يعد هذا الجزء من الكتاب أحد أبرز عناصر القوة فيه، فهو خاتمة أعدها لهذا الغرض خصيصاً هوارد زين، الذي نسج الكتاب على غرار كتابه الشهير الصادر في ربيع 1967 بعنوان «فيتنام.. منطق الانسحاب».

وفي هذه الخاتمة يناقش زين مفهوم الاستثنائية الأميركية، لافتاً النظر إلى خطورة هذا المفهوم وكونه يشكل صميم محاولات لفرض الهيمنة الأميركية، ويؤكد أن الأبطال الحقيقيين في التاريخ الأميركي هم الذين رفضوا الموافقة على أن لأميركا الحق في استخدام قوتها ضد بقية العالم. إن فكرة الاستثنائية الأميركية ليست جديدة، فقد بدأت في عام 1630 في مستعمرة خليج ماساشوستس عندما أطلق الحاكم جون ونثروب الكلمات التي أخذ رونالد ريغان يستشهد بها بعد قرون، فقد وصف ونثروب مستعمرة خليج ماساشوستس «بمدينة على تلة». بينما أضاف ريغان قليلاً واصفاً إياها «بمدينة مشرقة على تلة». إن فكرة مدينة على تلّة عبارة تثلج الصدر، فهي توحي بما تحدث عنه جورج دبليو بوش: أن الولايات المتحدة منارة الحرية والديمقراطية، يمكن للناس أن ينظروا إلينا ويتعلموا منا ويقلدونا.

وفي الواقع فإننا لم نكن قط مدينة على تلة فبعد بضع سنوات من إطلاق الحاكم ونثروب لكلماته المشهورة تحرك أبناء المدينة لذبح الهنود الأصليين ، وفيما يلي وصف لوليم برادفورد، وهو مستوطن سابق، لهجوم الكابتن جون ماسون على قرية للهنود: «إن الذين نجوا من النار قد ذبحوا بالسيف، وبعضهم قطعوا إرباً، وآخرون ركضوا بسيوفهم ليصبحوا رسلاً يرددون ما حدث، وقلة قليلة هربت. وقد تم تصؤّر أنهم دمروا حوالي 400، في هذا الوقت. كان منظراً مخيفاً أن تراهم والنار تشوي أجسادهم، والدم يتدفق أنهاراً، وكانت الرائحة النتنة مرعبة، وصلوا للربّ الذي ألحق بهم غضبه وكلفهم بقتل أعدائهم، وحقق لهم نصراً سريعاً على عدو كان يتباهى بنفسه ويهين غيره». إن نوع المجزرة التي وصفها برادفورد تكرر مرة بعد أخرى، عندما امتدت المستعمرات غرباً إلى الباسفيك وجنوباً إلى خليج المكسيك وفي الحقيقة فإن حرب التحرير التي نحتفل بها ـ الثورة الأميركية ـ كانت كارثية للهنود، فقد فشل الاستعماريون في تطويق الأرض الهندية من قبل البريطانيين، والحدود التي أقيمت في إعلان عام 1763، فالاستقلال الأميركي مسح تلك الحدود.

كان التوسع في أراض أخرى، واحتلال تلك الأراضي والتعامل بقسوة مع الناس الذين يقاومون ذلك الاحتلال، حقيقة مستمرة، في التاريخ الأميركي من المستوطنين الأوائل إلى اليوم الحالي. وهذا التوسع كان يرافقه شكل معين من الاستثنائية الأميركية:

«إن التوسع الأميركي أمر إلهي. ففي عشية الحرب مع المكسيك في منتصف القرن التاسع عشر بعد أن ضمت الولايات المتحدة تكساس، اخترع المحرر والكاتب جون أوسوليفان العبارة المشهورة «القدر الجليّ»، وقال إن قدرنا الجليّ هو الانتشار في القارة التي وهبها الرب لنا للتطوير الحرّ لملاييننا الذين يتزايدون سنوياً».

ظل زجّ إرادة الربّ في التوسع الأميركي مستمراً، ففي بداية القرن العشرين، عندما غزت الولايات المتحدة الفلبين، قال الرئيس ماكنلي ان القرار بوضع اليد على الفلبين جاء ذات ليلة عندما جثا على ركبتيه وصلّى للرب فرد عليه الرب بأن يأخذ البلد».

