بحكومات ونظم شتى كان آخرها بالطبع نظام البعث الذي كان حاكما في بغداد.
هكذا يمهد مؤلف كتابنا - بحكم خبرته الطويلة كصحافي مخضرم - مسرح الجهود الأميركية لتغيير النظم والإطاحة بالحكومات وهذا المسرح من حيث المكان هو خارطة العالم المعاصر، وإن كان التركيز بالذات على الدول التي تتماشى مصالحها وأقدارها مباشرة مع مصالح أميركا وأقدار شعبها ولا سيما في قارة أميركا الجنوبية - اللاتينية، أما المسرح من حيث الزمان فهو بصورة أو بأخرى سنوات القرن العشرين.
وفي تصدير هذا الكتاب يبادر المؤلف فيلمح إلى الصلة الحيوية المباشرة - والمستترة غالبا - بين شعارات السياسة المعلنة وبين مصالح الاقتصاد المخفية، يقول الكاتب «ستيفن كنزر: في عام 1909 أصدر الرئيس الأميركي (وقتها) ويليام تافت أوامره بالإطاحة برئيس نيكاراغوا وكان اسمه خوسيه سانتوس زيلايا، يومها ادعى الرئيس تافت أنه كان يتصرف لحماية أمن أميركا (تأمل) ولنشر وتعزيز المبادئ الديمقراطية (ولا يزال هذا الشعار - بطبيعة الحال - مرفوعا).
الهدف الحقيقي
بيد أن مؤلف كتابنا لا يلبث أن يكشف عن هذا الادعاء حين يضيف (ص 3 من مقدمة الكتاب) قائلا: إن الهدف الحقيقي للسيد تافت كان يتمثل في حماية «حق» الشركات الأميركية في العمل كيفما شاءت في أراضي نيكاراغوا. وبمعنى أوسع كان الرئيس يؤكد «حق» الولايات المتحدة في فرض شكل الاستقرار الذي يروق لها على أراضي البلدان الأجنبية.
من جانبنا قد نقول ان مثل هذه الأحداث أو مثل هذه الملابسات أمور شهدتها مراحل شتى من التاريخ الإنساني. لكن المؤلف يضيف من جانبه: إن المشكلة أن هذا السلوك أصبح بمثابة نمط متبع بمعنى أنه جاءه ليرسي سابقة يمكن النسج على منوالها.
فالذي حدث - يقول الكاتب الأميركي - هو أن الولايات المتحدة دأبت، على مدار القرن العشرين وحتى مطالعنا الراهنة في القرن الحادي والعشرين، على استخدام القوة العسكرية (السافرة) ودوائر العمليات السرية (المستترة) للإطاحة بالحكومات التي كانت ترفض حماية المصالح الأميركية.
وفي كل مرة كانت تخلع على تدخلها هذا رداء من شعارات طنانة تدور حول التحرير والأمن القومي في حين أنها كانت تتصرف أساسا في معظم الحالات لأسباب اقتصادية وبالتحديد من أجل إرساء ودعم وحماية حق المصالح الأميركية في ممارسة «البيزنس» في كل أنحاء العالم بغير تدخل من سائر الأطراف الأخرى.
ولكن لماذا القرن العشرون بالذات؟
تجيب سطور الكتاب منذ بدايتها: لأنه القرن الذي شهد نشوء وترعرع المؤسسات التجارية العملاقة والشركات المتعددة الجنسيات وهي التي تمارس عملياتها التجارية والمصرفية والإنتاجية في مقرها في بلد ما ولكنها تجني أرباح امتداد وتوسع هذا النشاط عبر البحار.
ما زال المؤلف يواصل التحليل قائلا:
هذه المؤسسات - الاحتكارات العملاقة - وعدد من العناصر التي تصدت لرئاستها وإداراتها استطاعوا أن يراكموا ثروات طائلة ويكتسبوا نفوذا سياسيا واسع النطاق. صحيح أن الأمر شهد قيام حركات في المجتمع المدني ومعها نقابات العمال والأحزاب السياسية وكلها حاولت أن تجابه أنشطة أو نفوذ هذه الاحتكارات المتعددة الجنسيات وشركاتها عبر الوطنية.
