مرضى الفشل الكلوي يموتون بسبب عدم توفر غسيل الكلى الروتيني، 165 ألف موظف في السلطة الفلسطينية لم يتقاضوا مرتباتهم منذ شهور عدة، نساء يبعن حليهن لتوفير الطعام والشراب..هذه «الكارثة الإنسانية» تحدث في الضفة الغربية وغزة وليس في دارفور.
كما أن التصعيد الإسرائيلي في غزة يتفاقم كل يوم وأكثر ما يصدم العرب والمسلمين هو أن هذا كله ناتج عن قرار سياسي متعمد اتخذته القوة العظمى الوحيدة في العالم. في البداية قالوا،أعطونا العراق، الذي أصبح على شفير هاوية الحرب الأهلية. والآن يريدون تجويع شعب بأكمله.
الترابط السيكولوجي والاستراتيجي بين العراق وفلسطين ليس بالأمر الجديد. لكن الفصل الأحدث والأكثر تكثيفاً في هذا الترابط بدأ مع غزو العراق ـ الذي رأى فيه المحافظون الجدد الموالون لإسرائيل في إدارة بوش أول خطوة كبيرة في خطتهم للمنطقة بأكملها والتي تقوم على «تغيير الأنظمة» و«الدمقرطة» وتكتمل بإيجاد تسوية عربية إسرائيلية. لا بل أن الباحثين الأكاديميين الأميركيين ميرشايمر ووالت، يجادلان في دراستهما، التي حملت عنوان «لوبي إسرائيل»، بأن غزو العراق ما كان ليحدث لولا إسرائيل والمناصرين لها داخل الولايات المتحدة.
لكن كان واضحاً وضوح الشمس على الدوام أنه كلما اقترب العرب والفلسطينيون أكثر من الديمقراطية الحقيقية، سواء بإلهام من الولايات المتحدة ام بتأثير عناصر أخرى تصادمت رؤيتهم للتسوية أكثر مع الرؤية الأميركية الإسرائيلية. ولقد تجلت هذه النقطة بسرعة في أعقاب تولي حماس السلطة، عندما أعلن الرئيس بوش:« نحن ندعم الديمقراطية، لكن هذا لا يعني أن ندعم الحكومات المنتخبة كنتيجة للديمقراطية.» وبعد ذلك، شرعت إدارته في هندسة عملية« تغيير نظام» مضادة.
ووجدت هذه الاستراتيجية من يتواطأ معها بشكل أو بآخر ـ بين الأوروبيين والحكومات العربية والفلسطينيين أنفسهم. لكنها استراتيجية ستبقى دائماً محفوفة بالمخاطر؛ وكلما تم السعي وراءها بقوة أكبر في وجه المعارضة التي تواجهها، زادت احتمالات أن تجعل من فلسطين بوتقة متاعب لشعبها وللمنطقة والعالم- شبيهة جداً بالأتون الذي أوجده التدخل العسكري شبه الاستعماري الآخر في العراق.
وكانت الفكرة هي إجبار الفلسطينيين، من خلال العقاب الجماعي، على أن التبرؤ من الأشخاص أنفسهم الذين انتخبوهم منذ فترة قصيرة. ويلقي البعض باللوم على حماس، لكن معظمهم يلقي اللوم أكثر بكثير على أميركا. وفي النهاية لم تفعل العقوبات الاقتصادية شيئاً سوى عكس النتائج المرجوة منها، حيث شجعت الناس على الالتفاف حول الحكومة الجديدة. والآن ليس من السهل على حماس بكل شعبيتها فضلاً عن شرعيتها الانتخابية أن تتخلى عن السلطة ـ «ليس بدون حرب»، كما يقول إياد سراح، وهو أخصائي نفسي فلسطيني في غزة.
وحتى لو نجحت الولايات المتحدة في إسقاط حماس، فمن شأن ذلك، كما حدث عند الإطاحة بصدام، أن يكون نجاحاً كارثياً. حيث سيغرق فلسطين أيضاً في دوامة من الفوضى والصراعات الداخلية التي تشكل نقيض النظام الشرق أوسطي العصري الديمقراطي الذي تحاول الولايات المتحدة بناءه.
وبات واضحاً، بعد اقتراح الرئيس محمود عباس إجراء استفتاء على طبيعة السلام النهائي رافعاً بذلك حجم المخاطر السياسية، وبعد المناوشات في غزة التي زادت من حجم المخاطر العسكرية- بات واضحاً ان احتمال نشوب حرب بين فتح وحماس أصبح وارداً.
وليس من الواضح ما إذا كان بمقدور «الطرف» الموالي لأميركا أن ينتصر. إذ يقول الجنرال إيان باز، الرئيس السابق للإدارة الإسرائيلية المدنية في الأراضي الفلسطينية: «إذا كانت فتح لم تستطع محاربة حماس عندما كانت لا تزال في السلطة، فكيف لها أن تسيطر على الأمور الآن وقد أصبحت حماس في السلطة وفتح نفسها مفككة؟».