كان اللجوء إلى الله عادة للرؤساء طوال التاريخ الأميركي. لكن جورج بوش كانت له خاصية إزاء ذلك فمن أجل مقالة نشرت مؤخراً في الصحيفة الإسرائيلية هآرتس، تحدث المراسل مع قادة فلسطينيين كانوا قد اجتمعوا مع بوش وقد ذكر أحدهم أن بوش أخبره: «طلب مني الله أن أضرب القاعدة، فضربتها، ثم أمرني بضرب صدام حسين وقد ضربته وأنا الآن مصمّم على حل مشكلة الشرق الأوسط».

من الصعب أن نعرف فيما إذا كان هذا الكلام صحيحاً، ولا سيّما أنه حرفيّ جداً لكن من المؤكد أنه يتفق مع مزاعم بوش التي يطلقها كثيراً.

إن الأمر الإلهي فكرة بالغة الخطورة، لا سيما حين تقترن بالقوة العسكرية، فأنت بموافقة الله لا تحتاج إلى أي معيار إنساني للأخلاق، فأي شخص يدّعي الآن تأييد الله له، قد يتضايق إذا تذكر أن عبارة «غوت مت أونس»، أي «الله معنا»، كانت على أحزمة الجنود النازيين.

عندما تؤكد لنا حكومة الولايات المتحدة ـ وهي دولة تملك عشرة آلاف رأس نووي وقواعد عسكرية في مئة دولة مختلفة وسفناً حربية في كل بحر ـ أنها تحصل على القوة من الله، فإن العالم في خطر.

القرن الأميركي

ليس كل زعيم أميركي ادّعى الأمر الإلهي، لكن الفكرة تظل بأن الولايات المتحدة كان لديها مبرر فريد لاستخدام قوتها للتوسع في كل أنحاء العالم، ففي عام 1945، عند نهاية الحرب العالمية الثانية، أعلن هنري لوس، صاحب سلسلة شاسعة من المشاريع الإعلامية ـ التايم، لايف، فورتشن ـ أن هذا القرن سيكون «القرن الأميركي» وأن الانتصار في الحرب أعطى للولايات المتحدة الحق في ممارسة التأثير الكامل لنفوذنا على العالم حسب الأهداف التي نراها ملائمة والوسائل التي تناسبنا».

لقد تم تنفيذ هذه النبوءة الواثقة في السنوات المتبقية من القرن العشرين فبعد الحرب العالمية الثانية مباشرة تقريباً، توغلت الولايات المتحدة في المناطق النفطية في الشرق الأوسط بترتيبات خاصة مع دول عربية وأقامت قواعد عسكرية في اليابان وكوريا والفلبين وعدد من جزر المحيط الهادي.

وفي العقود التالية، رتبت انقلابات يمينية في إيران وغواتيمالا وتشيلي وقدمت مساعدات عسكرية لعدة ديكتاتوريات في منطقة الكاريبي، ثم أقامت على الفور قواعد عسكرية في كل أرجاء العالم، وفي محاولة لإقامة موطئ قدم في جنوب شرق آسيا، غزت فيتنام وقصفت لاوس وكمبوديا.

إن وجود الاتحاد السوفييتي، حتى مع امتلاكه للأسلحة النووية، لم يحل دون هذا التوسع، وفي الحقيقة فإن التهديد المبالغ فيه من «الشيوعية العالمية» أعطى للولايات المتحدة مبرّراً قوياً للتوسع في كل أنحاء المعمورة، فكانت لها على الفور قواعد عسكرية في مئة دولة، وكان يفترض أن الولايات المتحدة هي وحدها التي كانت تقف في طريق الاحتلال السوفييتي للعالم.

هل يمكن لنا أن نصدّق أن وجود الاتحاد السوفييتي هو الذي أدى إلى العسكرة العدوانية للولايات المتحدة؟ فإذا كانت الحال كذلك، كيف نفسر كل ذلك التوسع العنيف قبل عام 1917؟ فقبل الثورة البلشفية بمئة سنة، كانت الجيوش الأميركية تبيد القبائل الهندية، تنظف الامتداد الكبير للغرب في مثال مبكر لما نسميه الآن «بالتطهير العرقي» وبعد احتلال القارة، بدأت أميركا تنظر إلى خارج البلاد.

