استيقظ الشعب اللبناني أخيرا على سماع ذلك النوع من الأخبار الذي ظنوا أنه أضحى جزءاً من الماضي ولن يعود ثانية. فقد تم قصف مطارهم الجديد الذي كان تتويجا لجهود إعمار فترة ما بعد الحرب، حيث دمرته الطائرات الحربية الإسرائيلية بجانب عدد من مشروعات البنية التحتية، ما أحدث دمار ماديا وبشريا فاق ما حدث في غزة.
وبالنسبة للبعض فإن ما حدث يعيد إلى الأذهان بشكل حتمي يوما كئيبا من أيام شتاء عام 1968 عندما هبطت على حين غرة، مجموعة من رجال الكوماندوز الإسرائيليين من طائرة مروحية على المطار القديم ببيروت وفجروا 13 طائرة ركاب، كانت تشكل كل قوام أسطول شركة الطيران الوطنية اللبنانية تقريبا وقتها.
وكانت ذريعة الإسرائيليين كالتالي: أحد الفلسطينيين اللذين قتلا إسرائيليا في مطار أثينا ينتمي إلى أحد مخيمات اللاجئين في لبنان، ذلك البلد الذي كان يُعد وقتها بلدا مسالما بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
وكان من الصعوبة بمكان أن يُخمن اللبنانيون وقتها مغزى هذا الرد الانتقامي الذي كان أكبر بكثير مما يفترض أن يكون عليه رد فعل الإسرائيليين على ما حدث. ولكن ما حدث وقتها كان بمثابة إنذار مبكر للغاية لكابوس طويل سيعقب ما وقع من أحداث، وهو ما تمثل في الصراع المسلح مع إسرائيل والذي في النهاية تشابكت أطرافه وتعقدت خيوطه مع حرب أهلية وحشية ساهم ذلك الصراع في إضرام نيرانها بشكل كبير.
ثمة شيء آخر مشابه يُنذر بشر وينطوي على عواقب محتملة يتعلق بما قام به الإسرائيليون في لبنان أخيرا. فمنذ أن أنهى الإسرائيليون احتلالهم للجنوب اللبناني في عام 2000، فإن هذا البلد الضعيف الصغير يستمتع تقريبا بفترة راحة من حالة القلق والغليان التي تسيطر على المنطقة، وهي الحالة التي يقع هذا البلد بحكم العادة وبشكل سهل ضحية لها.
ولكن ما بين عشية وضحاها رجع لبنان إلى الدور الذي تحمّله طوال ما يزيد على ربع قرن من الزمن، وهو الدور المتمثل في أن يتحول إلى ساحة لحروب الآخرين وإلى مجرد بيدق تحقق من خلاله طموحات أطراف إقليمية أكثر قوة منه بكثير.
الفارق الوحيد هو أن أطراف اللعبة قد تغيرت. بعد عام 1968 كان الأمر متعلقاً بحركة المقاومة الفلسطينية التي كان لبنان يمثل لها مركز قوتها الرئيسي، حيث كانت تلك الحركة غريم إسرائيل في لبنان. أما الآن فإن الأمر متعلق بحزب الله. إن حزب الله لبناني ويحمل جميع مقومات الهوية اللبنانية.
فلديه وزراء وأعضاء في البرلمان اللبناني. ولهذا السبب فإن إسرائيل يُمكنها أن تلقي باللوم على الحكومة اللبنانية فيما يتعلق باختطاف الجنديين الإٍسرائيليين ويكون لديها منطق فيما تدعيه. غير أن إلقاء اللوم على لبنان هو أمر بلا أي جدوى تماما كإلقاء اللوم على الرئيس الفلسطيني محمود عباس في واقعة اختطاف جندي إسرائيلي في غزة.
