من الصعب في بعض الأحيان معرفة الحقيقة من الخيال عندما يتعلق الأمر بالأنباء الخاصة بالعراق. فأميركا تعيش «موسمها السخيف»، أشهر الصيف المفضية لانتخابات الكونغرس ووسائل الإعلام تنطلق بأقصى سرعتها لاستغلال أسبقيتها في ميدان الأخبار بالاستعاضة عن تقديم تقارير مسؤولة بتقديم فقرات مسلية بعناوين تشد الأنظار.
إذن، في الوقت الذي تقبل أميركا على الاحتفال بالذكرى ال230 لاستقلالها، فكرت في أن أكتب مقالاً حول الأساطير الثلاث الخاصة بالعراق لنراقب بعناية فيما «نناقش» القضايا المختلفة التي تتعلق بعامنا الثالث للحرب في ذلك البلد.
أسطورة السيادة، تخيل أن الرئيس الأميركي يسافر إلى روسيا، الصين، انجلترا، فرنسا أو إلى أي دولة على وجه الأرض، وتحط طائرته في مطار من المفترض أنه في دولة ذات سيادة، ويتم الانطلاق به تحت حماية عسكرية أميركية مكثفة إلى السفارة الأميركية، ومن ثم يلقي بياناً لمدة خمس دقائق، ويدعو أكبر مسؤول منتخب لذلك البلد إلى اجتماع في السفارة الأميركية.
هذا أمر محال بالطبع، إلا إذا كانت الدولة التي نحن بصددها هي العراق، حيث يستمر افتراض أن السيادة هي واقع قائم بينما هي في حقيقة الأمر خرافة كأي حكاية سطرها الأخوان جريم، وعلى الرغم من كل الحديث عن عراق حر، فإن الحقيقة تقول إن العراق يظل دولة محتلة حيث تتولى الولايات المتحدة (و«ائتلاف الدول الراغبة» الآخذة في التناقص دائماً) زمام الأمور فيه.
إن السياسة العسكرية العراقية يتم تشكيلها من قبل الولايات المتحدة. وحدود العراق تسيطر عليها الولايات المتحدة، كما أن الاقتصاد العراقي يقع تحت سيطرة الولايات المتحدة بصورة كبيرة. في الواقع، ليس هناك مؤشر كبير لسيادة فعلية في عراق اليوم بحيث يمكن القول بأنه متحرر من السيطرة الأميركية الساحقة.
وتستمر عمليات إطلاق النار على الوزراء العراقيين من قبل قوات الائتلاف، وتقف الشرطة العراقية عاجزة عن إجراء تحقيقات في النشاطات الإجرامية التي تمارسها القوات الأميركية (أو نظراؤها المرتزقة، الذين يطلق عليهم «المتعهدون العسكريون»).
وحقيقة هذه الأسطورة تقول إن الجدول الزمني لمغادرة القوات الأميركية العراق يجرى مناقشته (وتقريره) في واشنطن وليس في بغداد. بالطبع، وشأن كل ما يجري الآن في العراق، فإن التصويت الأخير سيجريه الشعب العراقي.
ولكن الأصوات سيتم الإدلاء بها بالرصاص وليس عبر صناديق الاقتراع، ولن تؤدي إلى مغادرة الأميركيين العراق فحسب بل إلى القضاء على أي حكومة عراقية تدفعها حماقتها إلى وضع نفسها في صف واحد مع دولة تنتهك القانون الدولي من خلال التخطيط لحرب عدوانية وغير شرعية وشنها، وتستمر في قيادة احتلال وحشي (وغير شرعي كذلك) بصورة متزايدة.
أسطورة الزرقاوي: لقد قلت طوال الوقت إن أرقام استطلاعات الرأي تظهر أن الأميركيين مناهضون للحرب بشكل ساحق كانت أرقاماً خادعة. فنسبة الأميركيين المناهضين للحرب عندما غزونا العراق لم تتعد 28% فقط.
وقد ارتفعت هذه الأرقام إلى أكثر من 60 % ليس لوجود صحوة ضمير اجتماعي وشعور بالمسؤولية، بل لأن الأمور لا تجري على ما يرام في العراق، والقلق يتفاقم في أميركا لأننا سنخسر الحرب في العراق على ما يبدو، ولا أحد يحب الخاسرين.
لذا عندما تم الإعلان عن مقتل أبو مصعب الزرقاوي من خلال تحرك عسكري أميركي، أصبح للرئيس فجأة «أسبوع ممتع» وأصبحت الأصوات لصالحه.