ففي عشية القرن العشرين، عندما كانت الجيوش الأميركية تدخل كوبا والفلبين، لم تكن الاستثنائية الأميركية شاملة دائماً، فقد كانت أميركا ترغب، بل تتلهف في الحقيقة، للانضمام إلى المجموعة الصغيرة من القوى الامبريالية الغربية.

والتي كانت ستخسر ذات يوم، فقد كتب السيناتور هنري كابوت لوج في ذلك الوقت: «إن الدولة الكبيرة تستوعب بسرعة، لتوسعها المستقبلي ودفاعها الحالي كل الأماكن المقفرة في العالم .. وكواحدة من الدول الكبيرة في العالم، فإن على الولايات المتحدة ألا تتوقف عن التوسع».

لم يتم التعبير عن الاستثنائية الأميركية بوضوح أكثر من تعبير وزير الحرب اليهو روث، الذي أعلن في عام 1899: «أن الجندي الأميركي يختلف عن جميع الجنود الآخرين في الدول الأخرى منذ بداية العالم، فهو الحارس المتقدم للحرية والعدالة، والقانون والنظام والسلام والسعادة».

وفي الوقت الذي كان يقول فيه هذا الكلام كان الجنود الأميركيون في الفلبين قد بدأوا سفك الدماء وقتلوا 600 ألف فلبيني.

إنها فكرة أن أميركا مختلفة لأن عملياتها العسكرية هي لمصلحة الآخرين، أخذت تصبح مقنعة بشكل خاص حين تطرح من قبل قادة يفترض أنهم ليبراليون وتقدميون، ومثال ذلك أن وودرو ويلسون، وهو دائم في مرتبة عالية على قائمة الرؤساء الليبراليين وقد وصفه الباحثون والثقافة الشعبية بأنه «قتالي»، كان قاسياً جداً في استخدام القوة العسكرية ضد الدول الأضعف.

فقد أرسل سلاح البحرية لقصف واحتلال ميناء فيراكروز المكسيكي في عام 1914، لأن المكسيكيين كانوا قد اعتقلوا بعض البحارة الأميركيين، وأرسل جنود المارينز إلى هاييتي في عام 1915، وعندما قاوم الهاييتيون قتل منهم الآلاف.

وفي السنوات اللاحقة احتل جنود المارينز الأميركيون جمهورية الدومينيكان واستمر احتلال هاييتي وجمهورية الدومينيكان سنوات كثيرة، وقام ويلسون، الذي أعيد انتخابه عام 1916 وهو يقول، «ليس هنالك أي شيء سليم لإقناع الآخرين بالقوة بأنه سليم»، قام بإرسال الجنود الأميركيين الشبان إلى المذبحة في الحرب الأوروبية.

وكان ثيودور روزفلت يعتبر رئيساً تقدمياً وفي الحقيقة فإنه خاض الانتخابات بورقة الحزب التقدمي في عام 1912، لكنه كان محبّاً للحرب ومؤيداً لاحتلال الفلبين.

وقام في الواقع بتهنئة الجنرال الذي مسح قرية فلبينية بسكانها الذين بلغ عددهم 600 شخص في عام 1906، وقد دمج مبدأ روزفلت عام 1904 بمبدأ مونرو الذي برّر احتلال الدول الصغيرة في منطقة الكاريبي على أن ذلك الاحتلال كان لتحقيق «الاستقرار» فيها.

وفي الحرب الباردة، أصبح كثير من الليبراليين الأميركيين عالقين في نوع من الهستيريا حول التهديد السوفييتي، والذي كان حقيقياً بشكل مؤكد في أوروبا الشرقية، لكنه بولغ فيه كتهديد لأوروبا الغربية أو الولايات المتحدة وخلال فترة المكارثية، اقترح شبه الليبرالي في مجلس الشيوخ، هوبرت همفري معسكرات الاعتقال للمخربين المشتبه فيهم والذين كان يمكن حجزهم دون محاكمة في «حالة الطوارئ الوطنية».

وبعد تفكك الاتحاد السوفييتي، ونهاية الحرب الباردة، حلّ الإرهاب محل الشيوعية، كمبرّر للتوسع، وكان الإرهاب حقيقياً لكن تهديده قد تم تضخيمه إلى درجة الهيستيريا، ليسمح بعمل عسكري مفرط في الخارج وبتقييد الحريات المدنية في الداخل.