إلا أن كل هذه الأطراف أو الدوائر المعارضة لم تستطع يوما أن تقترب - ناهيك بأن تنافس أو توازي من النفوذ والجاه والسلطان الذي كانت (وما زالت) تتمتع به تلك الشركات العملاقة ـ وقد زاد من بريق وجودها أيضا أن تلك المؤسسات الكبرى نجحت في تصدير نفسها وأنشطتها في ذهنية الجماهير على أنها النموذج المشرق الأخاذ للمثل العليا وللمشروع الحر والمبادرات والمنجزات الفردية والإخلاص في العمل وتحمل مشاقه، هذا فضلا عن قدرتها على المناورة واستقطاب وتجميع أصدقاء وأنصار ومعجبين ومؤيدين ومستفيدين وعملاء وجواسيس ومتربحين وعملت على تصعيد بعضهم إلى المراكز المهمة (صنع القرار) في العاصمة واشنطن.
والحاصل أن شاءت مصادفات تاريخ القرن العشرين أن يتزامن صعود المؤسسات الاقتصادية العملاقة من حيث النشاط والأرباح والنفوذ، مع صعود الولايات المتحدة الأميركية ذاتها من مواقع الدولة الناشئة المعزولة أو شبه المعزولة خلف مياه الأطلسي إلى مكانة الدولة الكبرى ثم الدولة العظمى التي تشكل قوة الحسم في الشؤون الدولية.
في هذا التزامن التاريخي.. ما دفع بالاحتكارات الاقتصادية إلى أن تتوقع من القوة الصاعدة للدولة الأميركية وحكومتها أن تقف في صفها بل وتتحدث باسمها وتدافع عن مصالحها.. حتى ولو وصل التمادي في هذا الدفاع إلى حد الإطاحة بالزعماء الأجانب » غير المتعاونين»، كان أن وافق رؤساء أميركا المتعاقبون - كما يؤكد مؤلف الكتاب - على أن هذا هو النهج القويم من أجل الدفاع عن المصالح الأميركية.
رأس الذئب الطائر
زاد من التمسك بهذا النهج حقيقة انتقال التأثير الإشعاعي كما قد نسميه من جانبنا للأحداث والتحولات السياسية، بمعنى أن الإطاحة بزعيم هنا تشكل بالضرورة درسا مستفادا وعبرة مستقاه ورادعة في غالب الأحيان لزعيم هناك.
إنها حكاية رأس الذئب الطائر كما تقول الأساطير. وخارج نطاق الأسطورة فإن حكاية الانقلابات وتغيير النظم تتشابك فيها السياسة مع الاقتصاد، وتختلط الشعارات مع المصالح وخاصة في إطار ممارسة وإدارة السياسة الخارجية والعلاقات الدولية لبلد كبير ومؤثر وشديد العنفوان - بحكم انتمائه لما يسمى بالعالم الجديد مثل الولايات المتحدة.
ومع بدايات الإحدى عشرة سنة التي أشرنا إليها، كان مزارعو قصب السكر في هاواي يرغبون في إرسال محصولهم الحيوي من الحقول التي يملكونها في الجزيرة إلى البر الرئيسي الأميركي بغير أن يدفعوا ضرائب أو رسوم التصدير.
وكان السبيل الوحيد لذلك هو أن تصبح هاواي جزءاً من أميركا وحينها تتاح فرصة الوصول إلى أسواقها الداخلية المفتوحة والمربحة بغير مكوس ولا من يحزنون، وهكذا أطيح بحكومة هاواي لتحقيق هذا الهدف الاقتصادي - الضريبي في المحل الأول.
لكن هذه الظاهرة ما لبثت أن اكتسبت وجها آخر أو بُعدا أعمق، لقد تحول أرباب الاقتصاد وأصحاب المصالح من مجرد مساعي التأثير وتعبئة الأنصار واسترضاء المؤيدين والناطقين باسمهم - إلى حيث أصبحوا هم صانعو السياسة ومتخذو قرارات المصير.
في هذا السياق بالذات يسوق مؤلفنا المثل من سيرة وزير الخارجية الأميركي الأسبق جون فوستر دالاس (1888 - 1959) فيصفه بأنه الشخصية التي تجسد على أتم وجه هذا الخلط أو الدمج بين المصالح السياسية والمصالح الاقتصادية، لماذا؟ لأن دالاس أمضى عقودا من الزمن وهو يعمل في خدمة أقوى الشركات العالمية وبعدها أصبح وزيرا لخارجية أميركا في عهد الرئيس الأسبق أيزنهاور، ودالاس هو الذي أصدر الأوامر بتنفيذ الانقلاب الذي أطاح بحكومة الدكتور محمد مصدق الوطنية في إيران عام 1953 وكان من الأهداف المنشودة ما تلخصه عبارة مؤلفنا (ص 4): «جعل الشرق الأوسط مكانا آمنا لنشاط الشركات الأميركية».