وإذا كان الإسلاميون يتصرفون من تلقاء أنفسهم في فلسطين، فإن حزب الله يفعل الشيء ذاته في لبنان. إن حزب الله يمثل دولة داخل دولة، بل إنه يملك ميليشيا أقوى من الجيش اللبناني نفسه. وبالطبع فإن الحزب في قرارة نفسه اللبنانية يضع جيشه في خدمة الدفاع عن لبنان. ولكن الحزب يملك نفسا أخرى وهوية أخرى وأجندة أخرى ومهمة أخرى يحاول دائما التقريب بينها وبين هويته اللبنانية، ولكنه لم ينجح في تحقيق هذا الأمر في الواقعة الأخيرة.
تلك الهوية متمثلة في الجهاد العالمي وكل ما ينطوي عليه الآن هذا الجهاد من طموح إقليمي لا علاقة له بلبنان، وما يترتب على هذا الطموح من ولاءات وانتماءات وواجبات ومحاذير. وفي هذا الصدد تحتل فلسطين مكانة كبيرة. ويؤكد زعيم حزب الله حسن نصرالله على هذا الأمر بكل وضوح بقوله: «إن مهمة حزب الله لا تتمثل في تحرير آخر بقعة من التراب اللبناني فحسب، وهي مزارع شبعا ، وإنما أيضا في العمل على صياغة وتحديد نتيجة الصراع العربي الإسرائيلي».
هناك علاقات متنامية بين حزب الله ونظرائه من الإسلاميين الفلسطينيين، حيث يمثل لهم الحزب مصدر نصيحة وتمويل عسكري وتدريب ومساعدة عملية. لقد كان ما قام به حزب الله أخيرا بادياً في الأفق منذ فترة طويلة. بالطبع استطاع حسن نصرالله أن يُعد مبررا لبنانيا قويا لهذا العمل وهو أنه لا يزال هناك عدد قليل من المعتقلين اللبنانيين في السجون الإٍسرائيلية. غير أن الدافع الحقيقي لما حدث مختلف ويتمثل في الدمار الكبير الذي ألحقته إسرائيل بغزة وحاجة الحزب إلى التأكيد على تضامنه مع شعب فلسطين المناضل.
حزب الله، عندما اتخذ قراره، كان يعرف أن الرد الإسرائيلي سيكون مشابها لما قامت به القوات الإسرائيلية في غزة، وذلك لأنه إذا كان ما حدث في غزة مثّل، من وجهة نظر إسرائيل، ضربة قوية ضد «قوة الردع» لديها تستوجب العمل على استعادة تأثير قوة الردع تلك، فإن ضربة ثانية كانت ستؤدي بالتأكيد إلى ردة فعل مضاعفة.
إن حزب الله كان يقينا يعلم أن ما قام به سيؤجج توترات طائفية وسياسية خطيرة للغاية داخل لبنان ستضعه في موقف خطير للغاية في مواجهة الطوائف الأخرى التي تمقت بشدة ما قام به الحزب بشكل منفرد وما يمكن أن يتسبب فيه من جر للبلاد إلى موجات جديدة من القتل والدمار. وأخيرا كان الحزب يعلم بالتأكيد أنه سيدفع الشرق الأوسط بأسره في اتجاه حالة من الفوران والغليان من المحتمل بشدة أن تكون في انتظاره.
وإذا نحينا اللبنانيين جانبا، فإن كثيرا من العرب يشيدون بما فعل حزب الله. وفيما يتعلق بهدفه إسرائيل، فإنه لا يمكن أن يكون هناك مثال أفضل منها لدولة تجني ما زرعته. فلقد استغرق الأمر من إسرائيل 18 عاماً قبل أن تُخرج نفسها من المستنقع اللبناني، الذي لم تخرج منه إلا بعد أن دفعت ثمناً باهظاً تمثل في أنها تركت وراءها طرفا منتصرا ساهمت هي، بجانب إيران وسوريا في إنشائه، وهو حزب الله.
وعلى الرغم من ذلك فإنها تكرر الشيء ذاته على الجبهة التي فتحتها في غزة. فإسرائيل الآن تحول حماس والحركات الإسلامية الأخرى إلى أعداء سيكونون في المستقبل أكثر قوة مما هم عليه الآن.
ترجمة: حاتم حسين
عن (غارديان)