دفعة جديدة

استمرت فكرة الاستثنائية الأميركية بعد أن أعلن الرئيس بوش الأول، في أعقاب تكهن هنري لوس ان أميركا على وشك أن تبدأ «قرناً أميركياً جديداً».

ومع أن الاتحاد السوفييتي انتهى، فإن سياسة التدخل العسكري في الخارج لم تنته، فقد غزا بوش الأب بنما ثم ذهب إلى الحرب ضد العراق.

إن الهجمات المخيفة للحادي عشر من سبتمبر أعطت قوة دفع جديدة للفكرة القائلة ان الولايات المتحدة مسؤولة وحدها عن أمن العالم، تدافع عنا ضد الإرهاب مثلما فعلت ذات يوم ضد الشيوعية، وحمل الرئيس جورج دبليو بوش فكرة الاستثنائية الأميركية إلى أقصى حدودها حين طرح، في استراتيجيته الأمنية الوطنية، مبادئ الحرب الاستباقية ونفذها أحادياً، بتفوق عسكري أميركي لا يضاهى.

وكان هذا تنكّراً لميثاق الأمم المتحدة الذي يستند إلى فكرة أن الأمن قضية جماعية وأن الحرب غير مبرّرة إلا دفاعاً عن النفس، وقد نشير إلى أن مبدأ بوش ينتهك أيضاً المبادئ التي وضعت في نورمبرغ، حين أدين القادة النازيون وشنقوا بسبب حرب عدوانية، حرب استباقية، بعيداً عن الدفاع عن النفس.

إن استراتيجية الأمن القومي لبوش، وتصريحها الجريء، بأن الولايات المتحدة مسؤولة وحدها عن السلام والديمقراطية في العالم - وهذا إعلان صارخ بالاستثنائية الأميركية - كانت تشكل صدمة للكثيرين، لكنها ليست في الحقيقة خروجاً مثيراً على الممارسة التاريخية للولايات المتحدة، التي كانت ومنذ زمن طويل تتصرف كمعتدية، تقصف وتغزو الدول الأخرى (فيتنام وكمبوديا ولاوس وغرينادا وبنما والعراق) مصرّة على الإبقاء على التفوق النووي وغير النووي، فالحرب الاستباقية والتصرف الأحادي ميزتان مألوفتان للسياسة الخارجية الأميركية.

كانت عمليات القصف والغزو تغلّف في بعض الأحيان على أنها عمل وطني بإشراك الأمم المتحدة، كما في كوريا، أو حلف الأطلسي، كما في صربيا، لكن حروبنا في الأساس كانت مشاريع أميركية، فقد كانت وزيرة خارجية بيل كلينتون، مادلين أولبرايت هي التي قالت ذات يوم ن الولايات المتحدة «سوف تتصرف - مع آخرين، بشكل متعدد الجنسية حين تقدر، وأحادياً حين يكون علينا ذلك».

وبترديد هذا الموقف، قال هنري كيسنجر، بوقاره المعتاد: «انه ليس من المصلحة القومية الأميركية أن نرسي العملية الاستباقية كمبدأ عالمي متاح لكل دولة». ولم تكن الاستباقية في أي وقت من الأوقات أوضح مما هي الآن.

يتقبل بعض الليبراليين في هذه البلاد، الذين يعارضون بوش، هذا المبدأ في الشؤون الخارجية، ومن الواضح أن الحادي عشر من سبتمبر كان ذا تأثير نفسي قوي على كل شخص في أميركا، وبالنسبة لمثقفين ليبراليين معينين، أدى نوع من ردة الفعل الهستيرية إزاء الحادي عشر من سبتمبر إلى تشويه قدرتهم على التفكير بوضوح حول دور بلدنا في العالم.

وفي عدد صدر مؤخراً من المجلة الليبرالية أميركان بروسبكت، كتب المحررون: «إن أول متطلب أساسي لدفاع أميركا وسياستها الخارجية هو حماية أمننا، ويشكل الإرهابيون المتشددون ذوو الامتداد العالمي أكبر تهديد مباشر لحياتنا وحريتنا .. وعند مواجهة تهديد كبير فوري وثابت فإن الولايات المتحدة تملك الحق والواجب لتوجيه ضربة استباقية، وأحادية عند الحاجة، ضد الإرهابيين أو الدول التي تدعمهم».