وبعدها بسنة واحدة أمر جون فوستر دالاس بانقلاب آخر في غواتيمالا، الجارة القريبة في منطقة أميركا الوسطى من أجل الإطاحة بحكومتها «الوطنية» كما يصفها مؤلف الكتاب. وكانت هذه الحكومة قد تحدت سلطات شركة الفواكه المتحدة (يونايتد فروت) واستغلالها أراضي البلد الصغير وموارده وكان دالاس شخصيا محاميا موكلا قبل توليه المنصب الوزاري عن الشركة المذكورة.
والذي لم يقله المؤلف أيضا أن تلك المرحلة - منتصف الخمسينات بالذات - شهدت الأخوين دالاس وقد شغلا أهم موقعين من مواقع الإدارة الأميركية: الأول - جون فوستر كان وزيرا للخارجية والثاني ألن دالاس كان مديرا للمخابرات المركزية. والذي لم يقله المؤلف كذلك أن الوزير دالاس كان له مواجهات - بلغت حد المصادمات - مع حركة التحرير الصاعدة والمد القومي المتنامي وقتها في المنطقة العربية، ومن ثم كانت مشاريعه لإدخال الأقطار العربية، في المشرق بالذات.
ضمن مناطق النفوذ الغربية من خلال مشاريع من قبيل الحلف المركزي وحلف بغداد. وبعدها تصدى جون فوستر دالاس لإحباط مساعي مصر - الناصرية وقتها لتأميم قناة السويس وتحويل مواردها لصالح بناء السد العالي، حيث كان دالاس هو القوة المحركة وراء رفض البنك الدولي المساهمة في تمويل ذلك المشروع الإنمائي الكبير، بل عمد إلى إعلان هذا الرفض بأسلوب يشكل إهانة سياسية للطرف العربي الذي كان يتطلع وقتها إلى علاقات إيجابية مع الغرب على جانبي الأطلسي، هذا فضلا عن رفض دالاس سياسة الحياد الإيجابي ومبادئ عدم الانحياز التي قادتها كل من مصر والهند ويوغسلافيا ويومها أيضا أعلن دالاس بغير تحفظ أن «الحياد عمل غير أخلاقي».
3 مراحل أساسية
يكاد يشكل نشاط دالاس في منتصف الخمسينات نقطة الوسط من تلك الفترة التي دامت حتى الآن 110 من السنوات وشهدت جهود واشنطن في مجال تغيير الأنظمة، هذه الجهود توالت عبر ثلاث مراحل اتسمت كل منها بصفات مميزة نوضحها من عناوين المؤلف على الوجه الموجز التالي:
المرحلة الأولى وتحمل عنوان «الحقبة الإمبريالية» .
المرحلة الثانية ويطلق عليها المؤلف اسم: العمل السري.
المرحلة الثالثة والممتدة حتى الآن وتدل عليها كلمة واحدة هي «الغزو».
المرحلة الأولى بدأت، كما ألمحنا بغزو هاواي والإطاحة بنظامها واتسمت بالوضوح والسفور. وكل من شارك في «العمليات» لم يستر شخصيته ولا تنصل من مسؤولية ما حدث.. وبعدها تبرع الرئيس تافت شخصيا بالإعلان عن عزمه وقراره غزو نيكاراغوا وتغيير حكومتها.
ولعل هذا السلوك العلني يرجع إلى أن العالم لم يكن قد تدرب ولا تعّود في تلك الأيام - أواخر القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين - على التعامل مع قوة بازغة جديدة اسمها الولايات المتحدة، ولا كان النظام الدولي وقتها يعرف الكثير عن أحوال نصف الكرة الغربي الذي تقطنه أميركا في الشمال ومعها دول الأميركتين الوسطى واللاتينية إلى الجنوب.
وفي غيبة وسائل الاتصال السريعة وميديا الإعلام الحديثة (اللهم إلا الصحف المطبوعة) لم يكن عالم تلك الحقبة قادرا على متابعة ما يجري غرب الأطلسي ولا في مياه الكاريبي من أحداث وتطورات.
المرحلة الثانية بدأت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، منتصف الأربعينات ومطالع الخمسينات، لقد ازداد النظام الدولي تعقيدا وتشابكا بأكثر مما كانت عليه أوضاع بدايات القرن العشرين ولم يعد باستطاعة رؤساء أميركا أن يطلبوا صراحة من رؤساء الدول الأجنبية القبول طوعا أو رضوخا بالمصالح والشركات والاحتكارات الأميركية فوق ترابهم الوطني.
ولا كان باستطاعتهم أيضا إرسال قوات عسكرية من واشنطن إلى أصقاع أجنبية، أولا: خشية حدوث عواقب غير متوقعة، وثانيا لأن الناس في أميركا والعالم كانوا قد خرجوا لتوهم من أتون صراع كوني دولي رهيب وكان الكل يتطلع من ثم إلى تذوق ثمار السلام والبعد عن الصراع.