ورغم ذلك، فإنه لا يمكن إعادة كتابة الحقائق، حتى من قبل وسائل الإعلام الأميركية الرئيسية الخاضعة للإدارة الأميركية. ولم يكن الزرقاوي سوى لاعب غير خطير في العراق، شخصية أردنية من الدرجة الثالثة، استغلت أعماله إدارة بوش الحريصة على إثبات أن الحركة المسلحة في العراق أجنبية وترتبط بمرتكبي أحداث الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية.
ومنذ وفاة الزرقاوي، استمر العنف في التصاعد بشكل يصعب السيطرة عليه في العراق، واستمر مسلسل موت الأميركيين، وذبح العراقيين، ومازال الزرقاوي ومنظمته،خلفه والجميع لا علاقة لهم بالأمر كما كان الحال دائماً.
والحرب ضد الاحتلال الأميركي يخوضها العراقيون بصورة ساحقة. والحركة المسلحة يشتد ساعدها وتصبح أقوى يوماً بعد يوم. وهذا الأمر - بالطبع - واقع تعجز الإدارة الأميركية عن كشفه للشعب الأميركي في سنة انتخابية، مع قيام وسائل الإعلام- التي باعت روحها للشيطان وتغنت بفضائل غزو العراق في عامي 2002 و2003، بالاستمرار بالرقص مع الحزب الذي استدعاها لدعم الموقف الجمهوري الذي يقول إن الصراع في العراق ستكسبه أميركا لا محالة.
تقديرات معقولة، والمزيد من القتلى الأميركيين(والعراقيين، لكن من الذي يحصي أعدادهم؟) وحرب لن تنتهي إلى أن تنسل الولايات المتحدة خفية خارجة من العراق- تجر أذيال الفشل- وذيلها ملتف بين قدميها.
أسطورة أسلحة الدمار الشامل: بغض النظر عما يريد السناتور ريك سانتوروم وجماعة المحافظين الجدد الطائشة اعتقاده، فإنه لم يتم العثور على أي أسلحة دمار شامل في العراق. وبالإشارة إلى تقرير سري لوزارة الدفاع يزعم أن قرابة 500 قذيفة وجدتها القوات الأميركية في العراق منذ غزو العراق واحتلاله في مارس 2003، مضى سانتورام وأصدقاؤه في أجهزة الإعلام اليمينية يتحدثون بالهراء حول أن بوش كان على حق في هذا الشأن طوال الوقت، وانه كانت في العراق أسلحة دمار شامل في نهاية المطاف.
ولم يذكر أنه لم يكن هناك ما هو «سري» في هذه المعلومات، وأن تم ذكرها سابقاً ( من قبل إدارة بوش)، وأن القذائف المعنية قديمة وصنعت قبل 1991( وهو العام الذي شنت فيه الحرب الخليج الأولى، وبعد أن أعلنت حكومة صدام حسين عن عدم صنع أي أسلحة دمار شامل في العراق).
علاوة على ذلك فإن الطريقة التي «تم بها اكتشافها» بمحض الصدفة تدعم فقط طروحات الحكومة العراقية السابقة بأن الأسلحة الكيماوية تمت بعثرتها في ريف صحراوي في مناطق نائية عقب الهجمات التفجيرية الأميركية على مستودعات الذخائر خلال حرب الخليج الأولى.
وفي ضوء تفقدي شخصياً أعداداً كبيرة من هذه المستودعات، بإمكاني الجزم بدقة الطروحات العراقية السابقة، فضلاً عن سخف المزاعم التي يسوقها سانتروم والآخرون، الذين يواصلون الإعلان عن شأن المكاسب السياسية الشخصية باعتبارها تفوق دماء أكثر من 2500 أميركي لقوا حتفهم في العراق.
إن هذه الأساطير الثلاث، أسلحة الدمار الشامل، الزرقاوي والسيادة العراقية- هي الأمور التي ينبغي على أعضاء الكونغرس مناقشتها في قاعات سلطتهم، والتي ينبغي على وسائل الإعلام تناولها سواء في صفحاتها أو عبر الأثير، وهذا النقاش يجب أن يشكل أساس تحرك نحو محاسبة النفس، حيث يشير المواطنون الأميركيون بأصابع الاتهام إلى من انتخبوه ليقوم بتمثيلهم، والذي فشل في كل النواحي في كل ما يتعلق بالعراق.
ولكن مجدداً- ومن السخف التفكير على هذا النحو- فإنني اعتقدت بأن هناك جمهور ناخبين في أميركا يعرفون تمام المعرفة ويفهمون دستور الولايات المتحدة ويسعون إلى العيش كل دقيقة كمواطنين حقيقيين في ظل قيم أعلنت في تلك الوثيقة. لقد أهملت الأسطورة الرابعة، وهي الأسطورة القائلة إن المواطنين الأميركيين معنيون بالنقاش الوطني.
ترجمة: كوثر علي
عن «أولتر نت»