«ضربة استباقية، وأحادية إن لزم»، هذا هو مبدأ بوش، فالكتّاب يحدّدون ما كان يمكن شيئاً محرجاً بوضوح بوضع الكلمات: «مواجهة تهديد كبير وفوري وثابت»، لكن الذين يقررون فيما إذا كان التهديد، في الواقع، كبيراً وفورياً وثابتاً لن يكونوا المثقفين الليبراليين الذين صاغوا هذا الكلام بل الناس الذين يديرون حكومة الولايات المتحدة.

التاريخ الدبلوماسي

يبدو أن فكرة الاستثنائية الأميركية - بأن الولايات المتحدة وحدها التي تملك الحق، سواء بتكليف الهي أو كواجب أخلاقي، لتحقيق الحضارة أو الديمقراطية أو الحرية في سائر دول العالم بالعنف عند الضرورة - تجد قبولاً لدى جميع أطراف الطيف السياسي.

والفكرة لا تقارع لأن تاريخ التوسع الأميركي في العالم ليس تاريخاً يتم تعليمه كثيراً في نظامنا التربوي، فجامعاتنا لديها تخصصات في شيء يسمى «التاريخ الدبلوماسي» والغرب يعامل فيه تاريخ سياستنا الخارجية بدبلوماسية.

قبل سنتين، خاطب بوش الكونغرس الفلبيني قائلاً: «إن أميركا تعتز بدورها في القصة العظيمة للشعب الفلبيني فقد قام جنودنا معاً بتحرير الفلبين من الحكم الاستعماري».

وبدا أن الرئيس لم يتعلم أبداً قصة الاحتلال الدموي للفلبين. وفي العام الماضي، عندما قال السفير المكسيكي أمام الأمم المتحدة شيئاً غير دبلوماسي حول كيف كانت الولايات المتحدة تعامل المكسيك «كباحة خلفية لها، تلقى توبيخاً فورياً من كولن باول الذي نفى الاتهام وقال: «إن لدينا تاريخاً طويلاً حافلاً بالعمل معاً» (ألم يتعلم باول من الحرب المكسيكية أو الحملات العسكرية على المكسيك؟) وقد نقل السفير على الفور من منصبه.

يبدو أن الصحف الرئيسية والبرامج الإخبارية التلفزيونية والبرامج الحوارية الإذاعية لا تعرف التاريخ أو تفضل أن تنسى تاريخنا، فقد كان هنالك مديح متدفق لخطاب تنصيب بوش للولاية الثانية من قبل الصحافة بما فيها التي توصف بالصحافة الليبرالية (واشنطن بوست، نيويورك تايمز).

فقد تبنى كتاب الافتتاحيات، بلهفة، الكلمات التي رددها بوش حول «نشر الحرية» في العالم، كما لو كان هؤلاء الكتاب يجهلون تاريخ مثل هذه الإدعاءات وكما لو كانت الأخبار من العراق خلال السنتين الماضيتين التي توحي بعكس ذلك، أخباراً بلا معنى.

قبل يومين فقط من ترديد بوش لتلك الكلمات حول نشر الحرية في العالم، نشرت نيويورك تايمز صورة لبنت عراقية جاثية على الأرض وهي تنزف دماً، وكانت تصرخ، وكان والداها، وهما ينقلانها بسيارتهما إلى مكان ما، قد قتلا على يد جنود أميركيين متوترين.

إن احدى عواقب الاستثنائية الأميركية تتمثل في أن الحكومة الأميركية تعتبر نفسها مستثناة من المعايير القانونية والأخلاقية التي تقبلها الدول الأخرى في العالم، وهنالك قائمة طويلة من مثل هذه الأحداث: رفض التوقيع على بروتوكول كيوتو الذي ينظم تلوث البيئة، رفض تعزيز الاتفاقية حول الأسلحة البيولوجية وقد أحجمت الولايات المتحدة عن الانضمام إلى مئة دولة أو أكثر، والتي وافقت على حظر الألغام الأرضية.

رغم الإحصائيات المخيفة عن تقطيع أوصال الأطفال على يد تلك الألغام وهي ترفض حظر استخدام قنابل النابالم والقنابل العنقودية، وتصر على أنها يجب ألا تكون خاضعة مثل الدول الأخرى للسلطة القضائية لمحكمة الجنايات الدولية.