وثالثا وهذا هو الأهم شهدت تلك الفترة وجود قوة عالمية جديدة اسمها المعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفييتي مما أدى إلى تقييد حرية العمل أمام القطب الأميركي المنافس ومما أدخل القطبين السوفييتي والأميركي في دوامة صراع وحقائق من نوع آخر تماما حيث كان السلاح هو العقائد والإعلام والدعاية ومحاولات الاستقطاب تحت شعار الحرب الباردة.
لهذا أصبح يتعين على رؤساء أميركا اللجوء إلى وسائل جديدة تعمل في معظمها تحت السطح وتمارس أنشطتها تحت جنح الظلام والسرية وبأساليب أكثر تعقيدا وأرق نعومة وربما أشد فعالية وإيلاما، تلك هي أساليب المخابرات والمخططات السرية التي حلت فيها عناصر مستجدة من رجال (ونساء) الاستخبارات والدبلوماسية والعملاء المجندين محل الجنرالات والكولونيلات كوسائل لتحقيق أهداف التدخل الأميركي الذي شهدته أقطار شتى في الشرق وفي الغرب من إيران إلى غواتيمالا ومن فيتنام الجنوبية إلى شيلي.
غروب القرن العشرين
مع غروب القرن العشرين، كان القادة الأجانب قد تعلموا درسهم وتمرسوا بأساليب محاولات واشنطن تغيير النظم التي يمسكون بمقاليدها بل ومنهم من أصبح خبيرا محنكا في فن مقاومة المخططات الأميركية ذاتها..
لكن المفارقة حدثت عندما أصبحت واشنطن من جانبها قادرة على التصرف من جديد بغير رادع يعتد به على الساحة الدولية، ولدرجة لم تعد للانقلابات العسكرية ولا للوسائل السرية ضرورة: لقد اختفى الغريم السوفييتي وزالت روادع المعسكر الشيوعي الذي غاب في دفاتر النسيان وازدادت ضراوة المصالح الاقتصادية والإستراتيجية العملاقة في أميركا والغرب وكل هذا أعاد أميركا ـ كما يوضح المؤلف ـ إلى عادتها القديمة في تعبئة وإنزال القوات العسكرية على الشواطئ الأجنبية.
وفي هذا الإطار تم تنفيذ 4 عمليات من هذا القبيل شهدت حشد القوات وإيفاد القوات وإنزال القوات وانجاز عمليات الغزو الصريح - الكلاسيكي كما قد نسميه. العملية الأولى والثانية تمّتا داخل مناطق النفوذ الإقليمي لأميركا وهما غزو دولتين صغيرتين هما غرينادا وبنما في عقد الثمانينات أما العمليتان الثالثة والرابعة وقد شهدتهما أرض أفغانستان والعراق فقد اتسمتا ـ على حد وصف كاتبنا «ستيفن كنزر» ـ باتساع النطاق وبالأهمية التاريخية. وجاء التأييد لغزو أفغانستان لأن كثرة من الأميركان رأوا فيه ردا على وجود الإرهابيين هناك، وجاء التأييد ولو أقل لغزو العراق بعد تصوير نظامه السابق على أنه يشكل خطرا وشيكا وداهما على السلام العالمي.
لكن ماذا كانت النتيجة؟
مرة أخرى يجيب المؤلف على هذا السؤال قائلاً: الغزو الأميركي لكلا البلدين ترك كلا منهما في حال من العنف والاضطراب.ولأننا نقرأ مثل هذه الأعمال البحثية والفكرية كي نتعلم عبرة دروس التاريخ.. وبما يمكن أن ينير مسيرة المستقبل، فإن المؤلف لا يلبث يؤكد أن مثل هذه العمليات قد تؤتي ثمارا في الأجل القصير، ولكنها تنطوي على أضرار وسلبيات تنكشف في الأجل الطويل.
وهكذا، وقبل أن ندلف إلى أهم فصول الكتاب نطالع رأي مؤلفه حين يقول: يتضح من التأمل اللاحق في عبرة ما حدث أن معظم تلك العمليات قد أفضت في واقع الأمر إلى إضعاف أمن أميركا.. لقد طوحت بمناطق بأكملها من العالم إلى هاوية من الفوضى والاضطراب مما أدى إلى دوامات من زعزعة الاستقرار لدرجة تنذر بتهديدات وأخطار ينطوي عليها المستقبل ولم تكن تراود أحدا لا في الأحلام (ولا حتى في الكوابيس).
عرض ومناقشة: محمد الخولي