وعلاوة على ذلك فإن من شأن الفوضى في الأراضي الفلسطينية أن تفتح الطريق للمقاتلين والمسلمين والمفجرين الانتحاريين من بقية العالم، كما فعلت في العراق. ولقد كانت إيران، أسرع من أي بلد آخر في تقديم المال لنظام حماس الجديد. وتحتل فلسطين الآن طليعة أولويات السياسة الخارجية لإيران، باعتبارها جزءاً جوهرياً من الطموحات الإيرانية الاستراتيجية والنووية الأوسع.
يقول عباس أن حزب الله والقاعدة ناشطان الآن في غزة، وهو ما اعتبره البعض تفسيراً لوجود صواريخ كاتيوشا بعيدة المدى التي أطلقت على جنوب إسرائيل من غزة.
وإذا أرغمت حماس على ترك الحكم، فسوف تعود للعمل السري مجدداً وتستأنف بعنف المقاومة التي علقتها مؤقتا.
وبالنسبة للعرب فلن يكونوا أقل تأثراً بما قد يجري في فلسطين من تأثرهم الآن بما يجري في العراق. ولا تدري الأنظمة العربية ما الذي يتعين أن تخشاه أكثر من الآخر: نموذج وصول حماس إلى الحكم بصورة ديمقراطية، أم نموذج الإطاحة بها بصورة غير ديمقراطية. فمن شأن الأول أن يشجع صعود الإسلاميين في بلدانهم.
لكن الحرب الأهلية التي قد تنجم عن النموذج الثاني من شأنها أن تستثير انفعالات أكثر خطورة بينهم. وبصورة عامة، تملك حماس الرأي العام العربي، خاصة الإسلامي، إلى جانبها، وكلما أذعنت الأنظمة العربية أكثر للولايات المتحدة في حملتها ضد حماس، فقدت المزيد من مصداقيتها أمام شعوبها.
ويرى الكاتب الصحافي اللبناني رامي خوري ان القضية الفلسطينية ربما تتحول من قضية «وطنية» إلى قضية «حضارية» بارتباطات « قد تكون خطيرة بين الأحداث في إسرائيل- فلسطين وبقية الشرق الأوسط».
و يضيف « سيشعر مئات آلاف الشبان بالخديعة والخذلان. وسينضب تدريجياً معين التأييد لخيار الانخراط الديمقراطي على طريقة حماس والإخوان المسلمين، لصالح خيار الكفاح المسلح. وسوف يكف هؤلاء عن إضاعة الوقت في محاولة تقويم المظالم عن طريق السياسات الديمقراطية السلمية أو الدبلوماسية... إن إسقاط الحكومة الفلسطينية التي تقودها حماس سيجلب المزيد من التطرف والمقاومة والإرهاب إلى أنحاء المنطقة».
وحتى وزير المالية الفلسطيني المدرك تماماً لأبعاد هذا الخطر حذر من أن:«المنطقة بأسرها ستطالها النيران إذا دفع الشعب الفلسطيني إلى وضع لم يعد لديه فيه شيء يخسره».
وفجأة بدا أخيراً أن إدارة بوش أدركت شيئاً عن المخاطر التي تجلبها إلى نفسها. وحالة الحرمان الخطيرة التي خططت لها الولايات المتحدة في غزة كانت خطيرة وشنيعة إلى درجة يتعذر تجاهلها. ولذلك ففي اجتماع اللجنة الرباعية( الاتحاد الاوروبي، الولايات المتحدة، الأمم المتحدة، وروسيا) قدمت أميركا 10 ملايين دولار على شكل مساعدات طبية.
وكانت هذه الهبة هزيلة وشحيحة، لكنها دلت على أن واشنطن، كما يبدو، تخلت عن آمالها بإحداث «تغيير نظام» فوري عبر الدمار الاقتصادي. حتى جديعون ليفي، وهو معلق إسرائيلي مناصر للفلسطينيين ذهب إلى حد القول إن «حماس تنتصر».
ليس تماما. لأن الحالة الوحيدة التي يمكن فيها القول بأن حماس تنتصر. هي إذا بدأت الولايات المتحدة في استنتاج الخلاصات الصحيحة من هذه النتيجة غير المرحب بها للدمقرطة العربية- وأهم هذه الخلاصات أنه لولا السياسات الأميركية، لما كسبت حماس الانتخابات البتّة.
لكن ذلك سيتطلب تغيراً أساسياً ثورياً في الجوهر. وبرأي ميرشايمر و والت فإن الارتباط الأميركي الاستثنائي بإسرائيل ـ ذلك العبء الأخلاقي الاستراتيجي ـ يجعل من المستحيل حدوث مثل هذا التغير في أي وقت قريب.
ولذلك فإن الخوف الآن هو من أنه، قبل حدوث هذا بفترة طويلة، ستفرض « الارتباطات الخطرة» للشرق الأوسط نفسها بقوة وبشكل أخطر من ذي قبل، وستندمج الأزمتان المستمرتان- العراق وفلسطين- واللتان ساهم الالتصاق الأميركي الإسرائيلي كثيراً في إحداثهما أصلاً، وستنصهران في أزمة مهولة واحدة وتنصهر معهما أزمة ثالثة، عندما تشن الولايات المتحدة الحرب على إيران، نيابة عن محميتها في الشرق الأوسط.
ترجمة: علي محمد
عن « غارديان»
بقلم: ديفيد هيرست