ما هو الرد؟

ما هو الردّ على إصرار الاستثنائية الأميركية؟ إن من لا يوافق منا على هذا الأمر، في الولايات المتحدة وفي العالم يجب أن يعلن بقوة أنه يتوجب التقيد بالمعايير الأخلاقية فيما يتعلق بالسلام وحقوق الإنسان، ويجب أن ينظر إلى جميع أطفال العالم كجزء من عائلة واحدة، ويجب إدراك أن أطفال العراق والصين وأفريقيا، وأطفال كل مكان في العالم يملكون الحق في الحياة مثل الأطفال في الولايات المتحدة.

هنالك مبادئ أخلاقية أساسية، وإذا لم تتمسك بها حكومتنا فإن على المواطنين أن يفعلوا ذلك، ففي أوقات معينة في التاريخ الحديث قامت القوى الإمبريالية - البريطانيون في الهند وشرق آسيا، البلجيكيون في الكونغو، الفرنسيون في الجزائر، الفرنسيون في جنوب شرق آسيا، البرتغاليون في أنغولا ـ بالتخلي على مضض عن ممتلكاتها وابتلعت كبرياءها حين اضطرت إلى الرحيل نتيجة المقاومة الشديدة.

ومن حسن الحظ أن هنالك أناساً في كل أنحاء العالم يعتقدون أن البشر في كل مكان يستحقون نفس الحقوق في الحياة والحرية، ففي 15 فبراير 2003، وعشية غزو العراق، تظاهر ضد الحرب ما بين عشرة ملايين وخمسة عشر مليوناً في أكثر من ستين دولة في العالم.

وهنالك رفض متزايد لقبول الهيمنة الأميركية وفكرة الاستثنائية الأميركية، ومن وقت قريب، عندما أصدرت وزارة الخارجية تقريرها السنوي الذي يظهر الدول المذنبة بالتعذيب والانتهاكات الأخرى لحقوق الإنسان، كانت هنالك استجابات ساخطة من كل أنحاء العالم تعلق على غياب الولايات المتحدة من تلك القائمة. وقد قالت صحيفة تركية «لا يوجد ذكر للأحداث في سجن أبوغريب في العراق، وبالطبع لا يوجد أي ذكر لغوانتانامو أيضاً».

وذكرت صحيفة في سيدني، استراليا، أن الولايات المتحدة ترسل المشتبه فيهم - الذين لم تتم محاكمتهم أو لم يتم كشف ذنبهم في أي شيء - إلى سجون في المغرب ومصر وليبيا وأوزبكستان، وهي دول تقول وزارة الخارجية نفسها: انها تستخدم التعذيب.

وهنا في الولايات المتحدة، رغم إحجام وسائل الإعلام عن التحدث عن التقرير، فإن هنالك مقاومة متزايدة للحرب في العراق، فاستطلاعات الرأي العام تظهر أن نصف المواطنين على الأقل لم يعودوا يؤمنون بهذه الحرب، وربما كان الأهم من ذلك أن هنالك بين القوات المسلحة وعائلات من هم في القوات المسلحة معارضة أكثر للحرب.

لقد كتب ألبرت أينشتاين بعد أهوال الحرب العالمية الأولى: «لن ينهي أي شيء الحرب إلا إذا رفض الناس أنفسهم أن يحاربوا».

ونحن اليوم نرى رفض الجنود للقتال، رفض العائلات لإرسال أحبائهم إلى الحرب، وإصرار آباء طلاب المدارس العليا على أن يبقى ضباط التجنيد بعيدين عن مدارسهم.

وهذه الأحداث، والتي تحدث بشكل متكرر جداً قد تؤدي في النهاية، كما حدث بالنسبة لفيتنام أن تجعل من المستحيل على الحكومة أن تواصل الحرب، وأنها ستصل إلى نهاية.

إن الأبطال الحقيقيين في تاريخنا هم أولئك الذين رفضوا الموافقة على أننا نملك حقاً خاصاً في الأخلاق، وحقاً في استخدام قوتنا ضد بقية العالم. وأنا أفكر في وليم لويد غاريسون، الإلغائي، فقد كتب في رأس صحيفته المناهضة للعبودية، وهي صحيفة ليبريتور، هذه الكلمات: «إن بلدنا هو العالم، وأبناء بلدنا هم الجنس البشري».

ترجمة: محمود برهوم ورغدة عزيزية